منوعات

فيلم Leon The Professional: كل المشاعر الإنسانية في عبوة واحدة!

يشرب الحليب، يعتني بزرعته، يرتدي معطفه ونظارته القاتمة...ثم ينطلق للقتل

“الطيب قد يكون أحمقا وطيباً في نفس الوقت، أما الشرير فيجب أن يكون ذكياً”

الأديب الروسي ماكسيم غوركي

قيل إن في يومٍ من الأيام، كان في مكان غير معروف من العالم، مكان منطوي مخبوء بين الأزقة والحوانيت. هناك بين الشقق المتواضعة والأقفال الوصيدة. كانت توجد زرعة محبوسة في إناء فُخاري عنيد. وحدها الزرعة كانت تواجه العالم. تعودت على حالتها المتواضعة وحكمت روحها داخل الإطار المحدد لها. حتى أزهرت وأينعت ونضجت مثل الشمس المُشرقة. كانت سعيدتاً بحياتها الانعزالية مطاوعتاً نفسها مبتعدتاُ عن كل ملذات الحياة التي تجترها، صامدتاً تعتني بنفسها جيداً.

هذه المُقدمة تحكي عن الفيلم الذي نحن في صدد مناقشته اليوم. حيث وُجِدَ رجل وحيد في صومعته. طيب القلب إلى حد الموت لإنقاذ شخص يحبه. غلف نفسه بقسوة العالم. أصبح إلهاً خفي. يأخذ حيات الناس بسهولة ويسر. ولكن هذه القوة العظيمة فُرضت عليه حتى يواجه جفاف الحياة. يتجنب خُبث الناس ويُراوغ الأيادي الممتدة بكل بساطة. يتناول كوباً من الحليب كل يوم ويغرف من البراءة والطيبة ما يماثله. أنه رمز مميز لإنسانية هذا الشيء، هذا الكائن الحيواني المُسمى بالإنسان. ولكن لا شيء في هذا العالم يكتمل، يجب أن يُدنس بأشخاص استغلاليين يريدون أن يربحوا المادة وينهلوا لذات الحياة من جوقة هذا القلب الطيب.

مصدر الصورة موقع: Imdb.com
مصدر الصورة موقع: Imdb.com

القصة

تدور القصة في هذا الممر الصغير المؤدي إلى عدة شقق مُهترئة، حول الفتاة (ماتيلدا)، الضائعة في المجهول. والديها فاقدين لكل معاني الشفقة والحنان. تجار مدرات وبائعة هوا. شقيقتها من والدها شخصية سادية وقاسية، لا تعيرها اهتماماً ودائماً ما تضربها. حتى كرهت الفتاة حياتها. واسودت الدنيا في عينيا الجميلتين. دائما ما كنت تبحث (ماتيلدا) عن شخصٍ ما، يعيرها اهتماماً ويحنوا عليها. تبحث عن إنسان يُكملها، فهي تفقد الكثير من جمال هذه الحياة. تحتاج أن تستنشق شذا الحب، تحتاج أن تُسكرها ثمالة القوة والفخر، عائشة كالضعيف، عالة على كل شيء. يجب على هذه السحابة السوداء أن تنقشع من حياتها.

على الجانب الآخر من الممر وبجانب شقة والدي (ماتيلدا). هناك في الزاوية، يقبع (ليون) وحيداً، مُتناسي العالم الخارجي، جثم (ليون) ذا القلب الطيب واليدين الداميتين في السماء الملونة بالأبيض. حيث الحليب يغسل وجع القلب القرمزي ليحوله لصفاءٍ إسفنجي.

مصدر الصورة موقع: Imdb.com
مصدر الصورة موقع: Imdb.com

وفي هذه النقطة تتسارع الاحداث، وتنزرف الدموع. والد (ماتيلدا) تسبب في موتهم جميعاً. حتى شقيقها ذا الأربع سنوات لم ينجوا من دناسة الوالدين. كانت (ماتيلدا) بمثابة الأم له. بكت عليه كثيراً، إلى أن جف قلبها. بقيت وحيدة وكان هو ملاذها الوحيد. (ليون) القاتل المُحترف يُجسد القوة ويقذف البطش في وجه الأقوياء ولكنه في ذات الوقت رقد في داخله صندوق أسود، مليء بالمشاعر الإنسانية والبراءة الغير معهودة من البشر القاني. لم يفتحه لأحد…ولكن هذه الفتاة ذات الاثنا عشر عاماً ستُهشم هذا الصندوق بقلبها الشغوف وملامحها العطوفة. هذه المسكينة التي دفعتها الدنيا إلى اللاشيء. أقحمتها الأيام في باب جارها الطيب. فوجدت فيه كل شيء. ربما يكون القاتل الحقيقي هو الصامت عن الشر وليس قاتلي الأجرة.

