منوعات

صناعة الفن: ما الذي يعنيه أن تنتج عملًا فنيًّا جيدًا وناجحًا؟

بساطة، عمق، والكثير بالمنتصف!

الفنون هي الشيء الوحيد الذي يُبرز مدى قوة ورصانة هذه الحضارة البشرية الحديثة. فالإنسان عندما وُجد على هذه الأرض لأول مرة، باتت نزعة الفضول بداخله تتأجج بالتدريج حتى دفعته للتجول في الأرض واستكشاف كل شيء وأي شيء، وبالرغم من أن عقليته كانت محدودة جدًا وطبقته الفكرية لا يمكن حتى أن نقول عنها طبقة فكرية مقارنة بمقاييس الفكر والتعقّل هذه الأيام، إلا أنه صنع بعض الإبداعات الصغيرة المناسبة لظروف معيشته آنذاك. أجل، إن صنع الحراب الصغيرة وصيد الحيوانات وتعلّم الأكل: فن. عندما نقوم بتعريف الفن، فإنه حقًا توجد العديد والعديد من التعريفات المختلفة التي تتوافق مع آراء الأشخاص الذين صاغوها في المقام الأول، ومع آراء المحبين لهم في المقام الثاني.

لكن إذا أردنا تعريف الفن بشكلٍ عام وسطحي دون الدخول في الفلسفة أو علم النفس أو السينما أو أي فن أو منظور فكري آخر، فنحن نستطيع أن نقول على الفن أنه وسيلة للتعبير عن مدى سعة خيال ومدى كون الفنان خلّاقًا وقادرًا على صنع أشياء جديدة ومختلفة كل مرة. وذلك الفن هدفه هو تقديم وجهة نظر أو أطروحة فكرية-فنية جديدة في هذا الشيء بعينه من جهة، وبهدف جذب الجمهور من جهة أخرى. لذلك مُجملًا يُمكن أن نقول على أي شيء تفعله في الحياة (لأول مرة) هذا يُعتبر فنًا يا عزيزي. فأنت عندما خطوت لأول مرة على قدميك، فأنت هنا تعلمت فني المشي، عندما تحدثت لأول مرة، فأنت تعلمت فن الحديث، وعلمنا قررت لكم شخص آخر ضايقتك بشدة، فأنت تعلمت فن القتال. لذلك كل شيء تفعله في الحياة للمرة الأولى فنٌ، مهما كان تافهًا أو اعتياديًّا في الحياة بعد ذلك.

لكن تلك الفنون هي فنون عامة، كل البشر يستطيعون القيام بها بصورها الأولية والبدائية. لكن إذا جاء شخص منهم وطوّر في الفن البدائي الذي يملكه وأصبح محترفًا ليه وخلق وصنع العديد من طرق التعبير الأخرى عنه، فهو الآن قد خلق فنًا جديدة من فنٍ سابق. فيمكن للشخص الذي يمشي أن يتعلم الرقص الاحترافي، ويمكن للذي يتحدث أن يتعلم صناعة الـBeats الصوتية من فمه، ويمكن للذي تعود اللكم أن يتعلم فنون القتال ويصير ملاكمًا شهيرًا له أسلوبه الخاص بداخل الحلبة. كل منهم فنان في مجاله، وهذا لأنه طوّر فيه وصنع أسلوبًا خاصًا فريدًا في ذلك المضمار الفني.

لذلك عندما نقول أن فلان فنان، يجب أن يكون عمله مُميزًا ويتسم بطابع من التخيّل والإبداع. فإذا كنت كاتبًا أو رسامًا أو راقصًا من بين جموع الكتّاب، الرسامين، أو الراقصين، فأنت هنا يُمكن أن يُطلق عليك (خبير) في هذا المجال، ولكن ليس (فنانًا) فيه. ففي تلك المجالات يمكن أن نقول أن (نجيب محفوظ)، (ليوناردو دافنشي)، و(مايكل جاكسون) هم فنانون بالفعل في تلك المجالات، لأنهم أضافوا شيئًا جديدة وتركوا بصمتهم الخاصة في عالم الفن. لذلك اليوم أعزائي سوف نتحدث عن مقومات الأعمال الفنية الناجحة بشكلٍ عام. فإذا كنت متخصصًا في أي مجال فني مثل الأدب، السينما، أو حتى رقص الباليه، فأنت هنا تقوم بفن ما، ويجب أن تحافظ على كونه فنًا لأطول فترة ممكنة. فالنقاط التي سوف نناقشها في مقال اليوم سوف تساعدكم على التطوير من فنونكم بعض النظر عن طبيعة أو آلية تلك الفنون. اربطوا أحزمة الأمان، فأمامنا رحلة شيقة جدًا اليوم!

1- التحضير الجيّد يصنع عملًا مميزًا

شخصان يقومان بالتخطيط على طاولة
Pexels

عندما تقوم بالتقدّم إلى وظيفة جديدة، فأنت توضع أمام خيارين. إما أن تذهب إلى المقابلة الشخصية بدون أي تحضير على الإطلاق، لتحاول أن تظهر عفويًّا بقدر الإمكان أمام أصحاب العمل، أو أن تُحضر جيدًا لتلك المقابلة لتكون على استعداد تام لأي سؤال غريب قد تتلقاه أثناء اللقاء. عندما نتحدث عن الخيار الأول، فأنت يمكن أن تذهب هناك وتحصل على سؤال بالمنتصف لن تستطيع الإجابة عليه أبدًا، لأنه ليست لديك معرفة سابقة أو قاعدة معرفية مُعينة عن الشيء الذي يرتبط به هذا السؤال بعينه. لكن بالنسبة للخيار الثاني، فأنت تكون على دراية تامة بكل المحاول التي سيدور حولها النقاش بالكامل، فبالتالي تستطيع تقليل نسبة التعرّض للأسئلة المُحرجة، لكن ليس تصفير تلك النسبة تمامًا.

نفس الأمر ينطبق على الأعمال الفنية المختلفة. فعندما تقوم بتقديم عمل عفوي بالكامل، هذا يضعك في موضع حرج. فأنت هنا لا تستطيع الجزم بنتيجة تلك التجربة الفنية، فيمكن أن تكون نجاحًا باهرًا، ويمكن أن تكون فشلًا ذريعًا وكاملًا وبه تنتهي مسيرتك الفنية قبل أن تبدأ. لكن عندما تقوم بالتحضير للعمل الفني الذي أنت بصدد صنعه، فأنت تضع احتمالية شبه مؤكدة بأن هذا العمل سنجح، فالتحضير يكون عير دراسة الوسط الفني الخاص بمجالك، احتياجات الجمهور، الوقت والمجهود اللازمان لصناعة العمل الفني وقفًا لجدول زمني مُعين وارتباطات بشرية ثابتة. كل ذلك يُعطيك نسبة نجاح تقريبية مرتفعة تساعدك على الخوض في إكمال عملك الفني سعيًا لتلك اللحظة التي يرى فيها عملك النور وتشعر بنشوة النجاح أخيرًا.

وكمثال على هذا، فلنفترض أنك الآن كاتب ناشئ، وحاليًّا تشرع في كتابة أول رواية لك في الحياة بعد المرور بتجارب نثرية كثيرة في مجال الكتابة المقالية والقصصية على حدٍ سواء. فيمكن هنا أن تعتمد على خبراتك في مجال الكتابة بشكلٍ عام وتشرع في السرد لتترك الأمور تجري في أعنتها (وهذا شيء غير مُحبذ على الإطلاق). أو تشرع في تحضير أرضية صلبة تستطيع الوقوف عليها أثناء الكتابة (وهذا شيء حتمي). التحضير الجيد يتمثل في إحكام البناء، وكلما كانت الحبكة الفنية الخاصة بك مُحكمة وليست بها ثقوب، كلما كان العمل أفضل بكل تأكيد. فإذا كنت بصدد كتابة رواية تاريخية، يجب عليك أن تقرأ بشكلٍ مُستفيض في الحقبة الزمنية التي سوف تكتب عنها، وألّا تلتفت فقط للتواريخ والحكّام البارزين، بل أيضًا التفت للشعب وللأحوال الاجتماعية للمجتمع آنذاك. فكل ذلك يُعطيك تفاصيل هامة تستطيع بها بناء قالب وصفي مُحكم تُسقط بين ثنياته شخوص وأحداث روايتك.

2- إدراج رسالة ما بالعمل الفني

شخص يقوم بالرسم على الحائط
Pexels

عندما نقوم بتصنيف الأعمال الفنية نقديًّا، فنحن نقوم بذلك عبر العديد من المحاور، لكن يبقى أهم محور في العمل الفني هو الغاية والهدف. أي ما الرسالة التي يُريد صاحب العمل أن يُوجهها لنا نحن المتفاعون مع الفن الذي يقدمه؟ هل يريدنا أن نتعلق بتلك الشخصية من أجل أنها تُمثل شريحة كبيرة منا في الحياة فبالتالي نأخذها كعبرة أو قدوة كي تكون حياتنا أفضل؟ هي يريدنا أن ننظر إلى الرقصات التي يقدمها كدعوة صريحة لنفض الغبار عن الذات والنظر إلى الحاضر كوسيلة لعيش اللحظة والاستمتاع بالحياة؟ أم يُريدنا أن ننظر إلى تلك اللوحة الفنية كي نستنبط منها الغاية من الوجود عبر رسمه لبعض الإسقاطات وكتابته لبعض العبارات هنا وهناك؟ ما تلك الرسالة التي يُحاول صانع العمل أن يجعلنا ندركها يا تُرى؟

كلما كان العمل مليئًا بالرسائل ومغرقًا في الرمزية، كلما كان أعقد. وكلما كان أعقد، كلما كان صعب الفهم. وصعوبة الفهم تلك هي التي تُحقق النجاح الباهر، لأن ببساطة عندما لا يفهم الجمهور شيئًا ما، يشعر بالعجز والخجل من نفسه، ثم يبدأ في البحث، وعندما يبحث ويجد الشيء الذي يُريده ويكتشف أنك فعلًا قمت بعمل اقتران بين هذا الشيء وبين الفن الخاص بك، يُدرك دون شك أنك شخص مُميز والعمل الفني الخاص بك مُميز مثلك. الرسالة هي العنصر الأكثر حيوية في العمل الفني، وببساطة بدون الرسالة، يصير العمل الفني سطحيًّا وضحلًا إلى أبعد الحدود، حتى ولو اهتم الفنان بكافة التفاصيل والصغائر والفنيّات الأخرى ليُخرج العمل الفني في أبهى صورة بصرية مُمكنة.

فعلى سبيل المثال إذا كنت راقصًا وتحاول تصميم رقصة جديدة، إذا أخدت على هاتقك تصميم الرقصة بأسلوب يتلائم مع الأزياء التي اخترتها، فهنا أنت تكون قد حققت مزيجًا جيدًا، وهذه النقطة الأولى في إيصال الرسالة. وبعد تحقيق ذلك المزيج المتوازن، تبدأ في أداء الرقصة بكل شغف لتُبرهن أن المُعتقد الذي تحاول إيصاله الرقصة أنت مؤمن به تمامًا، فبالتالي ينبهر الجمهور من مدى اقتناعك به، وإتقانك للفن الذي يُعبر عنه. فيمكن أن تتحدث قصة إحدى مشاهد مسرحيات (شكسبير) الملحمية، فتقوم بارتداء ملابس العمل وتبدأ في القيام بعرض حركي متوازن بغرض إدخال الجمهور في الأجواء (الشكسبيرية) من جهة، وبغرض لفت النظر إلى الأداء التجسيدي العبقري الذي تقوم به.

هنا تحضرني لوحة فنية فرنسية في غاية الغرابة. ففي عام ما قام رسام فرنسي برسم لوحة لغليون وعلّقها في معرضه الفني ضمن لوحاته العديدة الأخرى المتميزة بشدة. لكن تلك اللوحة تبقى مميزة على صعيد الرسم والإضاءة والظلال وما إلى ذلك، لكنها تخلو تمامًا من الرسالة. لكن في الواقع هي ليست خالية من الرسالة فعلًا، فعند التدقيق في اللوحة سنجد أن الرسام كتب “هذه ليست غليونًا”. هذه جملة اسمية مثبتة تقول أن الشيء الذي أمامكم ليس غليونًا يا قوم. فبالتالي يُفكر الجمهور في المغزى خلف تلك الجملة، لتطرأ إلى أذهانهم إجابة أخرى تقول: “هذه لوحة!” فهنا الفنان جعل الجمهور يُفكر في شيء مختلف عن الذي أمامه، وهذه هي الرسالة: ألّا تُفكر في الشيء الذي أمامك على أنه هو الشيء التقليدي الذي تعهده، بل تعلّم أن تُفكر فيه بطريقة مختلفة حتى ترى أبعادًا جديدة له. وتلك الفكرة تُسمى بـ”معكوس المشكلة”. أي أنه عندما تقابلك مشكلة ما، جرّب أن تعكسها وسوف تستطيع التفكير بعدها بطريقة خلّاقة وإبداعية لإيجاد حلول مبتكرة لتلك المشكلة.

3- عدم تقليد الآخرين، والسعي نحو صياغة أسلوب فني خاص

شخص يقوم بلعب الشطرنج
Pexels

تحدثنا عن أنه يجب أن تُحضر لأرضية عملك الفني جيدًا، وأن يحتوي العمل على رسالة وغاية وهدف ما يتم إيصاله للجمهور بشكلٍ أو بآخر. لكن العامل الأول والثاني يجب أن يبتعدا تمامًا عن التقليد، وأن يتبعا قواعد الإبداع البحت. فما الذي ستستفيده إذا قمت بعمل عالم خيالي كامل في روايتك الجديدة وهو مقتبس ومنحوت بالكامل عن عالم فانتازي آخر قدمه كاتب ما منذ عشرات السنين وتعمد إلى خلقه مرة أخرى بحجة أنه لا يوجد أحد سوف يقرأ عملًا قديمًا بهذا الشكل ثم يكتشف أنك سرقته؟ ببساطة ستجد من قرأ هذا العمل القديم بالفعل وسيأتي لانتقادك ثم فتح نيران النقّاد عليك من كل حدبٍ وصوب. فلذلك تقليد الآخرين ينتقص من قدرك الفني كفنان في المقام الأول، ويُعتبر إهانة صريحة للجمهور الذي ينتظر منك عملًا مُميزًا.

وهنا يجب أن نُلفت النظر للفرق بين التقليد (السرقة)، وبين الاقتباس. فعلى سبيل المثال إذا كنت تقوم بعمل لوحة فنية تتحدث عن تناقضات النفس البشرية بالنسبة إلى مرحلة المراهقة. تلك الفكرة هي فكرة غنية جدًا بالأبعاد والمحاور التي تستطيع بناء عليه أن تقوم برسم أكثر من 100 لوحة فنية كاملة، لكن في الواقع يوجد عشرات الآلاف من الفنانين قبلك قاموا بعمل لوحات فنية عن نفس ذات الشيء. بالتأكيد أنت لن تستطيع النظر في كل لوحة فنية في التاريخ تتحدث عن ذات الشيء، لذلك سوف تشرع في رسم اللوحة دون أن تشغل بالك بذلك الوسواس القهري. وبناء عليه يمكن (وهذه احتمالية كبيرة) أن تتشابه لوحتك مع العديد من اللوحات الأخرى التي تقع أسفل نفس التصنيف الفني أو نفس الحالة الشعورية التي يُريد الفنان إيصالها للجمهور. في هذه الحالة أنت لم تسرق الفكرة، بل اقتبست من (خيالك الذي تشابه مع خيال الآخرين) نقاطًا بعينها. لكن السرقة هي أن ترى لوحة ما بعينها، وتُحاول تقليد كل شيء بها لكن مع الحفاظ على عمل نقطة اختلاف بسيطة فقط. فهنا نحن لدينا سرقة صريحة، وليس إبداعًا على الإطلاق!

4- ملائمة الفن للفنان أكثر من الجمهور

شخص يقوم بالقرع على الطبل في الشارع
Pexels

عندما تسأل وسائل الإعلام أي فنان في أي مجال فني كيف له أن استطاع إخراج هذا العمل الفني للنور بتلك الطريقة المذهلة، يرد الفنان بمنتهى البساطة ويقول مجموعة من الكلمات تحتوي على معنى أنه قام بصنع ذلك العمل الفني دون أن يشعر بذلك حتى. وهذه دلالة صريحة على أن الفني يخرج من داخل الفنان ذاته، ومن أجل الفنان ذاته. فهو يسعى أن يُجسد حالاته الشعورية المختلفة في ذلك العمل، فإذا كنت فنانًا ورأيك ما بداخلك مُجسدًا في أرض الواقع بهذا الشكل، سوف تتملكك نشوة تفوق نشوة آلاف الممارسات الجنسية التي قامت بها البشرية جمعاء منذ بداية الوجود. فكل فنان يكون أثناء صناعة عمله الفني كالمرأة التي تحمل جنينًا، يُعاني آلام الحمل بشدة كلها استمر في حمل الفكرة بداخله، لكن بمجرد أن يشرع في طرح الفكرة دي خارج جسده، يهدأ أخيرًا ويعود طبيعيًّا وهو فرح بشدة بالجنين الذي جلبه إلى الحياة من رحم أفكاره.

لذلك يجب وحتمًا ومن الشرطي أن يتلائم العمل الفني مع ذهن وقريحة وأهداف الفنان، فلا يصح لكاتب فانتازيا أن يقوم بعمل رواية درامية واقعية. ولا يمكن أن تقول لرسّام البورتريه أن يقوم بعمل جدارية في الشوارع. أجل إن الكاتب والرسام كليهما يملكان الملكة والموهبة من أجل صنع ذلك الشيء الآخر الذي لا ينتمي إلى قريحتهما بالكامل، لكن هذا يؤدي إلى إنتاج عمل فني ناقص وضحل وتبدو عليه رداءة الإنتاج بشدة. فعندما تجعل شخصًا يعمل شيئًا لا يريده، أو تحاول جعل شخص ما يوضع في موضع غير موضعه، النتيجة سوف تكون مأساوية دون شك. فأنت هنا لا تُعرض فقط سير العمل للخطر، بل أيضًا تجعل الموظَفين في حالة نفسية يُرثى لها بشدة.

هذا الشيء يظهر بشدة في الوسط الأدبي والسينمائي على وجه الخصوص. ففي الوسط الأدب عندما يحصل كاتب ما على شهرة واسعة النطاق وهو شاب ومجتمع القرّاء يحب الشريحة الأدبية التي يُقدمها (ولنقل أنها الدستوبيا الواقعية)، عندما يكبر الكاتب في العمر وتتبدل أحوال مُجتمع القرّاء، يجد الكاتب نفسه أمام قرّاء يحبون أن يقرأوا أعمالًا أدبية بها قصص حب ومشاهد جنسية صريحة وآهات تُطلق هنا وهناك دون طائل يُرجى، فقط من أجل إشباع حاجة جنسية مُلحة لدى القارئ بغض النظر عن الحبكة أو عناصر صناعة الرواية.

هنا الكاتب كي يستمر في العيش والتربّح من الأدب (وفي الأغلب ليست لديه مهنة أخرى غير الكتابة)، يبدأ في تهشيم حصون رزانته ويكتب مثلما يُريد الجمهور، فبالتالي يخسر وقار نفسه أمام نفسه وتبدأ رحلة لا تنتهي من جلد الذات. وكذلك نفس الأمر يُطبق في فن السينما، فالأفلام قديمًا كانت التي تحصل على الأوسكار منها دائمًا ما تُناقش مواضيعًا إنسانية وواقعية وفلسفية شائكة جدًا مثل الحرية والديكتاتورية والحرب والضياع النفسي والاكتئاب والإدمان والدستوبيا الواقعية وعشرات المواضيع المميزة الأخرى. لكن الآن يمكن لأفلام لا ترتقي إلى منزلة الفن الرصين على الإطلاق، أن تحصل على أوسكار. وهذا يدل على أن الكتّاب والمخرجين باعوا مواهبهم من أجل المال، وكذلك الحكّام في لجنة جائزة الأوسكار باعوا أصواتهم من أجل الإكراميات والمجاملات الشخصية للفائزين!

5- الاهتمام بصغائر الأمور

سيدة ترسم لوحة صغيرة لقطة جميلة
Pexels

هذه هي النقطة الأهم في صناعة أي عمل فني كبير، خصوصًا إذا كان عبارة عن سلسلة أعمال متصلة ببعضها البعض وتوجد محاور التقاء وتماثل بين كل عمل فني والآخر. إذا كنت مهتمًا بمتابعة جديد السينما على الدوام، فأنت بالتأكيد تُتابع آراء النقاد المستمرة حول الأفلام الجديدة التي تظهر على الساحة السينمائية، خصوصًا إذا كانت تلك الأفلام مُرشحة للأوسكار. فتلك الأفلام الأخيرة على وجه الخصوص تحصل على نقد حاد جدًا وشديد إذا كانت لجنة التحكيم منصفة وذات “مزاج” ونفس راضية عن الأعمال المطروحة هذا العام.

تلك الأعمال يتم نقدها بناء على معايير تختلف بشدة عن معايير النقد السينمائية العادية مثل الأخطاء الإخراجية أو الثقوب المتواجدة بالحبكة أو ما إلى ذلك، ففي الواقع يتم نقد تلك الأفلام بناء على معايير التصنيف الذي تنتمي إليه. فإذا كان الفيلم مُصنفًا على أنه فيلم خيال علمي، تأتي لجنة الأوسكار بأشهر أساتذة الجامعات والمتخصصين العلميين في المجالات العلمية الواردة في الفيلم. وعلى ما أتذكر كان هناك فيلم مرشح للأوسكار وكان على أعتاب أن يفوز بها، لولا أن النقاد الفيزيائيين اكتشفوا زلّة علمية في مشهد إطلاق رصاصة من على بعد، فلم يتوافق المشهد مع القواعد الفيزيائية المعروفة للحركة وعلاقتها بالزمن وقوة الإطلاق. وبناء عليه تم إسقاط الفيلم من الفوز بتلك الجائزة.

لذلك الاهتمام بصغائر الأمور قد يجعل العمل الفني كاملًا، أو يضعه على طاولة مستقيمة ومصلوب عليها كي يتلقى وابلًا من النقد الحاد والرصاصات السلبية التي لا ترحم. فبدون الاهتمام بالصغائر أنت تكون كالشخص الذي قام بعمل طبخة غاية في الروعة والإبداع، لكن قرر أن الطبخة ينقصها القليل من الملح، فيقرر إضافة ملعقة ملح صغيرة أخرى، فتصبح الطبخة لاذعة ويذهب مجهوده كله أدراج الرياح. أيضًا نفس الشيء ينطبق على مجال الكتابة الأدبية، خصوصًا أدب الفانتازيا. فهذا فخ يقع فيه الكثير من كتّاب الفانتازيا حول العالم، فهم عندما يحاولون خلق عوالمهم الفانتازية لأول مرة، يهتمون بصنع الشخصيات وتخيّل الأماكن والأحداث التي سوف تربطهما ببعض.

وللأسف ينسون أن تلك العوالم هي عوالم خيالية بالكامل، لذلك يجب تحديد طبيعة القوى الفيزيائية والكيميائية والأحيائية فيها. فلا يمكن لك أن تخلق عالمًا من العدم وأنت لم تُحدد طبيعة الجاذبية فيه هل هي موجودة، غير موجودة، أم لها صورة خيالية أخرى؟ هل الروابط الكيميائية يمكن لها أن تُكون المادة بالصور الأربعة التي نعرفها أم أن هناك صورًا أخرى؟ وكائنات هذا العالم هل تشبه عالم البشر أم أن هناك أوجه اختلاف. كل تلك الصغائر تجعل عملك مميزًا جدًا وتفتح لك الباب أنت أيضًا كصانع عمل أن تخلق المزيد من الأحداث عندما تتوقف قريحتك عن طرح الأفكار بغتة (وهذا يحدث كثيرًا فعلًا، وعن تجربة.)

6- اختيار الوقت المناسب لعرض العمي الفني

باليت ألوان بها فرشاة
Pexels

التوقيت هو شيء هام جدًا في تقديم الأعمال الفنية إلى الجمهور. فضمن خطوة التحضير، يجب عليك أن تُركز بشدة في وقت تقديم العمل إلى الجمهور. أنت في فترة التحضير تدرس ميول الجمهور وحاجة الساحة الفنية، والكثير من الأشياء التي لها علاقة بالجمهور، لكن تأخذك الحماسة والرغبة في إنتاج العمل وتدقيمه، وتنسى أنه يجب عليك دراسة التوقيت الذي ستقوم بإنتاج وتقديم ذلك العمل فيه. اختيار التوقيت هو شيء حيوي في نجاح أو فشل العمل الفني بشكلٍ عام. فقد تسمع عن العديد من الأفلام، الكتب، أو اللوحات الفنية التي تم تقديمها للجمهور وطرحها بالأسواق وهي لا تناسب التوقيت الذي صدرت فيه على الإطلاق، فبالتالي يفشل العمل الفني ويشعر صاحبه بالعجز وقلة الحيلة، فقط لأنه قدم عملًا جيدًا، في وقت غير جيد أبدًا.

فعلى سبيل المثال أتذكر ذلك الشخص الذي قرأت عنه قصة في يوم من الأيام وأنا صغيرة ذلك الشخص كان لديه سيرك ناجح جدًا استطاع السفر إلى بلدان عديدة وجاب أوروبا والشرق الأوسط بذلك السيرك المتنقل، وبسببه أصبح شهيرًا جدًا وأصبح عرضه الفني منتظرًا في كل مكان وتُباع التذاكر بسرعة الصاروخ. لكن بطبيعة الحال عندما الحياة لا تمشي على وتيرة واحدة، ولابد للأيام أن تُعاكس البشر على الدوام. لكن في هذه الحالة، عاكست الأيام البشرية كلها. فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية بغتة، وعلى إثرها دخل العالم في دوامة لا تنتهي من التراجيديا والمُعاناة والبؤس الذين غلفوا الشعوب حتى اعتصروها.

لكن مع الوقت انتهت الحرب مع الكثير من الخسائر للطرفين، لكن بالطبع المجتمعات تأخذ سنينًا فوق سنين من أجل محاولة تخطي آثار ما بعد الحادثة الخاصة بتلك الفترة العصيبة. لكن صاحبنا هذا حاول بعد انتهاء الحرب مباشرة أن يستأنف سيركه المتنقل، لكن كسد السيرك ببساطة لأن الجمهور فقد الشغف في أي شيء مُبهج، وحتى العاملون بالسيرك فقدوا الرغبة بالعمل فيه، وكذلك مات بعضهم بالحرب ذاتها. لذلك لا يهم إذا كان عملك الفنيّ رائعًا، مذهلًا، أو على قدر كبير جدًا من الدقة في الصنع والاحترافية في الأداء. إذا لم تستطع اختيار الوقت المناسب لعرض تحفتك الفنية، فكأن مجهوداتك المضنية لم تكن على الإطلاق.

7- كلما كان أغرب، كلما كان أفضل!

مجموعة كتب عشوائية وتلفاز بالمنتصف والصورة بالأبيض والأسود
Pexels

الناس يحبون الأشياء الغريبة، كلما قدمت إليها عروضًا وفنونًا خارجة عن المألوف وخيالية وابتكارية بالكامل، أنت بكل تأكيد سوف تجذب انتباههم إذا فعلت ذلك. لذلك دائمًا ما نجد أن العروض السحرية على مواقع المقاطع المصورة المباشرة مثل (يوتيوب) دائمًا ما تحصد ملايين المشاهدات أكثر من باقي العروض الفنية الأخرى، بالرغم من أن عروضًا كثيرة يمكن أن تكون أجود من تلك العروض السحرية. وأنت صغير تدرس موادًا مملة بالمدرسة الثانوية وتُطالع المُعلمين يتحدثون كل يوم عن نفس المواضيع ويطرحون نفس الأسئلة ويعقدون نفس الامتحانات اليومية والشهرية والسنوية، يُصيبك الممل بكل تأكيد من تلك المنظومة الروتينية القميئة.

لكن إذا ذهبت إلى المدرسة في يوم وقال لك مُعلمك اليوم لن نتعلم شيئًا جديدًا، بل كل شخص منكم سوف يُعطيني جملة ويقف أمامنا جميعًا بجانب السبورة كي يشرحها إلينا، مهما كانت المعلومة تافهة أو ضئيلة أو لا تحظى بشعبية لدينا على الإطلاق. هنا المُعلم قدم عملًا فنيًا مبتكرًا بالنسبة إلى فن التدريس، وكان العمل مُميزًا لأنه كان غريبًا. فحقًا منذ متى والطلّاب يشتركون في عمل عروض فجائية عن مواضيع غير دراسية مثل السينما والأنمي سابقًا؟

إذا كنتم من محبي الموسيقى والفيديوهات الغنائية التي تصدر على (اليوتيوب) من وقت لآخر، فبالتأكيد كنتم على دراية بالتحول الدرامي المهول الذي حدث للمُغنية الأمريكية الشابة (مايلي سايروس). (مايلي) كانت البطلة الخاصة بمسلسل (هانا مونتانا) الذي شكّل جزءً كبيرًا جدًا من طفولتنا، وهو الذي أحببنا في المسلسلات الأجنبية بينما التلفاز العربي كان يُقدم برامجًا تافهة جدًا أن تُنمي شخصية طفل أو مراهق، أو يُقدم برامجًا تفوق تلك المرحلة السنية بكثير فبالتالي لا توجد فائدة مرجوة منها على الإطلاق. (هانا مونتانا) كان مُسلسًا كوميديًّا من الطراز الأول، ويدور في أجواء عائلية بسيطة وواقعية ويُناقش مشاكل فترة المراهقة وكيف لها أن تدفع المُراهق إلى القيام بأفعال طائشة، وكيف لدور الأهل أن يكون حيويًّا ومُنقذًا في تلك الفترة العمرية الشائكة. حسنًا، بعد ذلك الأمور لم تسر على ما يرام.

فبعد أن قدمت (مايلي) ذلك المسلسل الرائع والجميل، قررت (هوليوود) أن تأخذها تحت جناحها كما تفعل مع أي فتى أو فتاة صار يشق طريقه للشهرة بالأعمال الجيدة وغير المبتذلة. فبمجرد أن انتقلت الفتاة إلى (هوليوود)، باتت تقوم بصناعة فيديوهات غنائية غاية في الانفتاح والعشوائية. فهنا يحضرني رد فعل الجمهور على الفيديو الغنائي Can’t Be Tamed أو (لا يُمكن تقييدي)، والذي كان غريبًا بالكامل. بداية من الأجواء القفصية المُريبة، مرورًا بزيّ بطلة الفيديو نفسها، ووصولًا إلى اللحن الموسيقي والكلمات اللذين لا يتوافقون أبدًا مع صورة (مايلي) في أذهان المُعجبين.

وبعدما تم عرض الفيديو مباشرة هُوجم بالنقد الشديد، خصوصًا من أولياء الأمور. فقد قالوا أن هذا الفيديو يُعتبر تدميرًا للقدوة الحسنة التي كان يقتدي بها أولادنا، ولا نعلم الآن إذا كانوا سنحلّون مثلها أم لا! وهذا يا سادة أكبر دليل على أن غرابة العمل الفني واختلافها عن المُعتاد هي عنصر الجذب الأول للجمهور، حتى ولو كانت نتيجة ذلك الجذب سلبية في بعض الأحيان. فاحرص على تقديم عمل غريب، لكن جيّد وأخلاقي وغير مُدمر للواجهة الحسنة التي أنت عليها أمام الجمهور، وتعلّم من الشيء الذي قامت به (مايلي).

8- إعطاء الوقت الكامل لإنتاج العمل

شخص يرسم ويستخدم ألوانًا زيتية ويده ملطخة بها
Pexels

الأعمال الفنية الجيدة تأخذ في إنتاجها وقتًا بكل تأكيد، خصوصًا إذا كانت تلك الأعمال بالفعل تحتاج إلى وقت لأجل إتمامها بأقل المقومات المطلوبة، فتخيل معي أنك تُريد إنتاج عملٍ فنيّ ذو جودة عالية جدًا؟ بالتأكيد سوف تحتاج إلى ثلاثة أضعاف الفترة العادية للإنتاج على أقل تقدير. وذلك فخ يقع فيه الكثير من الفنانين فعلًا، خصوصًا إذا كانوا مشهورين. فكلما زادت درجة شهرة الفنان، كلما كان جدول أعماله مزدحمًا على الدوام، فبالتالي تصير جودة الأعمال التي يُقدمها متدنية بالتدريج. هؤلاء الذين يقدمون أعمالًا متدنية بالرغم من مهارتهم الحقيقة (وهذا بسبب ضيق الوقت) يعوضون ذلك النقص في الجودة عبر الإنتاج الغزير. العديد من الأعمال في وقت قياسي بجودة مُتدنية بالتأكيد سوف يُحقق الأرباح المطلوبة لأن دائمًا في علم التسويق المستهلكون يُفضلون العدد عن الجودة.

هذه النقطة على وجه التحديد تظهر بشكلٍ صارخ لدى الذين يعملون على تعديل وصنع المحتوى المُصوَّر على الدوام. مثل الذين يقومون بتقديم المحتوى على (اليوتيوب) بشكلٍ أسبوعي أو شهريّ، أو الذين يقومون بصنع الأفلام القصيرة من الوقت للآخر بحكم الدراسة في معهد سينما أثناء الانضمام إلى إحدى دورات تعليم تعديل الفيديوهات على البرامج المتخصصة. فنظرًا لضيق الوقت، يكون تعديل الفيديوهات أمرًا صعبًا، فبالتالي يلجأ الكثيرون إلى التقليل من جودة الأداء الفعلي في التعديل، ثم تخطي العديد من المراحل المهمة أثناء عملية التعديل، وهذا بهدف إنتاج الفيديو في الميعاد المُحدد له، بغض النظر عن الجودة. يجب أن تعلموا أن صناعة وتعديل الفيديوهات تحتاج إلى الكثير والكثير من الوقت والمجهود، وهذا لا يرجع فقط إلى مرحلة النسخ واللصق والقص هنا وهناك بين المشاهد المختلفة، بل يرجع أيضًا إلى الاهتمام بكل إطار على حدى.

فتعديل تدرّج الألوان في كل إطار يستهلك وقتًا مهولًا، خصوصًا إذا كانت المشاهد ملتقطة في أماكن مختلفة، فبالتالي تصير الدرجة اللونية العامة مختلفة، بناء عليه يستلزم من صانع الفيديو بذل المزيد من المجهود من أجل الوصول بألوان الإطار إلى الجودة القصوى. لذلك الكثيرون لا يفعلون ذلك لأنهم ببساطة يعلمون أن الوقت المستغرق في تصدير الفيديو من الأساس كبير، فلماذا نضاعفه والمعجبون لا يهتمون على كل حال؟ لكن هذا شيء سيء جدًا، والاحترافيون لا يفعلون ذلك. فعلى سبيل المثال استوديوهات الأنميشن الأمريكية أو اليابانية دائمًا ما تعمد إلى إعطاء العمل المرئي حقه بالكامل، سواء للرسم، التحريك، أو حتى تصدير المُنتج النهائي في صورة فيديو كامل قابل للمشاهدة والرفع. لذلك استغراق الوقت المناسب وأكثر من أجل إنتاج العمل الفني هو بالتأكيد ما يضمن جودته الممتازة.

9- البساطة في الانطباع الأول والعمق في الانطباع الثاني

شخص يقف بجانب ثلاثة لوحات فنية من صنعه
Pexels

الأعمال الفنية مهما بلغت من التعقيد والرصانة، فهل تظل أعمالًا لا فائدة منها إلا إذا تفاعل معها الجمهور بالشكل المطلوب. وذلك التفاعل في العادة ما يكون بصريًّا وصوتيًّا بدرجة كبيرة. فاللوحات الفنية تتم رؤيتها، الموسيقى يتم سماعها، والأفلام السينمائية تتم رؤيتها وسماعها في آنٍ واحد. فبالتالي أول حاستان تستقبلان الأعمال الفنية في الجسد هي حاستيّ البصر والسمع. لكن دعونا نكون واقعيين بعض الشيء، ما الذي يجذب العين والأذن حقًا؟ بالتأكيد الانطباع الأول. وهذا أيضًا فخ شهير يقع فيه الكثير من صنّاع الفن حول العالم، خصوصًا فن الرسم. من أجل أن تحصل على عمل فنيّ ناجح (في مجال الرسم، أو أي مجال آخر) يجب أن تحرص على أن يكون التفاعل الأول بين العمل الفني وبين الجمهور تفاعًا يُعطي انطباعًا أوليًّا بالبساطة. أي عندما ينظر المُتفرج على اللوحة لأول مرة يستطيع فهمها بسهولة، ذلك الفهم السريع يدفع العقل إلى الاستمرار في النظر واستكشاف الأشياء الأخرى الخفية باللوحة.

لكن أن تصنع لوحة معقدة وبها الكثير من الخطوط والسيريالية والأشياء العشوائية والرموز العديدة، فأنت هنا تضع عين المُتفرج في حالة من عدم الاستقرار والتشتت. فلُب الفن هو أن يستطيع أي أحد التفاعل معه بسهولة ويُقدر جماله. لكن أن يفهمه، هذا شيء يرجع إليه في النهاية، لكن المهم هو الحول دون نفور المتفرج من العمل الفني. لذلك من الحسّ العقلي والذهني السليم أن تقوم برسم لوحة بسيطة من الخارج، لكن مُعقدة من الداخل. فيمكن أن ترسم فتاة باسمة جالسة في غرفتها وتحمل قطة سوداء صغيرة مغمضة العينين بينما المشهد من الخارج هو شروق الشمس. حسنًا، هذه بالتأكيد لوحة بسيطة ومريحة للعين. الآن أنت دون شك جذبت المُتفرج لينظر إليها أكثر، الآن يجب عليك استغلال تلك الفرصة.

استغلال الفرصة يأتي عن طريق إدراج ودمج العديد من الرسائل والرمزيات البسيطة والمؤثرة التي تُريد تقديمها في اللوحة الفنية. فيمكن أن تُلبس الفتاة سلسلة معدنية بها قرص كبير مُدوّر للشمس، بينما القطة تتوسط شعيراتها السوداء شعيرات بيضاء تكتب كلمة “شمس”، والمشهد بالخارج فعلًا هو مشهد غروب الشمس. وهنا يُعطى انطباع (ثاني) أكثر عمقًا للمُتفرج، ومن خلاله يفهم أن تلك الفتاة متفائلة تحب الشمس والنضارة والأيام الجديدة، أو يمكن لشخصٍ آخر أن يفهمها على إنها فتاة تحب الحضارة المصرية القديمة وتعشق الإله (رع) رمز الشمس. فهنا أنت استطعت إنتاج عمل فني متعدد الطبقات بالنسبة إلى الرمزية، وفي نفس الوقت سمحت للمتفرج بالمكوث أمام اللوحة فترة كافية لملاحظة تلك الرمزية من الأساس، وهذا يرجع لبساطة الهيئة، وعمق التفاصيل.

10- الثورية!

سيدة فاتنة تقوم بعزف الكمان باحترافية
Pexels

توجد آلاف الأعمال الفنية (فلنقل الأفلام مثلًا) التي يُطلق عليها جيدة، جيدة جدًا، أو ممتازة إلى أقصى حد. لكن توجد بعض الأعمال القليلة بعينها التي يُقال عنها (ثورية!) أي أنها أحدثت ثورة كبيرة في المجال الفني التي تنتمي إليه. كل النقاط التسع التي تحدثنا عنها في مقال اليوم هي منوطة بإنتاج عمل فني جيّد جدًا على الكثير من الأصعدة والمجالات الفنية المختلفة حصرًا، فهي قواعد عامة يمكن تطبيقها على أي شيء. لكن ماذا إذا أردنا إنتاج عمل لا يُعتبر جيدًا أو ممتازًا فحسب، بل أيضًا ثوريّ من الدرجة الأولى ويُعتبر نقطة تحول ومنعطف تاريخي في مسار هذا الفن بعينه؟ هذا ما نتحدث عنه الآن يا سادة. فالثورية هي السمة التي تتميز بها الأفلام السينمائية التي تترأس قوائم أفلام الأفلام على مدار التاريخ، وهنا تحضرنا بكل تأكيد سلسلة The Godfather السينمائية الشهيرة. فما الذي يُميز تلك السلسلة عن باقي الأفلام السينمائية الأخرى؟

ببساطة، كسر الأنماط السينمائية المعروفة. السينما في حقبة ما قبل الألفية الجديدة دائمًا ما تعمد إلى إظهار جوانب الحياة الأمريكية وحروب عصابات الشوارع ذات النطاق المحدود، أو تتحدث عن الحياة الاجتماعية في المجتمع الأمريكي بشكل يمزج بين الدراما والكوميديا. أو قبلها بفترة (أي أيام فترة الأبيض والأسود في السينما)، تتحدث الأفلام إما عن السفاحين أو الحروب العالمية القاسية. فتلك كانت السمة العامة لتلك الحقبة، لكن أتت هذه السلسلة لتكون ثورة على ذلك الروتين الثابت. طرحت السلسلة حربًا أجل، لكن طرحت حربًا بين عصابات ذات نطاق كبير جدًا، وليس من أجل السلطة والمال والنساء وما إلى ذلك.

لا لا، بل من أجل الكرامة الإنسانية والعائلة الغالية. فهي تُعتبر أول سلسلة أفلام عن عصابات المافيا التي تُقدم مبادئ إنسانية كثيرة جدًا توجد في رجال العصابات، وتجاهلتها الأفلام السينمائية من قبل ذلك تمامًا. ففي تلك السلسلة يظهر رجال العصابات الكبيرة على أنهم رجال يحملون بداخلهم من الخير ما يساوي الشر، لكن الظروف الحياتية التي جعلت الأخير يتغلب على الأول. في تلك السلسلة ظهر الإنسان على أنه مزيج بين الأبيض والأسود، ظهر على أنه لون رمادي يميل إلا هذا قليلًا وإلى هذا قليلًا، وليس مثل النمط المعهود عن هؤلاء الرجال على أنهم منزوعوا الرحمة وقُساة القلوب منذ أن وُلدوا على وجه هذه الأرض. فببساطة ثورة العمل الفني على كل الثوابت هي التي تجعل العمل محط الأنظار، وثورته تلك إذا كانت إيجابية ومُحكمة، سوف تجعله ثوريًّا بالفعل على صعيد الفن بشكلٍ عام، وليس على صعيد الفئة التي ينتمي إليها فقط.

كلمة أخيرة

الأعمال الفنية كثيرة جدًا ولا تنتهي، وبينما نحن قائمين في هذه الحياة وفي هذا العصر على وجه التحديد، سنشهد تقدمًا هائلًا في الفنون يومًا بعد يوم. إذن فلنكن شاكرين أننا ولدنا في هذه الحقبة الزمنية المُلونة حيث نستطيع فعل أي شيء وكل شيء دون حواجز أو حواجز أو قيود على حرية الفن. ودعونا نُشارك في هذه المسيرة الفنية الهائلة التي ستدفع البشرية بالتأكيد إلى الأمام. لا تنظروا إلى أنفسكم على أنكم مجرد تروس صغيرة تدور في ساعة كبيرة، فبالتالي لا فائدة مرجوة منكم. لا بل بالعكس، فبدون التروس الصغيرة تلك تتوقف الساعة بأكملها عن العمل. والذكاء هو أن تتحول من ترس صغير إلى ترس كبير لتزيد مرتبتك وقيمتك في تلك الآلية الكبيرة المدعوّة الحياة. اليوم تحدثنا ببساطة وبشكل مستفيض نوعًا ما عن أهم وأبرز العوامل التي تصنع الفنون الجيدة والناجحة. أتمنى أن يكون المقال قد نال إعجابكم وأراكم في مواضيع أخرى عديدة ومثيرة عن الفن، الفن، الفن، والحياة!

مقالات ذات صلة

إغلاق