منوعات

احتفالًا بمرور 21 عام على إنتاج فيلم The End of Evangelion، لماذا EVA واحد من أعظم أعمال الأنمي؟

هل نحن أمام أحد أعظم أعمال الأنمي في التاريخ فعلًا؟

إذا كنت من متابعي الأنمي الحق، فأنت بالتأكيد قد مررت في حياتك الـ(أوتاكوية) على بعض الأشخاص الذين يتناقشون ليل لنهار لدرجة أن يصلوا إلى مرحلة السباب والعراك الجسدي بسبب الصراع الفكري الأبدي بين الأنمي القديم والحديث، أي بمعنى أصح الأنمي الذي تم إصداره في مرحلة ما قبل الألفية الثانية، وبعد الألفية الثانية. فدائمًا ما يكون عام (2000) هذا رقمًا مقدسًا عند كل الشغوفين بصناعة الفن بشكلٍ عام. فهذا العام على وجه التحديد يُمثل نقلة نوعية في العديد من الفنون، خصوصًا أنه من بدايات تلك الحقبة أي في حدود من عام (1998) إلى عام (2002)، صارت صناعة الفنون ثورية أكثر وفيها لكثير من الإبداع والفرّد، وهذا بالطبع يعود إلى التطور التكنولوجي الهائل الذي بزغ منذ تلك الحقبة ويزيد كل يوم عن الآخر حتى وقت مُطالعتك لهذه الكلمات الآن.

ولكل أشهر الفنون التي تأثرت بذلك التطور التكنولوجي الهائل هي صناعة الأنميشن أو الرسوم المُتحركة على وجه العموم. بصناعة الأنميشن بدأت بالكارتون الذي تربينا معه جميعًا والذي غزت النسخ الورقية منه العالم في صورة (ميكي ماوس). وعند تطور الأنميشن أصبحت الحياة أجمل وأكثر بريقًا، فظهرت شركات مثل (بيكسار) و(دريم ووركس) وبالطبع تطورت شركة (والت ديزني) أيضًا لتلحق بهذا الركب التطوري المهول. وعلى إثر ذلك رأينا العديد من أفلام الأنميشن الرائعة والمذهلة مثل فيلم Wall-e و Up و Rise of the Guardians والعديد من الأفلام الجميلة الأخرى. لكن هذا على صعيد الأنميشن الخاص بالثقافة الأمريكية والذي يصدر في أمريكا ثم يحتل العالم بعد ذلك، وهي فئة أفلام الأنميشن التي تأخذ من الأوسكار حيّزًا مُعتادًا في كل مرة. لكن من الناحية الأخرى يوجد نوع وفن آخر من الأنميشن المميز جدًا من حيث الحبكات، الرسم، وأيضًا الموسيقى التصويرية والتفاعل مع الحدث، ألا وهو فن الأنمي الياباني.

فن الأنمي الياباني أيضًا تطور تطورًا هائلًا مع بداية فترة الألفية الثانية مثله مثل جميع الفنون الأخرى. والجدير بالذكر أن فن المانجا الياباني لم يتطور بنفس القدر لأن المانجا كما الكوميكس الأمريكية، تعتمد على أسلوب الرسم الخاص بالرسام نفسه والذي يختلف من شخصٍ لآخر، لذلك التغيّر الذي طرأ على المانجا هو أن تصنيفاتها تشعبت وتضاعفت في العدد مثلها مثل الأنمي أيضًا. لكن الأنمي من الناحية الأخرى صار تطوره على صعيد الرسم أيضًا، فأغلب أعمال الأنمي قديمًا ما كان الرسم فيها يتم بشكلٍ يدوي بالكامل، ثم يتم التحريك ودمج الإطارات على الحاسب الآلي. الآن صار جزء كبير من الرسم يتم على الحاسوب نفسه، فبالتالي ترتقي جودة العمل الفني ككل. وذلك سمح أيضًا بزيادة عدد الإطارات المُتاحة في الثانية الواحدة، فبناء عليه تزداد درجة وضوح ورصانة وتفاصيل الحركة والمشاهد على وجه العموم. لذلك أعمال الأنمي التي نتجت بعد الألفية الجديدة تمتاز بأسلوب رسم مختلف تمامًا عن ما قبل ذلك.

ونتيجة لذلك صار الأنمي الياباني يُعرف بمدرستين: المدرسة القديمة – Old School والمدرسة الحديثة – New School. المدرسة القديمة هي التي أسلوب الرسم فيها أقرب إلى الواقعية وتكون أغلب أعمالها الفنية الشهيرة مصبوغة بطابع من العمق والتشعّب النفسي والدرامي، لكن المدرسة الحديثة التنوّع فيها كبير جدًا ولم تصبح السمة العامة لأعمال الأنمي الشهيرة هي إدخال العمق في أي شيء. لكن يبقى هناك شخص واحد حافظ على أسلوب مزجي ومتوازن بين هذا وذاك، ألا وهو المُخرج (هاياو مايازاكي)، صاحب استوديو (غيبلي) الفني.