تتمسك الفتاة ب(ليون) الذي لا يوافق في أول الأمر أن يبقيها عنده بسبب طبيعة عمله الخطرة، أنه يعمل وحده فقط. هكذا يعمل المُحترفون. ولكن ماذا إذا أرادت الفتاة أن تكون له كل شيء حبيبة ومربية ومُهتمة وفوق ذلك تريد أن تتعلم صنعة القتل؟ هل سيوافق ليون على أن يعلمها؟ أم سيعطيها ظهره كما الدنيا؟ هل ستكون خليلة القاتل المُحترف (ليون) فتاة متجردة من كل شيء (ماتيلدا)؟ سترى هذا عندما تشاهد الفيلم.

*الفقرة القادمة تحتوي على حرق للأحداث*

مصدر الصورة موقع: Imdb.com
مصدر الصورة موقع: Imdb.com

تطور الشخصيات

هناك شيء عظيم يُلفت الانتباه في هذا الفيلم العظيم، هو بناء الشخصيات وتطورها بمرور زمن الفيلم. هذا الشيء المُحترف الذي يسمى بتطور بنية الشخصيات لا نجدها في كثير من الأفلام. تواجدت الشخصيات في العالم الذي صُنعت له وتطورت بشكل رائع حسب ما أراد الكاتب أن يصنع منها. يمكننا أن نرى هذا بالفيلم على وجه الخصوص في شخصية القاتل المُحترف (ليون).

في بداية الفيلم، كان ليون يعمل لصالح (توني) وحيداُ متخفياً عن العيون، ولكن بعد فترة قليلة من الفيلم، تتغير حياته وتنقلب رأساً على عقب. أثرت الفتاة الصغير (ماتيلدا) على حيات (ليون) الخارجية والداخلية أيضاً. وضح ذلك في شرب (ليون) الحليب كل يوم، تقريباً لا يشرب غير الحليب. ولكن في نهاية الفيلم يشرب (ليون) و(ماتيلدا) النبيذ في المطعم، وبالطبع ثملة (ماتيلدا) من الخمر. شيء آخر يُظهر نقطة بناء الشخصيات وتطورها، هو سلوك (ليون) صحيح أن (ليون) لم يتغير سلوكه الطيب، ولكنه ذهب إلى (توني) لكي يطالب بماله الذي يكتنزه عنده، وأوصى بعد ذلك بإعطاء المال لفتاته (ماتيلدا) إذا حدث له شيء. لم يكن (ليون) ليفعل ذلك لنفسه حتى، لم يكن يسأل عن المال أو أي شيء آخر. وهذا لا يوضح تطور الشخصيات فقط بل يوضح مدى تأثير (ماتيلدا) على شخصية (ليون).

شيء آخر يوضح تطور شخصية (ليون) وهو النوم. كان (ليون) دائماً ينام على الكرسي خارج الغرفة، بردائه الأسود ونظارته السوداء، بعين مفتوحة وعين مُغلقة حسب تعبيره. ولكن عندما دخلت (ماتيلدا) إلى حياته، استطاعت إقناعه بالنوع مُمدد على السرير، بالإضافة إلى أنها علمته القراءة والكتابة بعد أن كان جاهل. وهذا يوضح مدى تأثير الفتاة الصغيرة على تطور شخصية القاتل المُحترف، ومدى ابساط الشخصية كردة فعل لوجود الفتاة بحياته.

مصدر الصورة موقع: Imdb.com
مصدر الصورة موقع: Imdb.com

التمثيل

الأداء التمثيلي كان أكثر من مميز. هذا الرائع المُسمى (جان رينو) الذي يؤدي شخصية القاتل المُحترف (ليون)، إذا شاهدته خارج التمثيل بهذه الهيئة وهذا الوجه، كنت سأقول بكل تأكيد إنه لا يصلح لهذا الدور الصعب جداً. ولكن هذا الممثل أظهر قوة لا مثيل لها، من حيث الجسد وتعبيرات الوجه، كأنه مولود خصيصاً لكي يؤدي هذا الدور المميز في تاريخ السينما العالمية. أثبت بالفعل أنه من طينة الكبار. لآن من الس

هل أن تتقمص دور قاتل مُحترف ولكن من الصعب جداً أن تؤدي دور شخصية تتعارك فيها المشاعر لكي تغلب البراءة والطيبة. تتكشف براعة (جان رينو) في كل ناحية من نواحي الفيلم، المشية الذي يقوم بها (ليون) الملابس المُختارة بدقة لُتلائم الشخص، اللهجة الأجنبية، طبقة الصوت وشكل الوجه وملامحه، حتى عينه التي تفيض بمعاني الطيبة والحنان والبراءة، ولكن سرعان ما يتحول كل هذا إلى جحيم عندما يعود إلى عمله.

مصدر الصورة موقع: Imdb.com
مصدر الصورة موقع: Imdb.com

الممثلة الرائعة (ناتالي بورتمان) بدور (ماتيلدا). قامت هذه الفتاة بعمر الاثنا عشر عاماً فقط بالدور الأفضل في حياتها، عندما تتمرد الفتاة الصغير على حياها الطفولية وتتوق نفسها إلى النضوج والحب الأكبر من سنها، عندما تجترح الفتاة أعمال شريرة لكي تثبت حسن نيتها، عندما تمسك مسدساً وتتحكم في مشاعرها، عندما تتحكم في غضباتها، وتزرف دموعها. حتى قصة الشعر الطفولية والمكياج الذي كان يجعلها تبدو أكبر من سنها قليلاً كل شيء كان رائعاً وفي مكانه بالضبط. أفضل شيء في هذا الدور هو نزعة التمرد الذي ترتسم دائماً على وجهها. كفتاة خسرت كل شيء في هذه الحياة ولا تخاف من مخلوق على هذا الكوكب، وهذا ما جعل دورها عظيماً جداً.

والمُخضرم العظيم (جراي أولدمان)، لا أستطيع أن أصف أدائه المحوري في القصة، وكيف رغم لقطاته البسيطة في الفيلم كان أكثر من رائعاً للتعبير عن الشر المُطلق أو النزعة السيكوباتية المُثيرة للقتل دائماً. لا أستطيع أن أصف كم التكامل الذي حظيت به هذه الشخصية الشريرة. (جراي أولدمان) كان مؤثراً جداً في الفيلم. كان رائعاً.

الإخراج

المُخرج وكاتب الفيلم هو (لوك بيسون)، أظن ان هذا العمل هو زبدة أعماله وأفضلها على الاطلاق، ليس بسبب الضجة الذي أحدثها فقط ولكن بسبب الفكرة المُتناولة في الفيلم كانت مميزة ومُكدسة بالمشاعر الإنسانية المُتبادلة والغريبة نوعاً ما على عالم السينما آنذاك. الإخراج كان مميز جداً استطاع المُخرج أن يُجسد روح كل شخصية في كل قطعة وكل موقع، حيث انعكست طبيعة العمل على مواقع التصوير. بالإضافة أن التصوير السينمائي كان شاملاً، جيث أن المُخرج (لوك بيسون) استخدم تقريباً كل أنماط التصوير السينمائي مثل تقنية عين الإله السماوية، التي تُظهر البشر كالنمل. وتقنيات الClose Shot وال Long Shot لكي يظهر قسمات الوجه من قريب والأجساد كاملة من بعيد. وبما أن المُخرج هو نفسه الكاتب، فالسيناريو كان أفضل شيء في الفيلم، يمكنك أن تُعجب بالكثير من العبارات إلى حد اقتباسها في حسابك الخاص على الفيسبوك. كان السيناريو فلسفي وواقعي أيضاً لأقصى درجة، ركز على نقاط المشاعر الإنسانية، القسوة والوحدة والحب ونسج بينهم علاقة قوية مُستحكمة خرجت لنا بشخصيات بديعة.

صورة من خلف كواليس فيلم Leon The Professional، تُظهر الممثلين (جان رينو) ،(ناتالي بورتمان)، مصدر الصورة موقع: Imdb.com
صورة من خلف كواليس فيلم Leon The Professional، تُظهر الممثلين (جان رينو) ،(ناتالي بورتمان)، مصدر الصورة موقع: Imdb.com

الموسيقى التصويرية

مُذهلة. تلعب على وتر القلوب، وتقرب المُشاهد أكثر من الشخصيات. وتفتح مجال شعوري أكبر بين المشاهد والشخوص الموجودة حيث الحساسية المُفرطة والقلوب التي تفيض بالمشاعر. بالطبع أفضل أغنية في الموسيقى والثيمة الأساسية في هذه الملحمة كانت أغنية The Shape Of My Heart، حقيقتاً الأغنية والموسيقى رائعتان. المزج بين الكيانين الموسيقي والبصري كان مُذهلاً، ومؤثراً فعالاً في كيان الفيلم المُتكامل.

صورة من خلف كواليس فيلم Leon The Professional، مصدر الصورة موقع: Imdb.com
صورة من خلف كواليس فيلم Leon The Professional، مصدر الصورة موقع: Imdb.com

في أخر الأمر، هذا الفيلم هو تحفة فنية حقيقة، تستحق المشاهدة والترويج لها. التمثيل فاق التوقعات والإخراج جذب جميع عوامل النجاح ووضعها في قالب متكامل حتى ينجح الفيلم. وبغض النظر عن بعض مشاهد المعارك المُبالغ فيها، والذي كان فيها القاتل المُحترف (ليون) يستطيع الصمود وحده ضد مئتي شخص مدججين بالأسلحة الثقيلة والمُعدات المُساعدة ومدربين على أعلى مستوى. إذا أغفلنا نقطة المعارك الأخيرة في الفيلم سيكون تحفة فنية تاريخية حقيقية فعلاً. وسيصبح نقطة تاريخية يجب المرور حولها قبل إكمال المسيرة السينمائية. شخصية (ليون) الشبه متكاملة جمعت بين الشر والحماقة والطيبة والذكاء لتقدم مُتعة لا نهائية للمشاهد. هذا الفيلم هو تجربة ناضجة ورائعة تستحق أن يخوضها ويهتم بها كل محبين الأفلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق