منوعات

مراجعة فيلم Get Out في عام (2017): رعب نفسي، تمييز عرقي، والكثير بينهما!

عمل متوسط على الصعيد الفني، وعمل خارق على الصعيد الدرامي!

دائمًا هوليوود تُمطر علينا أفلامًا جديدة كل عام، وكل منها يتميز عن الآخر بفكرة مختلفة، أسلوب إخراجي مُميز، أو سمة واضحة. لكن قليلة هي تلك الأفلام التي تجمع بين كل تلك المعايير في نفس الوقت. فعام (2017) كان عامًا به أحد تلك الأفلام المنشودة، ففيلم Get Out الذي تم إصداره في ذات العام لا يُمثل فقط تحفة فنية على الصعيد الكتابة والإخراجي فقط، بل أيضًا على صعيد كونه قدوة فعلية لكل كاتب ومُخرج يُريد أن يصنع فيلم رعب نفسي بالمستقبل. فأفلام الرعب دائمًا تكون الأصعب في صنعها وحبكتها، لأنها تستلزم قدرًا كبيرًا من المعرفة في مجال الطب النفسي وعلم النفس على وجه العموم من الكاتب، وتستلزم تقديرًا من المخرج للحالة النفسية التي يُريد الكاتب أن يضع المُشاهد بها بعد الانتهاء من الفيلم. لكن هذا الفيلم حقق المزيج العبقري بين كليهما فعلًا.

فيلم Get Out صدر في عام (2017) ليخطف الأضواء بسرعة جدًا بالرغم من أن بطل الفيلم ليس وجهًا معروفًا على الساحة بالآونة الأخيرة، لكن بالرغم من ذلك أثبت أن الوجوه الجديدة يُمكن أيضًا أن ننظر إليها على أنها جواهر ثمينة أخيرًا صعدت إلى السماء لتبرق وتسطع وتُبهر العيون. فهذا يُفسر لماذا حصد الفيلم 138 جائزة من أصل ترشيحه لـ189 جائزة بالمُجمل، وهذا بجانب فوزه بالأوسكار. وعلى وجه التحديد فاز Jordan Peele بتلك الأوسكار عن أفضل سيناريو أصلي بالعام. الفيلم من إخراج وكتابة Jordan Peele، ومن بطولة Daniel Kaluuya و Allison Williams. حصل الفيلم على تقييم 7.7 على موقع IMDB العالمي، وهذا على يد أكثر من 300 ألفًا من رواد الموقع. كما أن الفيلم حقق إيرادات عالمية وصلت إلى 264 مليون دولارًا أمريكيًّا، بينما ميزانية الفيلم كانت 5 ملايين فقط.

*المراجعة خالية من الحرق، ماعدا في المقاطع التي تم التنويه قبلها بذلك*

القصة

فيلم Get Out 2017 - شخص يجلس بجانب فتاة بسيارة
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

قصة الفيلم تحدث في العصر الحديث، وعلى وجه التحديد في الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصًا في العصر الذي يتم تداول اسم (باراك أوباما) فيه كثيرًا. وبما أنه عصر الحرية، لذلك نرى أن الحب لا يعرف جنسًا أو بشرة، فبالتالي تبدأ قصتنا مع الفتى ذو البشرة السوداء: Chris Washington. يبدأ الفتى (كريس) بالتواعد مع الفتاة الفاتنة ذات البشرة البيضاء Rose Armitage، حتى تصبح رابطهما قوية جدًا. وبعد مرور خمس شهور على كون تلك العلاقة الحميمية قائمة، تدعو الفتاة الفتى إلى منزل عائلتها البعيد والقاصي جدًا، لكن تتحجج بأن الزيارة سوف تكون قصيرة جدًا وأن أهلها ودودون تمامًا وليست بهم خصال التفرقة العنصرية على الإطلاق. لذلك يطمئن (كريس) ويذهب معها بسلامة نية.

وعند الوصول إلى منزل عائلة (آرميتاج) الرائع والكبير، يدخل (كريس) ويتعامل مع أهل الفتاة وفعلًا تبدو عليهم اللطافة الشديدة وأن حديث ابنتهم عنهم حقيقي فعلًا. لكن يبدأ الشاب في تغيير وجهة نظره عن تلك العائلة عندما يجد أن جميع الخدم هم من السود، وأن المعاملة بينهم وبين أفراد العائلة ذاتها يشوبها الكثير من التوجس وعدم الارتياح. كما أن الأحداث الكثيرة التي يشهدها (كريس) وتحدث له فعليًّا بالمنزل تعجله يتقين تمام اليقين أن تلك العائلة بها شيء ما يدعو للشك، وأنه كان على خطأ فعلًا عندما لم يستمع إلى نصيحة صديقه المقرب عندما قال له ألّا يذهب إلى منزل أهل فتاة بيضاء. فيا تُرى ما الذي وجده كريس في ذلك المنزل المُريب مع تلك العائلة التي تبدو طبيعية إلى أقصى حد؟ وكيف سيؤثر ذلك على حياة الشاب المسكين؟ هذا ما ستعرفوه عند مشاهدة الفيلم.

ما المميز في هذا الفيلم؟

حسنًا، من وجهة نظري الفيلم ليس تحفة فنية بصرية بقدر كونه تحفة فنية عقلية. فالكاتب عمد إلى إظهار الكثير والكثير من الرمزيات بالفيلم، لكن المُميز هنا أن الرمزيات لا تعود لأشياء حقيقية في أرض الواقع، بل إلى بطل الأحداث ذاته. فببساطة رمى الكاتب بالنرد في بداية الأحداث ليظهر رقم مُعين، وظل هذا الرقم اللعين يُطارد البطل طوال أحداث الفيلم حتى أحال حياته جحيمًا مُتجسدًا. لذلك هيا بنا نناقش نقاط قوة هذا الفيلم في أربع نقاط رئيسية. وهنا يوجد حرق شديد جدًا للأحداث.

الرمزية

فيلم Get Out 2017 - سيدة جالسة على مقعد وثير بينما شخص ما يقف بجانبها وينظران إلى شخصين آخرين أمامهما
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

الذي شاهد هذا الفيلم يمكن أن يقول أنه لا يوجد حيّز للرمزية على الإطلاق فيه، لكن في الواقع هذا الحيّز موجود، وموجود بقوّة أيضًا. هنا لم يعمد الكاتب لوضع رمزيات يكون لها إسقاط سياسي أو حياتي في الواقع الفعلي لنا، بل عمد إلى وضع رمزيات تنتمي لبطل الأحداث ذاته. كيف ذلك؟ ببساطة الرمزية الأولى والأهم في الفيلم كله هي الغزال. فأثناء ذهاب الثنائي إلى منزل أهل الفتاة، تصادف أن صدمت السيارة غزالًا وحيدًا كان يعبر الشارع ليس إلا، ثم تم تركه هكذا ليموت ويتعفن دون أن يسأل عنه أحد. لكن هذا المشهد به شيء آخر يدل على الارتباط الشديد بين الغياب المجتمعي والجرائم التي تحدث فيه.

ففي هذا المشهد قال الضابط للفتاة أن تتصل المرة القادمة بلجنة حماية الحيوان، وليس الشرطة. هذا يبدو لك عاديًّا، لكن هذا شيء يقول بصريح العبارة: “بعض الهيئات لا تهتم بحماية الجميع بالرغم من أن هذا واجب عام عليها”، وهذا يؤكد عليه أن الضابط طلب بطاقة (كريس) بعد ذلك كإمعان على العنصرية. وهنا تظهر الرمزية فعلًا. فالضابط ترك الغزال وحيدًا بالغابة ليتعفن، وكذلك الشرطة تركت (كريس) وحيدًا بالمنزل ليموت.

استمر الغزال الجريح مع (كريس) طوال الفيلم، وأيضًا ظهر كإنعكاس لشخصيته في العديد من المشاهد (خصوصًا مشاهد النهاية). لكن الكاتب لم يتورع عن استخدام تلك الرمزية بالطريقة الأولى، بل قرر أن يستخدمها مرة ثانية بكل وضوح وقوّة وإيلام شديد. فعندما دخل الثنائي إلى المنزل لأول مرة وحكيا إلى الوالدين الذي حدث، قال الأب أنه يكره هؤلاء الغزلان ولا يُطيقها وأنها عبارة عن مخلوقات تقوم بتدمير النظام البيئي السليم. وعندما قاما بصدم الغزال المسكين هذا، قال الرجل: “هذا شيء جيد، وإن هذه لبداية”.

وهنا إلى قمنا بعمل اقتران بين أقوال الأب ورمزية الغزال، هو يرمز إلى أن البشر ذوي البشرة السوداء هم عالة على المجتمع ويقومون بتخريب البيئة وخط سيرها الطبيعي الفعلي الذي بدأ منذ سنين طويلة جدًا. وتلك النقطة الأخيرة يؤكد عليها أحد مشاهد النهاية حيث كان (كريس) محبوسًا بالأسفل ويُعرض أمامه فيلم تسجيلي يظهر فيه مؤسس العائلة ليقول بتصرف: “لقد ظهر جنس ذوي البشرة السوداء منذ سنين عديدة واستوطن الكوكب”. مما يُبرهن على أن البيض هو الفئة السائدة، والسود هم القلة المندسة.

وجملة “تخرّب النظام البيئي” تلك لها مغزى أيضًا في الرمزية التي نتحدث عنها. ففي الواقع يوجد تناقض شديد بين الذي قاله الأب، وبين الذي يفعله فعلًا. فمن المفترض أن تكون الأشياء التي تُدمر البيئة أشياء ضارة، ولا يجب أن يتم التعويل عليها في أي شيء، ولذلك نسعى لإبادتها. لكن من الناحية الأخرى خلال الفيلم نُدرك أن تلك الفئة السوداء بعينها تمتلك قدرات جسدية وجينية وبيولوجية مُميزة جعلتها تكون تلك الفريسة الممتازة لهؤلاء الصيادين الماهرين. فكيف للضعيف أن يكون محل قوة؟ هذا ينقلنا للرمزية الحقيقية، أن الغزال ضعيف في بيئته، لكن قوي في عيون المفترسين، وهنا الغزال هو (كريس).

فنحن نقتل الغزلان من أجل استغلالها بسبب ميزات خاصة منحتها إياها الطبيعة، أي نحن نراها قوية على الصعيد الاقتصادي بالنسبة لنا. وكذلك في الفيلم يقبضون على سود البشرة من أجل استغلال القدرات البدنية التي أعطتها إياهم الطبيعة أيضًا، أي يجدونهم أقوياء بالنسبة إلى الأغراض التي يقبضون عليهم من أجل تحقيقها.

فبالمُجمل نستطيع القول أن الغزال بشكلٍ عام يُمثل حياة (كريس). ففي بداية حياته مجروح من الداخل لوفاة والدته وهو كان السبب لأنه كان جبانًا أن ينقذها. لكن مع الوقت لم يستطيع التحمل ومع أقل صدمة نفسية من تلك المعالجة النفسية (مثل صدمة العربة بالضبط) انهار تمامًا وبدأت الجراح الباطنية تكون ظاهرية وتؤدي إلى تعفن روحه بالتدريج. الرمزية هنا حقًا رائعة، فبالرغم من أنها تتمحور حول رمز واحد فقط، إلا أن الكاتب استطاع تسخيره في العديد من المشاهد ليخرج بالعديد من الإسقاطات العديدة الأخرى بحياة البطل نفسه. فأصبحت لدينا رمزية متعددة الطبقات والمحاور عوضًا عن رمزية ذات دلالة وتسخير واحد فقط كما نرى في أفلام عديدة أخرى.

رحلة الذات مع الذات

فيلم Get Out 2017 - فتاة تحتضن شابًا منهارًا من البكاء
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

المميز في هذا الفيلم هو أنه لا يناقش فقط قضية التمييز العنصري بناء على لون البشرة، ولا قضية استغلال سود البشرة من أجل الاستعباد الجنسي أو العمل بالسُخرة وما إلى ذلك، بل في الواقع هو يُناقش أيضًا رحلة الذات مع نفسها في هذه الحياة. فالفيلم يدور في محورين متقاطعين في مواضع كثيرة. المحور الأول هو أن تشرع الأحداث في سبر أغوار تلك العائلة والوصول إلى لُب القضية بأسرع وقت ممكن، مع الحفاظ على الغموض والإثارة من أجل جذب المشاهد باستمرار. والمحور الثاني هو محور مناقشة حياة البطل (كريس) في قالب من الدراما والمأساوية. والجيّد حقًا أن التقاطع كان مضبوطًا جدًا بين المحورين، فلم ألحظ طغيان محور على الآخر أبدًا.

في البداية نحن نلحظ أن (كريس) شاب عاديّ تمامًا دون أن ميزات خاصة على الإطلاق، لكن مع الوقت نكتشف أن لديه ميزة كبيرة جدًا، وهي أنه إنسان رقيق وهشّ مثل ملايين البشر حول العالم. فلديه ماضٍ مؤلم جعله يحمل على كتفيه عبئًا مهولًا كل تلك السنوات وبسببه انخرط في البكاء عندما نكز أحدهم ذلك الجرح من الخارج، فانفجر الجرح ليتدفق الألم. وهنا يجب أن أُشيد بآلية البكاء المُستخدمة في مشهد العلاج النفسي بالتنويم المغناطيسي، فالبناء من العين مرة واحدة بهذا الشكل يكون فعلًا إثر صدمة نفسية حادة جدًا.

ففي هذا المشهد رأينا العين بكت دون أن تتحرك عضلات الوجه على الإطلاق، وهذه دلالة على أن الصراخ كان داخليًّا فقط، فالصراخ والألم الخارجيين ينعكسان على عضلات الوجه يتبدأ الانكماشات في الظهور ويظهر لنا الوجه الباكي المعروف. في الفيلم نحن تابعنا قصة كريس منذ ذلك الحادث الأليم الذي يلوم فيه نفسه على موت أمه، ثم تحمله للعبء كل تلك السنين، وفي النهاية نفض هذا العبء عن الكاهل في بؤس وحسرة. فرحلة النفس مع النفس تلك تُبرهن على أن البحث عن الغاية في الحياة هو أهم شيء في الوجود كله. فيمكن بالنسبة للبطل أن تكون الغاية هي مسامحة الذات على الخطأ الذي اقترفته بالماضي، فبالتالي ترتاح النفس من هذا العذاب.

وهذا يؤكد عليه مشهد الأب في النهاية الفيلم عندما اكتشف (كريس) الأمر المأساوي الذي يحدث والمكيدة التي تم تدبيرها له. قال له الأب وهو يستند على شيء ما وينظر إلى الأرض بنوع من الحكمة والوقار: “قل لي يا (كريس)، هو هو هدفك وغايتك السُميا في الحياة؟” في الواقع تلك الجملة تُلخص مغزى الفيلم كله، فالإنسان يبحث عن الغاية من الحياة خلال فترة حياته بالفعل، فبمجرد أن يصل إلى تلك الغاية، يمتلك ذاته والجميع من حوله. وهذا هو الشيء الذي جعل تلك العائلة تفعل ذلك، بمقاييس علم النفس، فتلك العائلة سعيدة جدًا لأنها وجدت الغاية في الحياة. وتلك الغاية هي ماذا؟ الاستمرار في العيش بالطبع لأسباب شخصية بالكامل! فلذلك كل أفراد العائلة يطمحون في الحصول على أجساد شابة وجديدة من أجل الاستمرار في هذه الحياة على الدوام.

الكشف الدقيق والمُحكم لأوراق اللعب

فيلم Get Out 2017 - سيدة تنظر إلى الأمام وتبكي
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

قلت منذ قليل أن الفيلم يسير على محورين متقاطعين بشدة في العديد من المواضع، وأن هذا التقاطع موزون جدًا وليست به أي أخطاء. لكن إيلام ترجع تلك الموازنة يا تُرى؟ في الواقع يا سادة هي ترجع إلى مهارة الكاتب في كشف أوراق اللعب بطريقة تحافظ على انجذاب المُشاهد للفيلم من جهة، وتحافظ على التصاعد الدرامي السليم لشخصية البطل من الجهة الأخرى. في العادة عندما يكون لدى الكاتب العديد من الأفلام، يقع في فخ عدم التنسيق. فلا يتم تنسيق محاور الحبكة بطريقة تضمن ظهور كل تفاصيل المحاور بشكلٍ متواتر وسليم يجعل من السرد سلسًا.

وكلما صار السرد عشوائيًّا، كلما كان من الصعب جدًا إدراجه في قالب إخراجي سليم. فبالتالي يصير الفيلم كله كتلة من العشوائية التامة. لكن في هذا الفيلم التناسق كان مذهلًا بين المحورين، فبالتالي كان الإخراج مناسبًا جدًا للحبكة. وهذا بالطبع يرجع إلى أن الكاتب والمُخرج هما نفس الشخص فعلًا.

فعلى سبيل المثال في البداية أعطانا الكاتب تلميحات عن أن تلك الأسرة هي أسرة بها الكثير من الغموض وتحوم حولها العديد من الشكوك، وهذا بفضل التعامل الغريب بين الأهل والخدم ذوي البشرة السوداء. وبعدها بفترة يبدأ الكاتب بكشف المزيد من أوراق اللعب حول هؤلاء الخدم. فتارة يُظهرهم في موضع قوة وبأس، وتارة يُظهرهم في موضع حسرة وانكسار. وبعد فترة قصيرة يرمي الكاتب بورقته الأخيرة التي ستجعل الأمور ترتبط بطريقة قوية في عقل البطل، ألا وهو المُغني المختفي عن الساحة. فعندما أضاء (كريس) أمامه كشّاف الهاتف، بدأت حالة التدهور العقلي في الظهور (أي ظهور الشخصية الرئيسية لصاحب الجسد والتي كانت مدفونة بشدة في أسفل أعماق اللاوعي).

ومن هنا شرعت كل الأحداث التالية في كونها مرتبطة بتلك الأوراق التي تم إظهارها في الأوقات المناسبة. فظهر أن الخدم هم أفراد العائلة فعلًا، وأن كشّاف الهاتف هو طوق النجاة الذي أنقذ (كريس) من براثن حبيبته السابقة في نهاية الفيلم. ببساطة كشف أوراق اللعب بتلك الطريقة استحق فعلًا أن أسرد فقرتين كاملتين للتحدث عنه.

فلسفة الارتباط الشرطي

فيلم Get Out 2017 - فنجان شاي وتوجد يد تحمل ملعقة وتقلبه باستمرار
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

الارتباط الشرطي مصطلح شهير جدًا في علم النفس، وهو ينتمي إلى المدرسة الشرطية التي ينتمي إليها العالم الروسي الشهير بتجربة الجرس والكلب، (إيفان بافلوف). الفكرة في هذه المدرسة أنها تعتمد على الارتباط الشرطي في إحداث الأفعال، وهذا هو المبدأ الذي يُبنى عليه التنويم المغناطيسي بشكلٍ عام. ألم تسمعوا في أفلام ووثائقيات أخرى عديدة أنه عندما يقول الطبيب للمريض: “سوف تفيق في 3.. 2.. 1..”، وفجأة بعدها يفيق المريض بالفعل؟ حسنًا، هذا ليس الارتباط الشرطي، بل هو نتاج عن تحكم الطبيب بالمريض عن طريق الارتباط الشرطي. ففي الواقع يقوم الطبيب بجعل المريض مرتبط شرطيًّا بحركة بندول مثلًا أو ضوء أو صوت مُعين، وكلما يتكرر هذا المؤثر، يتم استدعاء استجابة مُعينة يُحددها الطبيب في التجربة الأولى. وهذا ما تم استعماله بالضبط في هذا الفيلم، لكن بالطبع مع الطريقة الأقل شيوعًا في علم النفس، والتي تنتمي بشدة إلى تجارب (بافلوف) الأولية في المجال.

عندما أراد (بافلوف) تجربة الارتباط الشرطي لأول مرة، جربه على كلب. فقدم العالم للكلب طعامًا، فيسيل لعابه ثم يقوم بأكله، ثم في المرة التالية منع عنه الطعام وقدم بدلًا منه جرسًا وأخذ يجعله يرن باستمرار حتى ميّز الكلب صوت الجرس. وفي المرة التي تليها مباشرة قدم العالم الطعام مع صوت الجرس فسال لعاب الكلب وأكل، وفي المرة الأخيرة قدم صوت الجرس فقط فسال لعاب الكلب، وهذا لأنه ارتبط شرطيًّا مع صوت الجرس بمجيء الطعام، فبالتالي سيلان اللعاب. هنا قامت الطبيبة النفسية بعمل نفس الشيء، لكن مع استخدام الحديث المباشرة كعامل مُساعد على تقديم المؤثر (صوت طرق الملعقة بالفنجان)، فبالتالي حدث ارتباط شرطي بين صوت الملعقة، ووقوع (كريس) في بؤرة الضياع تلك.

بالرغم من أن هذا الارتباط الشرطي يُعتبر الآن من المبادئ التي لا يُعتد بها بشدة في علم النفس الحديث، لأن المبدأ في الواقع كلاسيكي بدرجة كبيرة جدًا. أجل إنه كان توطئة علم النفس الرصين الحالي، لكنه مبدأ عفا عليه الزمن وجار. لكن من الناحية الأخرى يُثبت كفاءة في التجارب السريرية الفعلية كما ظهر في الفيلم (وظهر في أفلام ومسلسلات وأعمال كثيرة أخرى). وهنا يجب أن أُشيد بالإخراج الرائع جدًا في تصوير مشاهد الإغماء والضياع، وكذلك تصوير مشاهد طرق الملعقة على الكوب أيضًا. الأجواء بالمُجمل كانت تجعل المُشاهد ينظر بشغف وتوجس إلى الشاشة مُنتظرًا الذي سيحدث تاليًا بمزيج من الرهبة والحماس.

النهاية الحقيقية مُحرفة!

*هذه الفقرة بها حرق شديد*

فيلم Get Out 2017 - شخص ذو بشرة سوداء منعكس ليه ضوء بنفسجي ينظر إلى الأمام بيأس
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

نهاية الفيلم كانت جميلة فعلًا وتبعث الراحة في النفوس، وهذا بالتأكيد لأن (كريس) قد نجا بأعجوبة من بين براثن تلك العائلة المجنونة والعنصرية إلى أقصى حد. لكن هل فعلًا تلك هي النهاية التي أراد القائمون على العمل تقديمها؟ في الواقع، لا.

النهاية الحقيقية تتمثل في كون عربة الشرطة التي أتت في نهاية الفيلم لا تنتمي إلى صديق (كريس)، بل إلى الشرطة الفعلية. وبناء عليه يتم القبض على (كريس) بتهمة القتل العمد وحرق المنزل وتخريب الممتلكات، فبالتالي يُزج به في السجن بينما تنجو الفتاة، وبهذا ينتهي الفيلم لنهاية مؤلمة واقعية بشكلٍ كبير. لكن هل تلك النهاية ستعجب الجمهور؟ هذا ما سأله المُنتج Sean McKittrick لنفسه فعلًا. وبناء عليه قرر عمل عرض مُصغر للفيلم ورؤية انطباع الجمهور عن النهاية الأصلية، وبعد انتهاء الفيلم ساد القاعة جو من عدم الراحة والاستياء، فقرر المنتج استبدالها بتلك النهاية الأقل قتامة عن الأولى. وأوضح المنتج نصًا بعد ذلك:

“لكن استشعرت عدم راحة في بين الجمهور، فقد شعرنا جميعًا بأن أجواء الأمن والحماية التي يوفرها الرئيس (باراك أوباما) لذوي البشرة السوداء كأنها لم تكن، فلذلك غيرناها”.

الشخصيات

فيلم Get Out 2017 - شخص ذو بشرة سوداء يقف بجانب سيدة كبيرة وينظران إلى شخص أمامهما
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

أنا أحب حقًا الأفلام التي تكون عدد شخصياتها الرئيسية محدودًا جدًا، مما يسمح للمُشاهد بالتفاعل مع الشخصيات بالقدر المنشود. الشخصيات في هذا الفيلم بالمعنى الحرفي للكلمة لا تتعدى أصابع اليد المعدودة. كما أن محدودية الشخصيات تتناسب معها محدودية الأماكن التي قدمها الكاتب في عمله الفني.

فالشخصيات تتمثل في الأب والأم، الخادم والخادمة، الحبيب والحبيبة. ويُمكن اعتبار الأب والأم والحبيب والحبيبة فقط على أنهم الشخصيات الرئيسية، وبعدهم في المرتبة لدينا الخادم والخادمة، ثم في النهاية لدينا كل الشخصيات الحاضرة بالحفل، وكذلك صديق (كريس). الشخصيات الثانوية بشكلٍ عام كان البناء فيها متوسطًا وليس بها العمق المطلوب، لكن الكاتب قرر أن يصيغ شخوص عمله بتلك الطريقة كي يفسح المجال للشخصية الرئيسية أن تبرز وتظهر، وهذا ما نجح فيه جدًا بالفعل.

الشخصية الرئيسية والبطلة، شخصية (كريس) هي شخصية مُركبة على أصعدة عديدة بالفعل. ففي الفيلم نحن نعمل على محورين زمنيين من حياة (كريس) المسكين. المحور الأول وهو المحور الذي كان فيه طفلًا، وفيه حدثت تلك الحادثة الأليمة التي وصمته بالعار بقية عمره. والمحور الثاني هو المحور الذي صار فيه شابًا يُصارع الحياة ويشرع في علاقة جديدة مع فتاة يافعة كي ينسى مع الوقت الآلام التي مر بها في الماضي. تلك الشخصية المركبة اختزنت بداخلها الكثير والكثير حتى أفاضته على الموجودات من حولها بشكلٍ جبريّ على يد الطبيبة النفسية تلك. مشاهد مؤلمة حقًا رأيناها في الفيلم، ومشاهد أخرى خفية دارت في عقل البطل بين الحين والآخر تركها الكاتب لنا كي نتخيلها نحن، ونُدرك كم حزينة وقاتمة ومقبضة تلك الهواجس.

التمثيل

فيلم Get Out 2017 - فتى ينظر إلى الأمام ويبكي بشدة
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

حسنًا، سوف نتحدث أولًا عن أداء الشخصيات الثانوية. أداء الممثل القدير Bradley Whitford في دور والد الفتاة حقًا كان جميلًا جدًا، فمن الممتع أن ترى هذا المُمثل على الشاشة بين الحين والآخر، فلديه تلك الكاريزما القوية التي لا تستطيع نكرانها على الإطلاق. وحتى إذا كان الدور الذي يقوم بتقديمه بسيطًا أو عفويًّا بدرجة كبيرة، فتلك الكاريزما تخلق حالة شعورية مميزة بشدة له فعلًا.

أما أداء الممثلة Catherine Keener في دور والدة الفتاة، ففي الواقع لم يكن بالقدر الذي كنت أتوقعه. شخصيتها من المفترض أن تفرض سيطرة شاملة وكاملة على الطرف الآخر الجالس أمامها وتائه في دنيا الأحلام، كان يجب عليها أن تتمكن من النظرات ولغة الجسد بشكلٍ أقوى من ذلك، دورها متوسط، وكان يمكن له أن يكون أفضل من ذلك بكثير إذا تدربت عليه أكثر، أو تم استبدالها بممثلة أخرى.

دور الممثلة Allison Williams في شخصية البطلة كان متوسطًا أيضًا، فلم يُظهرها الكاتب في موضع يسمح لها بالقيام بتعابير وجه غير اعتيادية أو إبراز أي مهارة فنية على الإطلاق أمام الكاميرا. فدورها من البداية وحتى النهاية إما شخصية مرحة ومحبة للعالم، أو شخصية صامتة وكارهة للجميع. لكن من الناحية الأخرى ندرك أن كل هذا كان بغرض إتاحة الفرصة للورقة الرابحة بالظهور، أجل يا سادة إنه المُمثل الشاب Daniel Kaluuya في دور بطل الأحداث، (كريس). استطاع المُمثل فعلًا أن يقوم بالدور في البداية بكل عفوية ليجعلك تعتقد أنه شخصية تافهة على الصعيد التمثيلي، لكن مع الوقت يثبت المُمثل جدارة وكفاءة عظيمة جدًا، وخصوصًا في مشهد الإدماع الذي عاد فيه بالماضي بغتة كي يُدرك بشاعة الفعل الذي اقترفه وهو صغير.

الإخراج

فيلم Get Out 2017 - رأس غزال تتوسط الصورة ويوجد مصباح مزخرف من اليمين واليسار
المصدر: لقطة من الفيلم ذاته – تصوير شخصي

الفيلم من إخراج وكتابة Jordan Peele كما قلت سابقًا، وهذا الرجل فعلًا يعشق التصوير في الأماكن المغلفة. فأنا علي أن أقول أن الإخراج الخاص بالمشاهد المُغلقة بين جدران المنزل كان احترافيًّا بشدة عن تلك التي بالخارج في الهواء الطلق. ففي الداخل استطاع هذا الرجل التحكم بالظلال والألوان والزوايا بطريقة لا تُظهر فقط أقسى وأقصى التعبيرات الوجهية للممثلين، بل أيضًا تجعل المُشاهد منغمسًا في حالة شعورية غريبة محركها هو الرهبة والغموض اللذان يتم تسبيبهما عن طريق الزوايا المتقنة والتقريب المتماثل.

على ذكر التماثل، في المشهد الذي كان فيه (كريس) بالقبو ينظر إلى التلفاز الذي أمامه، ذهبت الكاميرا إلى الأعلى لتُظهر رأس غزال كبير بمنتصف الصورة، لكن ليس المميز الغزال، بل الذي بجانبه. فعلى اليمين واليسار نجد نفس الشيء بالضبط، فبالتالي الصورة متماثلة المحاور. وهذا يُذكرني بشدة بالمُخرج (ستانلي كوبريك)، فهو يعشق تلك المشاهد التماثلية، وبالطبع ظهرت بقوة في العديد من أفلامه مثل The Shining.

الموسيقى

في الواقع الموسيقى لم يكن لها وجود كبير من وجهة نظري، فلذلك لا توجد مقطوعة بعينها أستطيع أن أرشحها لكم كالعادة.، لكن الموسيقى التي تم تشغيلها في أحد مشاخد النهاية كانت جيدة. لكن باقي المقطوعات الموسيقية الأخرى يمكن أن تكون قد أتت بين الفينة والأخرى دون أن أُلاحظ. وإذا فعلت، فهذا عيب بالفيلم دون شك. الموسيقى الفعلية ظهرت بعد الانتهاء من الفيلم وهبوط حقوق العاملين على الفيلم في النهاية.

رأي شخصي

فيلم يمكن ألّا نقول عليه خارقًا أو ممتازًا على الصعيد السينمائي، لكن بالتأكيد يجب أن نقول عليه ممتازًا على الصعيد الدرامي والفني والنفسي. الفيلم فعلًا تحفة فنية نفسية من الطراز الرفيع، ويناقش قضايا من النادر مناقشتها في السينما الهوليودية هذه الأيام. إذا كنت تبحث عن فيلم يعكس أشد وأسوأ مخاوفك في الحياة، فهذا الفيلم مُرادك بكل تأكيد يا عزيزي.

مقالات ذات صلة

إغلاق