اليوم يا أعزائي سوف نتحدث عن المدرسة القديمة، وعلى وجه الخصوص أحد أفضل أعمال الأنمي التي بزغت في تلك الفترة وصارت أيقونة في عالم أعمال الأنمي التي تنتمي إلى فئة التحليل النفسي والولوج التام إلى أعماق النفس البشرية وسبر أغوارها حتى النخاع. أنمي Neon Genesis Evangelion. الأنمي تم إصداره في عام (1995) من قبل استوديوها الأنمي Gainax و Tatsunoko Production. بينما فيلم The End of Evangelion صدر في عام (1997)، وهذا الفيلم يُعتبر هو النهاية الفعلية والحقيقية للأنمي الذي هو بالنسبة لي أحد أكثر النهايات ملحمية وواقعية في تاريخ صناعة الأنمي. واليوم سوف نتحدث عن هذا الأنمي لأنه هذه الأيام نحن نحتفل بمرور 21 عام بالكامل على صدور هذا الفيلم، فقد صدر على وجه التحديد في يوم 16 يوليو، ونحن في شهر يوليو أيضًا. لذا نرجو أن تربطوا أحزمة الأمان وتحضروا الكثير من الأدوية المضادة للاكتئاب لأننا اليوم لدينا رحلة جامحة وقاتمة في خبايا النفس البشرية!

*المراجعة مفعمة بالحرق – (Spoilers) في فقرة (لماذا هذا الأنمي مُميز جدًا؟)، لذلك لزم التنويه*

القصة

أنمي Neon Genesis Evangelion - فتى يجلس أمام قبر ما وأمامه لفافة ورد
IMBD

أعمال الأنمي في فترة ما قبل الألفية الثانية عندما أرادت أن تخرج عن المألوف، فابتدعت سمة عامة للأعمال التي يكون أبطالها من الشباب أو المراهقين، حيث تكون تلك الأعمال بها الكثير من الحركة والقتالات والدماء وما إلى ذلك، وتلك السمة المبتكرة هي سمة الروبوتات الآلية الجامحة والشرسة. أجل الآن الأعمال التي تبدأ في البزوغ في أذهانكم الآن منها بكل تأكيد الأنمي القديم الذي تربينا معه مُدبلجًا إلى العربية (أجنحة جاندام). وهذا الأنمي اتبع نفس الصبغة العامة، لكن قام بعمل ثورة عليها ليُثبت أن الأعمال المبنية على الروبوتات والحركة ليس بالضرورة أن تتمحور حول القتالات والدماء والسعي نحو السلطة فقط. فهذا ما تميّز به أنمي Neon Genesis Evangelion، وهذا ما سوف نتحدث عنه الآن.

تبدأ القصة في عصرٍ باتت فيه البشرية في موقف حرج. فبدون سابق إنذار بدأت العديد من الكائنات الفضائية الغريبة غزو الأرض وتُدعى بالملائكة، تلك الملائكة تسعى دائمًا إلى مهاجمة مدينة بشرية واحدة بعينها. وتلك المدينة التي تُمثل البشرية في الأنمي يستحيل أن تقف دون حراك، لذلك ابتدعت مقالات آلية عملاقة تُدعى بالـ(إيفا) – Eva. وتلك المقالات لا يمكن لأي بشريّ أن يقودها إلا الأطفال المُراهقون، مما يجعل الحصول على طيّار لتلك المُقاتلات أمرًا عسيرًا. خصوصًا أن تلك المقاتلات تتطلب نسبة توافق عالية جدًا مع الطيار الخاص بها كيلا تطرده خارجها وتتوقف عن أداء المهام الموكلة إليها. تبدأ القصة الفعلية عندما يتم استدعاء الفتى المراهق (شينجي كاي) من قبل والده إلى مقر تجهيز الطيارين القادرين على قيادة تلك الآلات المُقاتلة. ليطلب منه والده قيادة إحداها، وهي الوحدة Eva-01.

الفتى (شينجي كاي) في الواقع يبغض والده أشد البغض، وهذا لأنه منذ وفاة أم الفتى وقد تركه والده في عهدة أحدهم بينما هو انتقل إلى ذلك المقر العسكري المنعزل في باطن الأرض ليقوم بواجبه في تجنيد المراهقين الصغار من أجل حماية البشرية. لكن بالرغم من كل شيء يشرع الفتى في قيادة تلك الآلة المُحاربة من أجل حماية البشرية من خطرٍ الفتى نفسه لا يهتم بأمره، لأنه في النهاية كل ما يريده في هذه الحياة ألّا يكون وحيدًا، وأن يهتم به والده، وأن يستطيع التحدث إلى والدته مرة أخيرة فقط ويموت بعدها فهذا لا يهم بالنسبة له. لكنه يقاتل على كل حال. لكن هل سيأتي وقت على هذا الفتى المسكين ويتحطم بالكامل ولا يستطيع الاستمرار في هذه الحياة بتلك الطريقة؟ أم سيستمر العمل كآلة حرب لا تمل ولا تكل؟ وهل سيكون في ظهور الشخصيات الجديدة تأثير في حياة هذا الفتى الصغير أم سيظل متبلد المشاعر تجاه كل من حوله؟ كل هذه أسئلة ستعرفون إجاباتها عند مشاهدة هذا الأنمي.

يتميز الأنمي بأنه يُناقش التناقض النفسي الشديد الذي يمر به الشخص خلال مرحلة المراهقة. ففي تلك المرحلة لا يكون التغيير نفسيًّا فقط، بل بدنيًّا أيضًا. الهرمونات والغدد تكبر وتتغير وتظهر إلى الوجود بصورها النهائية كي تجعل صاحبها في حالة مزاجية ونفسية مُعتلة ومُتغيرة على الدوام، ولا تصل تلك المعدلات إلى حالة الثبات إلا مع الوصول إلى مرحلة الرشد والتخلص من تلك المرحلة المؤلمة. من المفترض أن يتم تقديم الدعم النفسي هؤلاء المراهقين كي يتخذوا قرارات سليمة في الحياة إذا كانت الحياة مفتوحة أمامهم، وإذا كانت الحياة مغلقة في وجوههم (كما هو الحال مع بطل الأنمي) فالدعم النفسي في هذه الحالة لن يكون فقط من أجل جعل الشخص يدرك التغيرات التي تطرأ عليه، بل أيضًا يشمل اتّخاذ إجراءات تُحول دون وقوع المراهق في دوامة من الاكتئاب واليأس الناتجين عن الوحدة القاتلة.

ببساطة هذا الأنمي يُناقش سببية الوجود والغاية من الحياة، ولماذا نحن نعيش من الأساس وماذا سيحدث إذا متنا؟ إذا كنت من محبي الفليسوف الشهير (نيتشه)، فأنت بالتأكيد سوف تعشق هذا الأنمي. فالكاتب (والذي هو المُخرج أيضًا) قام بالاعتماد على الكثير من فلسفات هذا الفليسوف في عمل حبكة هذا الأنمي، وأهمها هي فلسفة العدمية التي تقول بأن كل مجهودات الإنسان ما هي إلا مضعية للوقت، لأن الأهداف والرغبات والوقت والإنسان نفسه لا فائدة لهم على الإطلاق. فالوجود هو العدم، والعدم هو الوجود، لا فارق بين الاثنين، فالاثنان غير موجودان، وفقط ذوي البصيرة القصيرة والمُضللة هم الذي أوهموا أنفسهم بنفاسة وقداسة هذه الحياة العدمية.

لماذا هذا الأنمي مُميز جدًا؟

توجد العديد من نقاط القوّة والتميّز في هذا الأنمي قد تصل إلى العشرات والعشرات، ويُمكن أن أكتب كتابًا كاملًا ومرجعًا شاملًا عن مزايا هذا الأنمي ونقاط قوته. لكن اليوم سوف أختصر نقاط قوته إلى 10 نقاط فقط تُغطي أهم وأبرز أبعاده التي جعلته في نظري تحفة فنية شاملة وكاملة وخارقة نادرًا ما تتكرر في تاريخة صناعة الفن على وجه العموم، وتاريخ صناعة الأنمي على وجه الخصوص. الآن هيا بنا نتعرف على تلك النقاط سويًّا يا أعزائي. واحذروا، هناك الكثير من الرمزيات والأحزان والشجون تنتظركم في الفقرات التالية، فننصح بإحضار مجموعة من المناديل الورقية بجانبكم لأنكم بالتأكيد ستحتاجونها.

1- العنوان ذو الدلالة المميزة

أنمي Neon Genesis Evangelion - W - صورة لعنوان السلسلة
IMBD

باليابانية العنوان هو (Shin Seiki Evangerion – 新世紀エヴァンゲリオン) وبالإنجليزية هو Neon Genesis Evangelion. عندما نتحدث عن العنوان، يجب بالتأكيد أن نتحدث عن كل كلمة من كلماته على حدى. فكل كلمة تحمل دِلالة مُعينة، وعند تجميل الكلمات كلها بجانب بعضها البعض تنتج لنا جملة كاملة تحمل دلالة ثابتة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفكرة التي يُقدمها الأنمي.
• كلمة Neon: تلك الكلمة مقتبسة عن اللاتينية ألا وهي (Neos – νέος, α, ον)، وهي كلمة شهيرة جدًا في اللاتينية وتعني الحديث أو (الجديد) أو حديث الولادة، وفي بعض المواقع الأخرى تعني المُفهم بالشباب والطاقة والصحة والجمال.
• كلمة Genesis: عندما نتحدث عن تلك الكلمة فنحن بالتأكيد يجب أن نتحدث عن الديانة المسيحية والكتاب المقدس، فتلك الكلمة دائمة الذكر بين صفحات ذلك الكتاب وفي تلك الديانة على وجه التحديد. فعندما تفتح الكتاب المقدس سيكون أول سِفر يُقابلك هو سِفر التكوين، والذي يُدعى Book of Genesis. هذا السِفر يحكي قصة الخلق للأنام، فبالتالي عند استخدام دلالته في العنوان يمكن القول أن الكلمة تعني ضمنيًّا (شيء قادم إلى الوجود.)
• كلمة Evangelion: تلك الكلمة ترتبط بالديانات على وجه العموم. فتلك الكلمة أصلها إغريقي، فهي مأخوذة من الكلمة الإغريقية Euangélion، والتي تعني كتاب العقيدة. وفي المسيحية لها دلالات عديدة ومُختلفة (والجدير بالذكر أن هذا الأنمي به العديد والعديد من الرمزيات المرتبطة بالديانة المسيحية على وجه الخصوص، وديانات أخرى على وجه العموم)، وإحدى تلك الدلالات هي أنها ترمز إلى مجيء الأخبار السعيدة للعالم، وفي رواية أخرى ترمز إلى إعادة بعث البشر إلى الإله كي يتم لم شملهم معه وتجديد إيمانهم به، وفي رواية ثالثة فهي ترمز إلى الهبوط الثاني ليسوع على الأرض. فإجمالًا، تلك الكلمة تعني بالنسبة للأنمي (الأخبار المشرقة).
فعندما نقوم بتجميع تلك الكلمات سويًّا سوف تظهر لنا جملة كاملة تحمل دلالة تقول: رسول حديث أتى إلى الأرض كي يحمل لأهلها الأخبار المشرقة. بالطبع توجد العديد من التفسيرات الأخرى المختلفة لهذا العنوان الغامض، لكن ذلك التفسير هو الأقرب بالفعل إلى فكرة عمل مقالات الـ Eva نفسها. فالـ(إيفا) بالنسبة إلى البشر هم الرسُل الذين صنعوهم بأنفسهم كي يُبشروهم بلم الشمل مرة أخرى في كينونة واحدة وكبيرة توحد الجميع في هدوء سرمدي مرة وللأبد.

2- الحبكة ذات الخيوط المتشابكة بقوة والمتصادمة بعنف

أنمي Neon Genesis Evangelion - سيدة تنظر إلى شاشة حاسوب كبيرة يظهر عليها كيان غريب
IMBD

الحبكات تتميز على وجه العموم بالعديد من العناصر الفنية الجيدة. أحد تلك العناصر المميزة هو الغموض، فكلما كانت الحبكة غامضة المعالم وجزء كبير من أفعال الشخصيات والمشاهد المختلفة هنا وهناك غير مُفسر، أو مُفسر بشكل جزئي يدفع المتفاعل مع العمل الفني يبحث خارجه، كلما كانت الحبكة أفضل. ترغيب المُشاهد في الأنمي عبر جعل بعض الأشياء غامضة غموضًا كبيرة حتى بعد الانتهاء من الأنمي ذاته، هذا يجعل الأنمي في مصاف الأعمال الفنية القوية والتي تحتاج إلى تفسيرات إضافية بعد مشاهدة العمل كله، وهذا يرجع لأن تلك التفاصيل سوف تأخذ حلقات كثيرة يتم تقديمها بالطريقة المطلوب تقديمها بها لتتسق مع الأحداث العامة للأنمي. لذلك الكاتب هنا قرر أن يُركز على شخصية البطل والشخصيات المساندة له كي يجعل الحبكة تنتقل من حيّز القتالات الواقعية، إلى حيّز القتالات النفسية. فبالتالي تبقى العديد من أجزاء القصة مبهمة وغير قابلة للاستنباط دون مُساعدة. لذلك في الفقرات التالية سوف أسرد لكم قصة وماضي هذا العالم الذي تدور فيه الأحداث، والذي أوصل الوضع للشكل الذي رأيناه في الأنمي.

كانت هناك كائنات فضائية قديمة ومُتطورة جدًا تُدعى الأسلاف. هؤلاء الأسلاف منذ 4 بليون سنة قاموا بتوزيع بيضات مختلفة على الكواكب الكثيرة المعروفة، حيث يحصل كل كوكب على بيضة واحدة فقط. تلك البيضة إما أن تكون قمرًا أسودًا (به ليليث)، و(ليليث) هنا التي تُعطي النسل للبشر والحيوانات وكل صور الحياة المختلفة التي نعرفها، أو تكون قمرًا أبيضًا (به آدم) و(آدم) هنا هو الذي يُعطي النسل للملائكة المقاتلة تلك. كل بيضة يأتي معها رمح هائل أحمر يُسمي (رمح ليجنوس)، وهذا الرمح هو الشيء الوحيد الفعّال تجاه تلك المخلوقات الخالدة التي تخرج من البيض بنوعيه وتخلق أشكال الحياة المختلفة. كل كوكب بالفعل حصل على بيضته الخاصة، لكن في يوم من الأيام حدث شيء خاطئ.

بعدما هبطت بيضة (آدم) على كوكب الأرض، مرت فترة بعد إعماره للأرض، وهبطت بيضة (ليليث) عليه بعد ذلك بالخطأ. وهنا أصبح لدينا بيضتان لا يجب لكل واحدة أن تكون بجانب الأخرى هكذا، وعلى إثر ذلك حدثت كارثة طبيعية مهولة تُعرف بالاصتدام الأول. ليتنحىّ جنس الملائكة جانبًا ويبدأ الجنس البشري في إعمار الأرض. والجدير بالذكر أن القمر الذي ننظر إليه الآن في سماء الأنمي ما هو إلا بقايا بيضة (ليليث) إثر الاصتدام الأول العنيف. لكن بعد فترة اكتشف الأسلاف القُدامى الخطأ الفادح والمصيبة الشديدة التي حلّت بكوكب الأرض، وبناء عليه صنعوا مخطوطة نقشوها على حجر كبير وضعوه بأعماق البحر الميّت يحكي ما حدث، ويقول أن الملائكة سوف تستيقظ في يوم من الأيام من جديد لاستعادة جسد آدم من بين براثن البشر، وأن الهدف النهائي من هذا كله هو دمج (ليليث) مع (آدم) من جديد لتذوب كل الأرواح والكائنات وتتجمع في كينونة واحدة بهدوء وسلام للأبد.

وبناء على تعليمات تلك المخطوطة، تولّت منظمات بشرية اتباعها بالحذافير، فقاموا بنزع رمح (ليجنوس) الذي انغرس في جسد (آدم) إثر الاصتدام الأول بالقارة المُتجدمة (إنتركاتيكا). وفي منظمتهم العسكرية هناك لمس بشريّ ما (وفيه روح ليليث) جسد آدم، فبالتالي حدث الاصتدام الثاني الذي راح ضحيته الآلاف. وإثر ذلك استخدم البشر رمح (ليجنوس) من جديد كي يحولوا آدم إلى صورة مُصغرة ومحفوظة في كهرمان شمعي. وهذا بهدف دمجه في نهاية المطاف مع جسد (ليليث) المحفوظ لديهم لخلق الكائن الهجين الذي سيوحد البشر في كينونة واحدة أخيرًا. وحتى تحقيق ذلك المأرب، يجب القضاء على كل الملائكة التي تحاول أخذ (آدم) منهم، فبالتالي استخدموا آدم في خلق (الإيفا)، وهي مخلوقات ملائكية بالفعل لكن تم تسخيرها لتخدم البشر وتُقاد من قبل البشر أيضًا (وهذا يُفسر طبيعتها العدائية والشرسة عندما تخرج عن السيطرة وترفض أوامر الطيار).

لكن (غيندو) والد البطل لديه نوايا مختلفة، فقد اقترح مشروع الواسطة البشرية على منظمة (زيليه) للتسريع من تحقيق المأرب الخاص بها، لكن ذلك الأمر كله كان عبارة عن خطة دفينة يُريد (غيندو) تنفيذها عندما يحين الوقت المناسب. فهو يُريد من (أيانامي ري) عندما تندمج مع (ليليث)، أن تندمج بعد ذلك مع (آدم) المتمثل في يد (غيندو) وتترك أمر جمع كل حيَوات البشر سويًّا وتجمعه مع زوجته الراحلة (يوي) فقط لا غير. هذه أنانية شديدة منه بالطبع، لكن هذا شيء لا نستطيع أن نلومه عليه، فهو فقد زوجته إثر عملية احتكاكية عرضية مع الوحدة 01 قديمًا، ويُريد رؤيتها ويتوحد معها بعد طول غياب، فالحب يظل حبًا مهما كانت الوسيلة المستخدمة في الوصول إليه. وهنا تبدأ الأحداث في عام (2015) وتتم دعوة (شينجي) إلى مقر العمليات العسكرية من أجل قيادة الوحدة 01 (التي بها روح يوي وذلك يُفسر نسبة التوافق العالية جدًا بين الوحدة 01 والطيار شينجي كاي، لأنه ولدها في النهاية)، واستكمال مسعى البشرية في القضاء على الملائكة!

3- التصاعد الدرامي الرصين جدًا لشخصية البطل

أنمي Neon Genesis Evangelion - فتى نائم على السرير ويستمع إلى الأغاني
IMBD

الفتى المراهق الصغير والهشّ (شينجي كاي) كان يعيش حياة هادئة وانطوائية جدًا في منزل مُعلمه، وفجأة يُقال له أن يذهب إلى منظمة عسكريت تقوم بمكافحة كائنات تجعل مصير البشرية على المحك، وإذا رفض سوف يُعتبر جبانًا ويكون سببًا في بناء البشرية كما نعرفها! حسنًا، هذه بعض الكلمات المُرعبة حقًا. ضد نفسك في نفس موضع هذا الفتى، ماذا كنت ستفعل؟ بالتأكيد سوف ترتعد من الموقف، وترتعد بشكلٍ أكبر من نظرة والدك لك. في دخيلة نفسك أنت تبغض والدك بشدة، لكن من الناحية الأخرى ذلك البغض لم يقلل من شعور الخوف والرهبة من الفشل أمامه، فبطبيعة الحال أنت تعلم أنك مُتوحد وانطوائي وخجول ولا تستطيع التحدث إلى الآخرين بشكلٍ لائق وتفضل الاستماع إلى مُشغل الأغاني الخاص بك عوضًا عن التفاعل مع الكائنات الحية من حولك. تلك هي طبيعتك، وهذا شيء تبغضه بقدر بغضك لوالدك، لأنه في النهاية السبب في كل ذاك عندما نبذك وأنت صغير وذهب للسعي نحو مآربه الخاصة.

الفتى في هذه المرحلة متوحد وانطوائي إلى أقصى حد، وفجأة وجد نفسه في خضم أحداث تتطلب أن يتخطى المرء كل المراحل تلك ليصل إلى مرحلة الاجتماعية المفرطة، ثم إلى الثقة بالذات، ثم الإيقان بأن الذي يفعله هو من أجل هدفٍ أسمى ونابع من داخله بالفعل. وفي الأنمي (شينجي) يفعل كل ذلك لأسباب تتناقض تمامًا مع ما سبق للأسف. فبالتالي تكون المُحصلة النهائية الإيجابية بالنسبة إلى الفتى صفرًا كبيرًا، بل وتكون المحصلة النهائية سلبية وتهبط به أسفل الصفر إلى 100 بالسالب. فلا يصبح الفتى متوحدًا فقط، بل أيضًا مكتئبًا ووصل إلى مرحلة من الصمت الخارجي التام تعكس حالة انفجار حادة بالداخل. فهو يصرخ كل يوم بداخل رأسه حتى يكاد ألّا يتحمل تلك الأصوات والصرخات التي تملأ رأسه ليل نهار. وتلك الصرخات لا تكون صوتية فقط، بل ترتبط بمشاهد وذكريات من الماضي والحاضر تُبرهن للفتى الصغير كم هو جبان وهشّ وضعيف ولا يستحق العيش في هذه الحياة من الأساس. تلك الظاهرة أحب أن أُطلق عليها (الحلقة اللا نهائية من الأفكار) – The Infinite Loop of Thoughts. وتلك الحلقة بالفعل تجعل الإنسان في حالة تدهور مستمر حتى تدفعه إلى الجنون.

بعدها بدأت الأحداث تتغير لتكون حجر الزاوية في تطور شخصية (شينجي) كما نعرفها. بدأت تظهر (آسكا) في حياته، تلك الفتاة التي عاملته باحتقار بالغ وتعجرف واضح، لكنها من الناحية الأخرى كانت تُعيره اهتمامًا، حتى ولو كان هذا الاهتمام في صورة تكبّر شديد. أنا أتكبر عليك كي تشعرني بقيمتي، إذن أنا أهتم بك لأنك مفيد لي بشكلٍ أو بآخر، فبالتالي يشعر (شينجي) بقيمته لدى شخصٍ آخر، حتى ولو كانت القيمة تحقيريه له. لكن بالرغم من ذلك ظل هو آخر من يعلم، فهو كان آخر شخص يعرف أن صديقه بالمدرسة صار طيارًا لإحدى (الإيفا) بينما كان الجميع يعلم بذلك، فهو دائمًا ما يكون آخر من يعلم، وهذا يشعره بالدونية الشديدة. فبناء على تلك الدونية يلجأ إلى سجنه المريح الخاص في عقله، حيث يجلس وحيدًا مخاطبًا نفسه تارة، وناظرًا للفراغ أخرى. وأفضل حالاته التوحدية تكون بداخل وحدة قيادة (الإيفا)، حيث يكون مغموسًا في سائل الـLCL حتى النخاع، ففي النهاية هذا هو السائل الذي أتى منه، وسيعود إليه في النهاية.

(شينجي) يعيش من أجل أن يحتاجه الناس، فذلك الاحتياج الخارجي يشعره بالقيمة والغاية في الحياة، ويقلل من وحدته ونظرته الدونية تجاه نفسه. وذلك الاحتياج أتى أخيرًا في نقطة الانكسار الأخيرة في حياة (شينجي)، والتي تمثلت في مجيء (كاورو) إلى وحدة (نيرف) ليكون طيارًا جديدًا ضمنهم. (كاورو) يُمثل الحب غير المشروط تجاه الآخرين، فهو أحب (شينجي) لا بطريقة رومانسية ولا بطريقة غير رومانسية، فقط هو أحبه لأنه رأي أنه يحتاج إلى المُساعدة وأن حياته تُعتبر جحيمًا مُتجسدًا طالما هو يفعل كل ذلك بنفسه. فلذلك بالرغم من غموض (كاورو)، إلا أنه يحاول دائمًا بشكل غير مباشر أن يوجه عبارات تشجيعية إلى (شينجي) كي يحثه على إيجاد غايته في الحياة وعيش الحياة كـ(شينجي) الحقيقي، وليس (شينجي) الطيار الذي يريدونه أن يكون عليه.

نقطة التحول الأخيرة كانت عندما خانه (كاورو) ليكشف أنه كان الملاك الأخير، ذلك الشعور بالخيانة جعل (شينجي) لا يعرف بمن يثق بعد الآن وهل كان كل التشجيع والمشاعر التي يكنّها (كاورو) له عبارة عن تمثيلية كبيرة جدًا ومتقنة من أجل تنفيذ دوره كملاك، أم أنها كانت حقيقية فعلًا وأحد أبناء (آدم) أحب أحد أبناء (ليليث)؟ ذلك السؤال هو السؤال الأكثر غموضًا في إجابته بالأنمي كله، وهو نفس السؤال الذي ساق (شينجي) إلى مرحلة تطورية أخيرة من حياته، مرحلة الاهتياج! فبعد ذلك بدأ عقله يُدرك حقيقة الواقع وبدأ الاهتياج يملأ الوجود. خصوصًا عندما صدمه (كاورو) وقال له أن مجال ET المتواجد لدى الملائكة لحمايتها، ما هو إلا شيء موجود لدى الجميع بالفعل، وليس الملائكة فقط. فهو المجال الذي يمنع البشر من التعامل مع بعضهم البعض، ويصنع الحواجز بينهم كي يحافظ على توحد كل شخص بالكامل ويضمن انطوائيته التامة، وهنا (شينجي) أدرك أن حاجزه كان كبيرًا للغاية، ذلك الحاجز الذي طالما سعى لتدميره بالنسبة للملائكة، ولم يفكر أبدًا في تدميره بالنسبة إلى نفسه.

بعد كل ذلك نصل إلى النهاية الحقيقية في فيلم النهاية لنجد أن (شينجي) تقبل حقيقة وجوده وحقيقة أن وجود تلك المجالات العازلة هي التي تجعل البشر في هذه الحالة المزرية، والسعادة الحقيقية متمثلة في التفاعل مع الآخرين، لا حصر الذات في سجن خاص لا يمكن الخروج منه أبدًا. فقد سامح الجميع في النهاية وتمنى أن تعود البشرية من جديد. فتقبُّل الذات بالنسبة إلى شخصية تحتقر نفسها مثل (شينجي)، فهو فحق يُعتبر تطورًا مذهلًا جدًا يجب دراسته وتحليله وتدريسه إلى الكتّاب والنقّاد الفنيين على حدٍ سواء. (شينجي) حقًا مثال مذهل جدًا على التصاعد الدرامي الإنساني، وحقًا هو علامة فارقة في تاريخ شخصيات صناعة الأنمي حصرًا.

4- الرمزية الصارخة

أنمي Neon Genesis Evangelion - فتى يمسك بسلسلة رقبة بها صليب مُلطخ بالدماء
IMBD

رمزية دينية

  • الصليب: في الواقع الصليب الشهير في المسيحية يظهر بشكلٍ مكثف جدًا خلال أحداث الأنمي. فهو يُعتبر أشهر الأشكال به فعلًا. فجميع انفجارات الملائكة التي تُعلن عن موتها تكون في شكل صليب ضوئي، ووضعيات (الإيفا) نفسها أثناء خروجها إلى النور أو في فيلم النهاية تكون في وضعية صليب فعليّ، كما أن مقبرة مشاريع (الإيفا) الفاشلة تمُثل صليبًا مقلوبًا في الأنمي. عندما تم الحديث مع مخرج ومؤلف الأنمي، قال أن استخدام الصليب كرمزية دينية في الأنمي هو شيء مُميز. فالمسيحية ليست ديانة شائعة في اليابان، وكذلك فريق العمل القائم على الأنمي ليس به مسيحيون على الإطلاق، فسيكون من غير المألوف والمميز استخدامها. وفي النهاية هذا التسخير للرمزية المسيحية سوف يجعل للأنمي صيت في أمريكا وأوروبا بشكلٍ عام، حيث تكون الديانة المسيحية هناك ذات باع وشأنٍ كبيرين جدًا.
  • ثمرة المعرفة: وهذا اقتباس آخر من المسيحية أيضًا. ففي المسيحية، وخصوصًا في سِفر التكوين، وهو أول أسفار الكتاب المُقدس، نجد أن آدم وحوّاء أكلا ثمرة ما، وكانت تلك الثمرة هي التي عندما أكلاها عرفها أنهما عُراة في الجنة، وبناء عليه اكتشفا المعرفة المُحرمة للجنس وطبيعة كون المرء عاريًا أو لا. ثمرة المعرفة تلك لديها تمثيل وتجسيد في الأنمي. ففي الحلقة رقم 12، قال (غيندو) أن العلم هو قوّة الإنسان، فبفضله استطاع مجابهة الملائكة والحد من سعيهم الطائش والباطش في الأرض. فهنا ثمرة المعرفة تتمثل في العقل البشري، أو كما يُطلق عليه في الأنمي: (الليلين).
  • شجرة الحياة: أو The Tree of Life، وهي رسمة لشجرة ذات أفرع كثيرة تنتمي إلى طائفة (الكابالا) اليهودية، وتلك الشجرة تُمثل خريطة أحداث البشرية منذ البداية وحتى النهاية، والتي وضعها الإله كي يُرشد البشرية إلى طريقها في الحياة. والآن في فيلم النهاية، تم تحويل الوحدة 01 التي يقودها (شينجي) إلى شجرة حياة مقلوبة، فبالتالي صارت نهاية البشرية في قدمتها وبداية البشرية في نهايتها. وتلك دلالة صريحة على أن نهاية البشرية هي التي ستبدأ الآن، وبالفعل بعدها مباشرة استيفظ ذلك الكائن الهجين البشع وشرع في توحيد الكل في كينونة واحدة وتحقيق نهاية العالم فعلًا.

رمزية واقعية

  • مجال ET: مجال ET هو المجال الطاقوي الذي يُحيط بالملائكة في الأنمي، وهو المجال الذي يحميها من أي هجمات خارجية أو احتكاك عدواني مع كيان شرس آخر. فهو ببساطة الشيء الذي يحول دون تدمير الملاك، وأيضًا وحدات (الإيفا) لديها تفس المجال الحامي، بحكم كونها مستنسخة عن آدم في المقام الأول. حتى وقت بعيد بالأنمي نحن اعتقدنا أن هذا المجال يوجد لدى الملائكة فقط، لكن يصدمنا الكاتب صدمة أخرى نفسية من التي يبرع في بلورتها وتقديمها بين طيات أحداث عمله الفني. يقول الكاتب على لسان (كاورو)، الملاك الأخير، أن ذلك المجال يوجد لدى البشر أيضًا، وهو المسؤول عن الوحدة والانطوائية وكره البشر لبعضهم البعض وتفضيل التوحد على التعامل الفعلي مع الآخرين. وهنا يكشف لـ(شينجي) أن الناس لا يحبون التعامل معه ليس بسبب أنهم سيئون أو أنه شخص تافه لدرجة أنه لا يستحق أن يتم التعامل معه من الأساس. لا، بل السبب يقبع في ذلك المجال اللعين الذي يفصله عن الآخرين.

وكلما زادت نزعة صاحب المجال على الانطواء أكثر، كلها ازداد المجال في القوّة وأبعد الناس عنه أكثر وأكثر. وهذا هو الحال بالنسبة للبطل فعلًا، فهو قام بتغذية ذلك المجال أو الحقل الطاقوي بالعديد من الأفكار السوداء ولحظات الاكتئاب، حتى صار قويًّا لدرجة تجعل الآخرين فعلًا يبتعدون عنه لأنه بالنسبة لهم شخصية غريبة وغير طبيعية بالمرة. أول خطوة في تحطيم ذلك المجال هي تقبل النفس، وعندما تتقبل نفسك ستستطيع تقبل غيرك، وبمجرد أن تتقبل غيرك سوف تستطيع التعامل معه بكل أريحية حتى إذا كان مختلفًا معك في وجهات النظر. وبهذا لن تكون وحيدًا أبدًا، ولن تدخل في دوامات الاكتئاب والحسرة مرة أخرى.

5- العقد النفسية

أنمي Neon Genesis Evangelion - ولدان ينامان بالليل ويتسامران قبل النوم
IMBD

هذا هو الشيء الذي يمتاز به الأنمي فعلًا حق التميّز، فهو ببساطة لا يُقدم المشاكل والتناقضات النفسية للشخصيات هكذا دون دراسة أو موازنة بين هذا وذاك، لا بل عن طريق دراسة دقيقة وواقعية لتلك الحالات النفسية التي يتم تقديمها في مساق الأحداث. فجميل المشاكل النفسية التي تظهر بالأنمي هي حقًا تتبع قواعد علم النفس وتنتمي إلى العديد من العقد والفلسفات الحقيقية التي توجد في الكتب العلمية المختلفة. لذلك هنا سوف نتحدث عن بعض تلك الفلسفات والعقد النفسية بشيء من الاختصار، هيا بنا!

  • (الدسيتروتو والليبيدو): وهما طاقتا الدمار والخلق. فالـ(الدسيتروتو) ببساطة هي طاقة إحداث الدمار، طاقة الإتلاف التي تُحطم كل شيء تحوله وتُحيله إلى رماد فوق رماد لا ينتهي. وتلك الطاقة متمثلة في (آدم) وذريّة الملائكة من بعده. والـ(الليبيدو) هي طاقة الخلق والابتكار، فهي الطاقة المُتمثلة في (ليليث) وبني جنسها، ذلك الجنس الذي يُمثله البشر في الأنمي. وهاتان الكلمات ظهرتا في العديد من المواضع بالأنمي، خصوصًا عندما كان (شينجي) بداخل كبسولة الوحدة 01 ويتأريح بين كليهما في حالة تشوّش وضياع تامة.
  • معضلة القنفذ: معضلة القنفذ هو مصطلح قام بصكه وصياغته الفليسوف التشاؤمي (آرثر شوبنهاور)، وهو الفليسوف المعروف بنظرته السوداوية والقاتمة إلى الحياة والنفس البشرية. فتتحذ المعضلة عن قنفذ وقنفذ، قررا التلاقي والانضمام إلى بعضهما البعض في برد الشتاء من أجل جلب الدفء. لكن كلما يقترب أحدهما من الآخر ويصير على أعتاب التلاقي معه، يبتعد مباشرة ويرجع للخلف. وهذا يعود إلى الأشواك الموجودة بجسد كل واحد منهما، وهذا الشيء يمنع التلاقي دائمًا ويجعل كل قنفض في حالة من البرد الشديد دون مهرب منه على الإطلاق. وذلك الشيء ينطبق على البشر أيضًا، فنحن نبعد بعضنا البعض عن طريق التعامل السيء والاستحقار والنبذ المجتمعي والتقليل من الذات الإنسانية، ومن الناحية الأخرى في الأنمي نحن نفعل نفس الشيء عن طريق زيادة قدرة مجال الـET الخاص بنا.
  • مبدأ المتعة: مبدأ المتعة هو المبادئ المهمة جدًا في فلسفة (فرويد). الكل يعلم أن هذا الفليسوف يميل لتسخير فلسفته في المواضيع التي تتحدث عن المرأة والجنس وكل شيء يتعلق بهما. أجل إن آراء (فرويد) صحيحة بالنسبة إلى تلك الأمور، لكن الآن أصبحت فلسفته قديمة جدًا ليتم الاعتداد بها. لكن يوجد مبدأ من مبادئه في الحياة حقيقي للغاية ولا يمكن أن يتغير مع مرور الأيام، ألا وهو مبدأ المتعة. وينص هذا المبدأ على أن الإنسان يسعى للمتعة لا الألم، وحتى إذا كان الإنسان مُخيرًا أن يقوم بتجربة ممتعة لكن يعقبها ألم، لن يقوم بها. لكن العكس صحيح، إذا كان يقوم بتجربة مؤلمة نهايتها ممتعة، سيقوم بها. وهذا ما يقوم به (شينجي) فعلًا في الأنمي. فهو يقود (الإيفا) من أجل أن يتم مدحه، فبالتالي يمر بتجربة مؤلمة من أجل أن يحظى بنهاية ممتعة.

الرسم والتحريك

أنمي Neon Genesis Evangelion - آلة مقاتلة ضخمة تقف على أنقاض مهدّمة
IMBD

الأنمي من إنتاج استوديوها Gainax و Tatsunoko Production، وتم بثه لأول مرة على التلفاز الياباني في عام (1995)، وحظى بالكثير من النقد الإيجابي منذ الحلقة الأولى من عرضه. حصل على تقييم 8.32 على موقع MAL العالمي لتقييم الأنمي، وتم تصنيفه رقم 225 على العالم من حيث التقييم، ورقم 48 من حيث الشعبية. وهذا بالطبع يرجع إلى الجودة المذهلة التي قام الاستوديو بإنتاجه بها، وهنا يعود الفضل إلى المخرج بالطبع. لكن من الناحية يُعتبر الرسم والتحريك شيئان جميلان جدًا لديه، فكانا جيدين جدًا مقارنة بالحقبة الزمنية التي تم إصداره فيها. الرسم جيد جدًا وعلى قد قليل نوعًا ما من الواقعية، فبالتالي يُعتبر واحدًا من تلك الأعمال التي بعدت عن الطابع العام للرسم الواقعي في تلك الحقبة. أما التحريك فكان رائعًا جدًا، خصوصًا في المشاهد القتالية المحتدمة بين (الإيفا) والملائكة. والمميز هنا أن كل الإطارات حرفيًّا تم رسمها بشكلٍ يدوي وكامل، وهذا شيء يدل على تمكن طاقم العمل، وحبه الشديد للعمل الذي يقوم به.

الموسيقى والأغاني

الأنمي به العديد من المقطوعات الموسيقية الرائعة جدًا، لكن المقطوعة التي لفتت انتباهي بشكلٍ خاص كانت مقطوعة Thanatos، فكانت حقًا مقطوعة مناسبة جدًا جدًا للمشهد التي بُثت فيه لأول مرة، وحقًا صارت إحدى أفضل مقطوعات الأنمي بالنسبة لي في الحياة.

رأي شخصي

بعد كل ما سبق، بالتأكيد سوف تستنجون رأيي في هذا الأنمي. ببساطة يا أعزائي سأقول أنه سيفوتكم الكثير والكثير إن كنتم قرأتم المقال (الفقرات التي ليس بها حرق للأحداث) وقررتم ألّا تُشاهدوه بعد ذلك. وإذا شاهدتم الأنمي وقرأتم المقال بالكامل، أنصحكم بكل تأكيد بمشاهدته مرة، فهناك الكثير في انتظاركم في كل مرة تشاهدوه فيها. أتمنى أن يكون هذا المقال الدسم قد نال إعجابكم، وأراكم في مقالات أخرى جديدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق