منوعات

من أجل تلك الأسباب يُعتبر Hunter X Hunter أحد أفضل أعمال الأنمي في التاريخ!

10 أسباب، آخرها سوف يُدهشك!

دون شك لا تنفك صناعة الأنمي أن تبهرنا كل يوم بأعمال أنمي عظيمة وقوية ورصينة إلى أقصى حد. ولذلك نحن نتابع بشغف أعمال الأنمي الموسمية التي تظهر على الساحة بشكلٍ متواتر خلال العام، لنندمج معها وننتظر حلقاتها الأسبوعية بمزيج من الحماس والإثارة. وبطبيعة الحال لا يمكن لكل الأعمال أن تتساوى في القوة أو المرتبة الفنية التي تم تصنيعها بها. فكل أنمي له شيء مُعيّن يُميزه عن أقرانه الذين يُعرضون معه في نفس الموسم. فيمكن لهذا الأنمي أن يتميز بجودة الرسم الخارقة، وهذا يمكن أن تكون موسيقاه قطعة من مقطوعات (بيتهوفن) الآسرة، وأيضًا يمكن لذاك أن تكون نقطة تميزه على الحبكة الفنية والتصاعد الدرامي للقصة وشخوص العمل الفني، وأخيرًا يُمكن أن يكون ما يُميز العمل الفني هذا بعينه هو جودة الإخراج، فالمخرج هنا عمد إلى استخدام زوايا كاميرا عبقرية تُحيل الحبكة الهشّة تلك إلى تحفة فنية سينمائية من الدرجة الأولى.

لذلك نادرًا ما نجد أعمال أنمي تجمع بين كل عناصر التميز تلك. لكن في الواقع توجد بعض الأعمال في تاريخ صناعة الأنمي التي جمعت بين كل تلك العناصر لتصنع مزيجًا ندعوه بالـ(مزيج الأفضل). فكل أنمي توجد به تلك العناصر بنسب، لكن أحدها فقط الذي يصل إلى مرحلة التميز، ليكون بذلك العلامة المميزة لهذا الأنمي بعينه. وعندما توجد كل تلك العناصر في مرحلة التميز بداخل عمل فني واحد فقط، هنا يجب أن تكون لنا وقفة. تجمّع تميّز تلك العناصر في مكان واحد ليس بالضرورة أن يُنتج أنمي من الطراز الرفيع، بل السر في التوازن بين تلك العناصر ذات الجودة الفائقة. فعندما تسير تلك العناصر بطريقة طولية بجانب بعضها البعض يكون من العسير على صنّاع العمل الفني تحقيق (المزيج الأفضل) الذي نريده. لكن عندما تكون الحبكة متداخلة ومتشعبة وأحداثها تأخذ أبعدًا زمانية ومكانية مختلفة، هنا نحن فعلًا أمام عملٍ فارق في تاريخ صناعة الأنمي يا أعزائي.

أجل، سأقول حالًا الشيء الذي يدور في أذهانكم الآن، إن أنمي Hunter X Hunter أحد تلك الأعمال الفنية التي تُعتبر علامات فارقة في تاريخ صناعة الأنمي. فهو الأنمي الذي حقق (المزيج الأفضل) بطريقة مميزة جدًا وعلى مدار 148 كاملة من المتعة والحماس والدموع والأحزان والضحكات والشجون وكل حالة شعورية بشرية يمكن أن تنتاب أي إنسان في هذه الحياة. كلنا بدأنا مع (غون) الصغير رحلته حيث انطلق من جزيرة الحوت كي يحاول تحقيق مسعاه في الحياة ويجد والده الصياد الذي تركه وهو طفل رضيع من أجل أن يُكمل حياته كصيّاد حرّ. ومن أجل تحقيق ذلك المسعى الكبير خضنا مع فتانا الأخضر الصغير الباسم هذا رحلة طويلة جدًا وذهبنا معه من مكان إلى آخر وقابلنا عشرات الشخصيات التي تركت كل منها بصمة حقيقية في نفوسنا وأعطتنا دروسًا حياتية لا تُنسى.

اليوم سوف نتحدث عن الأسباب التي تجعل من هذا الأنمي نجمًا أحمرًا عملاقًا لامعًا في سماء عالم صناعة الأنمي، نجم يطغى نوره على آلاف النجوم الأخرى، ويقف متفردًا في مصاف النجوم الحمراء الضخمة الأخرى التي تُمثل عِماد هذه الصناعة العريقة. الآن اربطوا الأحزمة جيدًا، فأمامنا رحلة ممتعة!

*هذا المقال به حرق – Spoilers شديد للأحداث، لذا لزم التنويه*

1- الثنائي الفريد

أنمي Hunter X Hunter - فتى ينظر إلى فتى آخر بشغف
المصدر: Reddit

لعل أحد أهم عناصر صنع أعمال الأنمي هي الشخصيات، وهنا يطرح لما أنمي Hunter X Hunter مثالًا فريدًا جدًا في نسج شخصية البطل. أغلب أعمال الأنمي الشبابية التي تنتمي إلى تصنيف (التشونين)، دائمًا ما تعمد إلى إرساء مبدأ وجود بطل واحد فقط يحاول بشتى الطرق الوصول إلى حلمه، ومن الناحية الأخرى يوجد أمامه شخص واحد بعينه مساوٍ له في القوة ومضاد له في الحلم، فتحاول تلك الشخصية الأخرى تحطيم عزيمة الشخصية الأولى حتى ننتظر قتالًا ملحميًا في نهاية الأنمي. وهذا بالتأكيد يرفع من نسب المشاهدات ويجعل الأنمي في مصاف أعلى أعمال الأنمي مبيعًا من حيث الاسطوانات، الملابس، المجسمات الصغير، وجميع اللوازم الحياتية الأخرى المصبوغة بروح هذا الأنمي.

لكن الأنمي الذي نتحدث عنه اليوم مختلف بشدة يا سادة، فبدلًا من أن يأتي ببطل واحد فقط للأحداث، أتى باثنين متلازمين على الدوام. ومن ثم بدأت الشخصيات الأخرى تلتف حولهما حتى صارت الشخصيات طبقية وصارت بطولة الأنمي عبارة عن لقطات كاميرا خاطفة تنتقل من شخصية لأخرى بشكلٍ مستمر لتتراوح البطولة الفعلية للأنمي من منظور فني بين أربعة شخصيات على الأكثر. لكن من المنظور العفوي، أي عندما ننظر إلى الأنمي بقلوبنا وليس عقولنا، سنجد أن البطل هو عبارة عن ثنائي مميز جدًا. الولد الباسم ذو الشعر الشائك والعيون البُنيّة والملابس الخضراء حاملًا صنّارة صيده على الدوام، (غون). والفتى المماثل له في العلم ذو الشعر الأبيض الرائع وغير المرتب والمتناثر هنا وهناك حول محيط رأسه، وذو العيون الزرقاء التي تحمل صفاء الوجود، والذي يحمل زلاجته معه على الدوام أيضًا، (كيلوا). هذا الثنائي حقًا يُظهر عبقرية المانجاكا (توغاشي) في صنع تلك المانجا فعلًا.

هنا استطاع (توغاشي) أن يوجد لنا صديقين على قدرٍ هائل جدًا من التوافق النفسي، ليُثبت أن أساس الصداقة ليس بالضرورة أن يكون توافقًا كبيرًا جدًا في الخصال والأفعال والأهداف الحياتية. ففي هذا الأنمي نجد أن (غون) شخصية مرحة للغاية ومليئة بالتفاؤل والحياة، وبينما (كيلوا) شخصية ظريفة أجل، لكن حياته مأساوية جدًا وشديدة القتامة بسبب كونه طفلًا لعائلة من القتلة وذلك أثّر على حياته وحالته النفسية بشدة، لذلك (غون) هو صديقه الأول والذي وجه فيه ملاذًا من كل تلك الأهوال التي دمرت حالته النفسية تمامًا مع الوقت. فبالرغم من ذلك التضاد في الطباع والأهداف وطريقة التنشئة، إلا أنهما يتوافقان تمامًا على الصعيد النفسي ويجدان الراحة النفسية الشديدة في وجودهما سويًّا. لذلك يُعتبر هذا الثنائي أحد أهم وأبرز عناصر الجذب التي جعلت هذا الأنمي مُتميزًا فعلًا.

2- التصاعد السوداوي للأنمي

أنمي Hunter X Hunter - فتى ينظر إلى الأمام وهو غاضب بشدة
المصدر: Pinterest

عندما يقوم الكتّاب والمؤلفون بإنتاج أي عمل فني طويل، يجب على الكاتب أن يضع منذ البداية، النهاية. فيجب أن يُفكر من الغرض الرئيسي من تلك السلسلة، وبناء عليه سوف يضع الخطوط العريضة، وأحد تلك الخطوط العريضة هو خط النهاية. فيجب أن تكون النهاية مُحددة مُسبقًا قبل الشروع في وضع وسرد تفاصيل العمل الفني ذاته على المستوى الدقيق والفني. فإذا كان الأنمي كوميديًّا، يجب أن يُقلل الكاتب من مستوى السوداوية في العمل بقدر الإمكان، والعكس صحيح إذا كان الهدف من الأنمي تجسيد حالات واقعية مؤلمة، فيجب أن يبتعد عن الكوميديا بقدر الإمكان. لكن هنا في Hunter X Hunter الوضع مختلف فعلًا.

في هذا الأنمي عمد (توغاشي) إلى إنتاج عمل مزجي يجمع بين الكثير من الحالات الشعورية والتصنيفات الفنية المختلفة، لكن حافظ على وجود خط واحد من التصاعد الدرامي: التصاعد الدرامي المؤلم. فكلما نستمر في مشاهدة الحلقات أو قراءة فصول المانجا، نجد أن الكثير من أوراق اللعب يتم كشفها بالتدريج أمام أعيننا. منها أوراق تخص ذكريات الشخصيات، ومنها أوراق تخص أفعال تقوم بها الشخصيات، وبالتأكيد منها أوراق تخص عالم (هانتر) بشكلٍ عام. وكلما كُشفت أوراق اللعب بالتدريج، كلما صار الأنمي أكثر سوداوية وقتامة. ففي البداية عندما تُشاهد أولى حلقات الأنمي، تتملكك فرحة عارمة وحالة شعورية لا مثيل لها. فهذا في البداية عبارة عن أنمي كوميدي مرح يتحكي قصة ولدين صغيرين يسعيان نحو استكشاف العالم وكسب المزيد والمزيد من القوة والمال.

لكن تلك البداية لا يمكن أن تجعلك تتوقع أن الأحداث سوف تتخذ تلك المنعطفات الحادة والخطيرة لتصل إلى هذا المستوى الخانق من السوداوية والقتامة والبؤس. فقد انتقل (هانتر X هانتر) من مستوى الحياة الواقعية التي بها الحلو والمر، إلى الحياة الواقعية الفعلية حقًا والتي يكون فيها المر صاحب نصيب الأسد. فقد ذاقت شخصيات العمل الأمرّين حقًا، فلم يتدمروا من الخارج فقط جرّاء القتالات الشديدة والحروق المهولة، بل نفسيًّا أيضًا إثر الصدمات النفسية الحادة التي هشّمت بواطنهم النقية وحولتها إلى كتلة مشوهة من الجراح والثقوب التي تلتئم بشق الأنفس مع الوقت. فتلك النقلة التدريجية والموزنة من الطابع الهادئ والمرح إلى الطابع الصاخب والسوداوي، هذا حقًا شيء يستحق الإشادة.

3- الشخصيات مميزة، موزونة، مهولة العدد، وتعتلي المسرح بشكلٍ متواتر

Hunter X Hunter - أربعة أشخاص يقفون بجانب بعضهم البعض
المصدر: Pinterest

الشخصيات هي مفتاح نجاح أي عملٍ فني، فإذا خلقت شخصيات سطحية بالكامل ولا تتوفق أفعالها مع بواطنها، فأنت الآن قد صنعت عملًا فنيًّا فاشلًا على صعيد الحبكة، وإذا كانت سائر أركان العمل فاشلة أيضًا فسيذهب مجهودك كله ومجهوم طاقم العمل بأسره أدراج الرياح. الشخصيات هي التي تُعطي القيمة والقامة لأي عمل فني، فهي التي تقوم بالأفعال، الأفعال التي تُترجم إلى أحداث، والأحداث بدورها تُترجم إلى حالات شعورية تغمر المُشاهد/القارئ بالسعادة، الحزن، الفرح، البؤس، وآلاف الحالات الشعورية الأخرى بالمنتصف. ولهذا صار هذا الأنمي من مصاف أبدع الأنميات التي تحتوي على مزيج مدهش جدًا من الشخصيات المميزة والتي يُضرب بها المثل عالم الأنمي. فعندما نشاهد أي أنمي حديث نقول: “آه، هذه الشخصية تشبه الشخصية الفلانية من أنمي Hunter”. فصدقًا، ألم تقولوا على (ليفاي) من أنمي Attack on Titan أنه شبيه جدًا بـ(فيتان) من أنمي Hunter؟ سواء في الشكل أو الأفعال حتى.

الشخصيات هنا موزونة فعلًا، لماذا؟ ببساطة لأنها مبنية بطريقة جيدة جدًا والماضي الخاص بكل شخصية أو (مجموعة شخصيات) منسوج ببراعة ويُراعي قواعد المنطق المعروفة. ففي هذا الأنمي لن تجد شخصية شريرة لمجرد أنها تحب الشر، فمشكلة أعمال الأنمي التي تندرج أسفل تصنيف (التشونين) هو أنها تُقدم الأشرار على أنهم مولودون هكذا وهم يكرهون البشر. لكن علم النفس يقول أن كل شيء له أصل وبداية، والإنسان يولد نقي النزعة ولا يعلم معنى الحب أو الكره، بل الحياة والبشر من حوله هم الذين يعلمونه تلك المشاعر السلبية أو الإجابية تجاه الكون، الحياة، وحتى نفسه. هذا الأنمي يجعل للأفعال أسبابًا، وتلك الأسباب دائمًا ما تستند إلى منطق يتوافق مع طبيعة الشخصية والبيئة التي ولد وتربى فيها. فعلى سبيل المثال لا نجد شخصًا يكره الأطفال لكونه تربى في بيئة خالية منهم. فالمنطق يقول أنه يمكن أن يكره الأطفال لأنهتربى في بيئة تعج بهم حتى ملّ منهم وبغضهم بالكامل. فهذا سبب اتزان شخصيات هذا العمل الفني.

المميز أيضًا في الشخصيات هو تنوّعها المهول. فنجد عشرات الشخصيات فعلًا وكل شخصية مميزة بطابعها الخاص وماضيها المُحدد وأفعالها المُميزة لها وحدها. فكلما ندخل في أرك جديد تظهر شخصيات جديدة وغريبة بشكلٍ يدفعك للمشاهدة لتعرف ما قصة هذه الشخصية ولماذا تفعل ما تفعله هكذا، وكيف سيتفاعل أبطال العمل الأربعة معها بالمستقبل. كل تلك الأسئلة تشغل البال وتدفعك للمشاهدة أكثر وأكثر، وهذه هي الفائدة الكُبرى للشخصيات المتنوعة فعلًا. لكن تنوع الشخصيات قد يكون نقمة على العمل الفني أيضًا، فكثرة الشخصيات تجعل الكاتب في وضع حرج بالنسبة إلى السيطرة على كل تلك الشخصيات وإدراجها في السياق الزمني والمكاني للأحداث، خصوصًا إذا كانت الحبكة متشابكة الخطوط مثل Hunter هنا. لكن (توغاشي) لم يترك لما منفسًا للنقاش حتى، فقد برع في نسج خيوط تلك الشخصيات وتوزيعها بطريقة مبهرة فعلًا.

وأخيرًا النقطة الأهم هنا أن الشخصيات لا تعتلي المسرح لفترة طويلة جدًا. فـ(توغاشي) يعتمد على سياسة الكاميرا المُتنقلة. الآن تخيل معي أن شخصيات العمل كلها تجلس بجانب بعضها البعض على مجموعة من المقاعد الموضوعة على مسرح كبير، وفوقهم مجموعة من المصابيح المغلقة والمسرح مظلم بالكامل. وكل عدة دقائق يُضيء أحد المصابيح على الشخصية التي أسفله ليجعلها تندمج مع الجمهور لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى الضوء إلى الشخصية الأخرى بطريقة تكميلية لما فعلته الشخصية الأولى. مما يجعل العمل معتمدًا على التنقّل المتواتر للضوء من شخصية لأخرى بسلاسة خلال مسار الأحداث. وهذا نراه على عدة أصعدة، فذلك التقسيم المتواتر ينقسم إلى عدة طبقات بداخل هذا الأنمي. فلدينا تواتر بين الشخصيات الأربعة الرئيسي، وتواتر بين الشخصيات ذات الأهمية الثانوية بعد الشخصيات الرئيسية، ونفس الأمر ينطبق على الشخصيات الأصغر والأصغر. فهذه حقًا مهارة فنية لا يمكن لنا أن نستهين بها أبدًا.

في هذا الأنمي أرى (من وجهة نظر شخصية) أن كل شخصية رئيسية كانت أو ثانية بالأنمي لديها فلسفة وأيدولوجية خاصة في الحياة. ففي الواقع عندما ننظر إلى ملابس كل شخصية وطريقة رسم الشعر وألوان العيون وأشكالها، وكذلك لغة الجسد وأسلوب الحديث الخاص بكل شخصية، هذا يُعطيك انطباعًا قويًّا على أن تلك الشخصية مميزة وكل شخصية لها طابعها الخاص وفلسفتها في الحياة، تلك الفلسفة التي انعكست على كل الصفات سابقة الذكر. وتلك الفلسفات جعلت من تلك الشخصيات شخصيات واقعية بدرجة كبيرة جدًا وبعيدة بشكلٍ كامل عن النمطية الرتيبة. فلا نجد شخصية بالغة الرقة بشكل مُعتاد أو شخصية بالرغم البطش بشكل روتيني. فالشخصيات هنا مُركبة بطريقة تبعدها تمامًا عن النمطية وتجعل من كل شخصية على حدى قالبًا فنيًّا خاصًا يستحق الدراسة والتحليل.

في شخصيات هذا العمل الفني على وجه التحديد، أنت تلاحظ شيئًا مميزًا جدًا. فالشخصيات توجد لها شخصيات أخرى مماثلة لها لكن في مرحلة عمرية مختلفة. وهذا يجعل المُشاهد قادرًا على عمل ربط ذهني بسيط بين كل شخصية وأخرى، ليتوقع بموجب ذلك طريقة تفكير الشخصية الصغيرة حيث أنها مُشابهة للشخصية البالغة بدرجة كبيرة جدًا في السمات، الأسلوب، والأفعال. وتلك الشخصيات ندعوها الشخصيات التطابقية أو التغليفية أو التناسخية – Foil Characters، لكن تبقى تلك الشخصيات ذات فرق واحد ومحوري بين النسخة المُصغرة منها. ففي هذا الأنمي نحن نرى شخصية (غينج) مماثلة تمامًا لشخصية (غون)، وهذا مُتوقع لأنهما أب وولده الصغير. لكن من الناحية الأخرى نجد أن (كايت) هو نسخة بالغة عن (كيلوا). فالاتزان والرصانة العقلية والفعلية سمة مشتركة بين كليهما فعلًا. وهذا يجعلك تفكر هل سيكون (كيلوا) شبيهًا له فعلًا في يوم من الأيام؟ أن (توغاشي) يُحضِّر لنا شيئًا آخر يا تُرى؟

الآن يجب أن أتحدث عن آخر نقطة في هذا العنوان المتمحور حول الشخصيات. الشخصيات هنا تمتاز بالتصاعد الدرامي الخارق بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ففي بداية الأحداث كان (غون) يرى أن قتل البشر للبشر الذين لا ذنب لهم على الإطلاق لهو جريمة لا تُغتفر، لاحقًا في أرك نمل الكيميرا قال لـ(نيفيريبيتو) أنه سوف يقتل الفتاة الصغيرة التي تُعالجها بالخلفية إذا لم تذهب معه الآن ليحاول إرجاع (كايت) للحياة. كما أنه شهد تحطمًا نفسيًّا شديدة أدى إلى أخذ عهد أبدي على نفسه بعدم استخدام الـ(نين) مرة أخرى، فبالتالي اكتسب تلك الهالة المهولة جدًا والتي استطيع بها القضاء على تلك الحشرة اللعينة.

ومن الناحية الأخرى سنجد أن ملك النمل (ميريوم) في بداية الأرك كان يظهر على أنه شخص عديم الرحمة يقتل دون تردد والبشر بالنسبة له كالماشية، لكن بعد أن تعامل مع الفتاة البشرية (كوموغي) بدأ يرى الحياة بمنظور مختلف وبدأت وجهات نظرة تختلف بعض الشيء وهذا ظهر في موقفين. الموقف الأول هو عندما هزم (نيتيرو) قال له أنه سوف يحترم الجنس البشري إثر هذا المجهود الجبار الذي بذله الخصم، وسوف يحتفظ بالبشر في سوج خاصة لحمايتهم مع تحديد بعض البشر فقط للطعام. والموقف الثاني هو اللين والرقة البالغين اللذان أظهرهما الملك لتلك الفتاة أثناء لعب المباراة الأخيرة في قبو القصر، وهذا هو الموقف الذي كانت بدايته وإشارته الأولى هى قتل الملك للصقر الذي كان يقوم بإيذاء الفتاة الصغيرة قائلًا لها: “أنتِ ضيفة مهمة ولا يجب أن يحدث ذلك”، فذلك حقًا تطور يستحق الإعجاب.

4- موازين القوة المنطقية

أنمي Hunter X Hunter - فتى صغير يلعب باليويو باحترافية
المصدر: hunterxhunter.wikia.com

بعيدًا عن الشخصيات والرسم وما إلى ذلك، فلا فائدة من الشخصيات إذا كانت لا تتبع نمطًا عامًا للشيء المُعين الذي تقوم به في الأنمي. فعندما تكون أفعال الشخصية منطقية بالنسبة إلى ذاتها فقط (على سبيل المثال شخصية تقول باغتصاب الأطفال لأنها وهي صغيرة تم اغتصابها من قبل رجل بالغ) فهذا شيء يُحسب بالإيجاب لها فعلًا، لكن إذا كنا نتحدث على مقياس أوسع أو Large Scale، فيجب أن تتبع تلك الشخصيات ذلك النمط بدقّة وألّا تحيد عنه. وأحد أشعر الموازين والأنماط في أعمال الأنمي التي تندرج أسفل تصنيف (التشونين) هي موازين القوة. ففي الواقع تلك النقطة في حد ذاتها تُمثل مشكلة كبيرة جدًا لكل أعمال الأنمي التي تتبع ذلك التصنيف، ففي العادة عندما يُريد الاستوديو الصانع للأنمي أن يكسب المزيد والمزيد من المال، يجب عليه أن يرفع نسب المشاهدات، ونسب المشاهدات ترتفع في تلك الأنميات عن طريق رفع سقف مستويات القوة حتى يخترق السماء دون حاجز أو منطق. فببساطة بدلًا من أن نجد شخصيات حقيقية وواقعية تخوض قتالات واقعية، نجد آلهة تتقاتل في حلبة كونية شاسعة بالمعنى الحرفي للكلمة. وهنا يحضرني بالطبع أنمي (دراغون بول)،

وأظن أن جميعكم يوافقونني الرأي في ذلك. فبأي منطق كلما يصرخ البطل أكثر كلما يزداد في القوة؟ إنه عبث.
في هذا الأنمي القوى موزونة فعلًا. فعندما قام (توغاشي) بخلق كل تلك الشخصيات، قام بعمل تقسيمة وترتيب ونمط مُعيّن لتلك القوى، وأعطى لكل شخصية رقمًا أو نسبة مئوية تُبين مدى قوتها الفعلية مقارنة بالشخصيات الأخرى. ومعايير القوى لدى (توغاشي) لا تعتمد فقط على المهارة في استخدام النين. أتتذكرون عندما تقابل (كيلوا) و(موريل) صاحب الغليون الضخم أمام أحد أشجار الـNGL في بداية أرك نمل الكيميرا؟ وقتها كان مع (نيتيرو) وصديقه الآخر، وقتها قال (موريل) لـ(كيلوا) بتصرف: “معارك (النين) لا توجد لها نهاية ثابتة”. لذلك معايير القوى لدى المانجاكا هنا لا تعتمد فقط على مدى إتقان الـ(نين)، فهناك العديد من الأمور الأخرى مثل الحنكة والذكاء، الثبات الانفعالي، القدرة على محاورة الخصم بطريقة تقلل من دفاعاته أن تجبره على خوض نزال يحاول التهرّب منه بطريقة أو بأخرى. وهنا بالتأكيد يجب أن نأتي على ذكر تصرف (نيتيرو) الماكر عندما حاول استمالة ملك النمل كي يقاتله بينما كان الملك غير مهتم بهذا البشري الحقير. فاستخدم (نيتيرو) هنا الحنكة والذكاء وقال لهأنه إذا هزمه سوف يقول له اسمه الحقيقي، وهنا تنبّه الملك وقرر فعلًا نزاله ليعرف اسمه.

ببساطة موازين القوة الموزونة تلك خلقت شخصيات مميزة، فبالتالي خلقت أحداثًا وكيانات تُرفع لها القبعة. فبالتأكيد الكل هنا سحب عصابة (غيني ريودان) المميزة جدًا. فالذي يُميز هؤلاء الأشخاص هو التنوع الشديد في صفاتهم وقواهم المختلفة، لكن الشيء الذي يتوافق مع المنطقية هو أنهم يعترفون بأن هناك من بينهم من هو أقوى منهم، ومن هو أدنى منهم. فهم يستطيعون تقييم الشخص الآخر بمنطقية والحكم عليه بناء على معايير القوى التي يرونها مناسبة. فعلى سبيل المثال الكل في تلك العصابة يعترف أن (أوفوغين) جبّار في القتال القريب. بينما (فيتان) ضعيف في القتال القريب، لكن لديه هجمة قاتلة أخيرة تستطيع حرق كل شيء حوله دون فرصة للعودة أبدًا. أتتذكرون موقف (هيسوكا) في أرك الانتخابات؟ كان يجلس ليُقيّم الصيادين الحاضرين للإدلاء بأصواتهم من أجل اختيار شيخ الصيادين الجديد. هذا أيضًا دليل على أن الشخصيات لديها بصيرة كافية لتتبع مقياس ونمط (توغاشي) للقوة، بل وتُحور فيه بعض الشخص لتخلق لأنفسها معايير قوى مختلفة تمامًا وتتناسب من منطقية عقلها وحياتها وخبراتها السابقة في مجال القتال.

5- من الصعب جدًا كره الأشرار

أنمي Hunter X Hunter - شخص محترم يمسك بالكرة
المصدر: Anime Wallpaper

الأشرار يتم خلق شخصياتهم من أن يتم كرههم أليس كذلك؟ فعندما يقوم الكاتب بنسج شخصية شريرة ما من العدم، يجب أن يضع فيها معاييرًا تجعل المُشاهد أو القارئ ينفر منها بالكامل ويبغضها، حتى يؤكد بشكلٍ كامل على أنه حقًا شخصية شريرة وتُريد الأذى من أجل الأذى ولا شيء آخر. فهي شخصية تقتل للمتعة، تُحطم العزائم للمتعة، وتفعل كل الشرور دون تورع من أجل المتعة أيضًا. لكن إذا نظرنا إلى تلك الشخصية من ذلك المنظور الأُحادي، سنجد أن هذا حقًا نمط قديم جدًا وتقليدي إلى أقصى حد لنسج الشخصيات الشريرة، وفي الواقع يبعد عن المنطقية. فما الفائدة من خلق شخصية شريرة من أجل الشر فقط؟ ما الهدف الأسمى لتلك الشخصية وما الذي أوصلها إلى تلك النهاية التي أمامنا الآن؟ فصدقوني، لن تحبوا أن تجدوا شخصيات مثل امبراطور الظلام في سلسلة أفلام Star Wars بعينيه الغائرتين ونظرته الشريرة وصوته الذي يشبه فحيح الثعبان ودقائق وتعتقد أنه سوف يتهاوى على الأرض دون رجعة.

في هذا الأنمي جعل (توغاشي) الشخصيات الشريرة على قدر مهول جدًا من التميّز والتفرّد حيث لا يمكن لأي مُشاهد للأنمي أو قارئ للمانجا أن يكرهها بأي حال من الأحوال. فأول شيء عمل على صقله هنا هو (الكاريزما). فحرص (توغاشي) كل الحرص على أن يُغلّف شخصياته بهالة من الغموض تارة، والقوّة أخرى. وبين هذا وذاتك استطاع تغليف شخصياته بآلاف الهالات الأخرى التي تجمع بين الرزانة، الثقة، والمكر والدهاء. فبحق السماء ماذا يدفعك لكره شخصية ذات طلّة مبهرة وساحرة مثل (هيسوكا)؟ فهو دون مُنازع يستحق لقب (ساحر الدماء)، فهو شخصية مثيرة جدًا للإعجاب وتُعتبر مزيجًا بين الساحر، المُهرّج، الثعلب الماكر، والكثير من الأشياء المميزة الأخرى.

وثاني شيء عمد إلى إظهاره بشدة هو آلية القتال الفريدة. فبالرغم من أن الأنمي به العديد من الأشخاص الذين يتقاتلون بنفس القواعد القتالية المعروفة، إلا أن لكل واحد أسلوب قتال مُميز، مما يجعلنا ننتظر ماذا ستفعل تلك الشخصية في ذلك الموقف بعينة عبر استخدام قدرتها القتالية التي يلُقي إلينا (توغاشي) بأجزاء منها خلال الأحداث بالتدريج. وثالث وآخر شيء اهتم به (توغاشي) تمام الاهتمام هو أزياء الشخصيات وتركيبتها الجسدية. فعلى سبيل المثال توجد لدينا شخصية (هيسوكا)، ذلك الساحر الماكر الذي يهوى الضحك بسادية على الدوام وفي كل مرة تراه يهزم الخصم بمنتهى الرشاقة والخفة، وأيضًا يُحطم من عزيمة الخصم أشد تحطيم، وهذا يدل على مكره فعلًا. ففي القتال، يجب أن تُهشم حصون الثقة الموجودة لدى خصمك، ففور أن تراها تهاوت، سيصير عاريًا تمامًا وتستطيع شن هجومك عليه في أي لحظة وستكون أنت المنتصر دون شك.

فشخصية كتلك ملابسها غريبة وعجيبة إلى أقصى حد. فمن حقًا يرتدي زيًّا يُماثل أوراق اللعب؟ وأيضًا تسريحة شعره مثيرة للإعجاب، وكذلك طريقة مشيه والموسيقى التي ترافقة أثناء ذلك والتي تُعتبر مزيجًا بين الإسبانية والميكسيكية. وشخصية مثل (كلورو لوسفير)، زعيم العناكب. تلك الشخصية تتميز بالهالة الدينية التي في الواقع هي معكوس صريح لها. فهو يرتدي ملابسًا تُشبه بعض الشيء ملابس الكهنة، وعلى جبهته يوجد صليب بارز ويحمل في ده كتابًا يقرأ فيه بصمت على الدوام. فمن هيئته قد تعتقد أنه يحمل إنجيلًا وأن هيئته دينية بالكامل. لكن في الواقع هذا الكتاب الذي في يده يسرق قدرات الناس ويجعلهم متحسرين على حياتهم بطريقة مؤلمة، بينما هو ينعم بتلك القوى دون قيود، وهذا بالطبع عكس ما يفعله الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس يُعطي للناس، ولا يأخذ منهم.

6- (النين)!

أنمي Hunter X Hunter - شخصان يصرخان وشخص آخر بالخلفية يوجه طاقته إليهما
المصدر: Hunterpedia – Fandom

أحد أفضل الأشياء في أنمي Hunter X Hunter هو آلية القتال الأساسية فيه. هذا الأنمي هو أنمي يعتمد على القتالات بشكلٍ أساسي، لكنه يحاول بقدر الإمكان الابتعاد عن أنماط القتال الاعتيادية، ويترك مجالًا للإبداع والخيال الجامح الذي يحظى به العقل البشري. ولتحقيق تلك الغاية عمد (توغاشي) إلى صنع نظام (النين) للقتال. وذلك النظام ببساطة يعتمد على استغلال الفرد لطاقة حياته الشخصية، وعبر كبر تجسيدها خارج جسده في صورة هالة تُحيط به بهدوء وسكينة، فبالتالي يستطيع تسخير تلك الهالة وإعادة تشكيلها في أي صورة يرغبها. وحيّز احتمالات ناتج إعادة تجسيد تلك الهالة حقًا كبير جدًا وواسع بطرقة لا يمكن أن نستوعبها فعلًا. فأنماط (النين) ست، وأرقاها وأعظمها هو نمط التخصص، وفيه يستطيع مُستخدم (النين) التحكم التام بجميع الأنواع الأخرى ليصير بذلك شخصًا يا لا يُقهر، وهنا بالتأكيد يحضرنا (كورابيكا) حيث يستطيع الوصول إلى مرحلة التخصص عندما تحمرّ عينيه ويصير في وضع يُطلق عليه “وقت الامبراطور”.

المذهل في (النين) هو أنك لا تستطيع توقع الطريقة التي سوف يقوم الخصم الذي أمامك بتطبيقها كويسيلة قتالية ناتجة عن تسخير هالته. وعندما لا تكون تعلم تخصص (النين) للشخص الذي أمامك، سوف يكون توقع نمط هجماته شيئًا عسيرًا فعلًا. يُمكن للمُعزز مثلًا أن يقوم بحماية جسده والشروع في تطبيق آلية تعتمد على الكر والفر مع الحفاظ على وضع دفاعي ثابت، أو يمكن للمُحوِّل أن يقوم باستغلال أي شيء مادي (أو خلقه عبر إعادة تشكيل هالته) ليستعمله كسلاح. فلا يوجد مجال للتوقع في قتالات (النين)، فأنت تدخل المعركة والفضول يكتنفك من كل جانب لتعلم كيف يمكن للخصم أن يشن هجومه التالي وكيف لي أن أهزمه.

أحد الأشياء التي تجعل (النين) آلية قتالية مثيرة للإعجاب فعلًا هو مبدأ القسم الأبدي. فعندما يُقسم مستخدم (النين) على نفسه قسمًا ما يجب أن يضع مقابل القوة المهولة التي سوف يحصل عليها شيئًا يوازيها في المكانة والقدر. وذلك فعلًا يخلق عشرات المواقف التي توضع فيها حياة المستخدم على المحك، ومن الناحية الأخرى يخولنا من مشاهدة قدرات قتالية وتقنيات (نين) لا تخطر على بال أحد وتستطيع رجّ الكون رجًا. وهنا بالتأكيد يجب أن نأتي على ذكر قسم (كورابيكا) على نفسه أنه سوف يستخدم قوة “وقت الامبراطور” للقضاء على العناكب بالكامل ودون رجعة.

لكن إذا نظرنا بشيء من الدقة سنجد أن الثمن الذي دفعه (كورابيكا) كبير فعلًا، فكلما يستخدم تلك القدرة مرة تلو الأخرى، كلما تنقص فترة حياته ويقترب أكثر من الموت. والمثال الآخر البارز معنا هو القسم الذي أقسمه (غون) على نفسه كي يستطيع قتل (بيتو) مرة وللأبد، وهذا ليثأر لصديقه وقدوته الراجل (كايت). القوة التي اكتسبها مهولة جدًا لدرجة جعلت (بيتو) تقول أنه قوته مشابهة لقوة الملك نفسه. لكن الثمن الذي دفعه (غون) مهول جدًا أيضًا، فقد دفع حياته تقريبًا ثمنًا لتلك القوة حيث قال “سوف أستخدمها كلها”، وفي دخيلة نفسه كان الثمن الذي قرره هو أنه لن يستعمل (النين) مُجددًا في حياته. لكنه استهلك طاقة أكبر بكثير من التي يجب أن يتركها كي يعيش بعد انتهاء القسم، فلذلك استهلك القسم أغلب طاقة حياته ليتركه هيكلًا عظيمًا يذوق من أجل علاجه (كيلوا) الأمرّين. فقد قال أحد الأطباء في ذلك المشفى: “لابد أن قسمه كان أسوأ من الموت ذاته”. فحقًا (النين) تقنية عظيمة فعلًا وتترك مجالًا كبيرة جدًا للكاتب كي يخلق المزيد والمزيد من التقنيات الغريبة والعجيبة التي دائمًا ما تبهرنا. فهذا ما يبرع فيه (توغاشي) على كل حال، أليس كذلك؟

7- الرسم الممتاز والموسيقى الرائعة

أنمي Hunter X Hunter - شخص يطير بالهواء وخلفه تمثال بوذي عظيم
المصدر: otakuss-soul.blogspot.com

عندما نتحدث عن الرسم في أنمي Hunter X Hunter سنتحدث عن إصدارين. الإصدار الأول هو نسخة عام (1999) والتي تمتاز بالواقعية في الرسم بشكلٍ عام، لماذا؟ ببساطة لأن أسلوب رسم حقبة ما قبل الألفية الثانية مشهور بكونه تجسيديًّا أو واقعيًّا بشكلٍ مُفرط بعض الشيء. أما الرسم ما بعد الألفية الثانية فيمتاز بتنعيم الأسطح واستخدام أساليب رسم وتحريك جديدة ومختلفة ساعدت بشدة على ظهور أعمال أنمي ذات رسم متطور جدًا مبني على التكنولوجيا الحديثة المتطورة بدورها أيضًا. فمع ظهور برامج حاسوبية قادرة على معالجة عشرات الآلاف من الإطارات في الثانية الواحدة، تمكن الرسامون والمُحركون من عمل حلقات أنمي قد تصل إلى 300 ألف إطار في حوالي 15 دقيقة فقط (مدة عرض الحلقة الفعلية).

ففي نسخة الأنمي التي تم إنتاجها عام (2011) والتي تُعتبر إعادة إنتاج تكميلية وكبيرة للأنمي القديم، الرسم يمتاز بدرجة عالية من الدقة والرصانة والوضوح. ولما لا والقائم عليه هو استوديو Mad House العريق والذي قام بإنتاج أعمال أنمي شهيرة لا تُحصى مثل Death Note، Death parade، و Monster. فعلى وجه العموم، لا يختار هذا الاستوديو أعمال الأنمي المُتدنية كيلا يُسيء إلى سمعته المرموقة في الوسط الفني الخاص بصناعة الأنمي. في هذه النسخة أبدع الاستوديو حقًا في تجسيد تعابير الوجه ولغات الجسد والتفاصيل الصغيرة للحركة، والأداء الصوتي الخاص بالمؤديين الصوتيين فيه على درجة كبيرة جدًا من الاحترافية والاندماج في الشخصية حتى تكاد تُجزم أن الشخصية والمؤدي أصبحا كيانًا واحدًا وبمجرد أن ينتهي المؤدي من تسجيل الحلقة سوف يعتقد أنه (كيلوا) أو (غون) لبعض الوقت قبل أن يتدارك حقيقة كونه شخصًا آخر. والجدير بالذكر كمعلومة جانبية، (كيلوا) و(غون) الأداء الصوتي الخاص بهما في الأنمي كان من قبل إناث، وليس ذكور.

وعندما نتحدث عن الموسيقى يجب بالتأكيد ألّا نجعل حديثنا مقتصرًا على الموسيقى التصويرية فحسب يا رفاق. فهذا الأنمي لم يستحق تلك المكانة من فراغ أليس كذلك؟ كل شيء فيه مصنوع ببراعة فائقة ودقة متناهية. فعندما تبدأ الحلقة تستمع إلى أغنية البداية الجميلة جدًا والحماسية إلى أقصى حد والتي تجعلك تعشق الأنمي حتى قبل أن تشاهده. وبعدها تنتقل إلى الموسيقى التصويرية الخاصة بالحلقة، وإذا كانت الحلقة حزينة، سوف تستمع إلى مقطوعات تقطع نياط القلوب وتجعلك حزينًا ومكلوم القلب وتريد أن تنتزع شيئًا أسودًا متكورًا بداخل صدرك لكن لا تقدر. ومن الناحية الأخرى يمكن أن تستمع إلى مقطوعات مرحة جدًا تُدخل البهجة والسرور إلى قلبك لتُشعرك أن الحياة حقًا تستحق أن تُعاش. وبين هذا وذاك تستمع إلى مؤثرات صوتية صغيرة ومقطوعات موسيقية بسيطة تدعم المشاهد القصيرة، والتي تكون مناسبة لها جدًا أيضًا. وبعد كل هذا تنتقل إلى شارة النهاية كي تعيش تجربة مميزة لا تقل روعة عن تجربة سماع ومشاهدة شارة البداية.

8- وجود مساحة جيدة من الكوميدية والترويح عن النفس

أنمي Hunter X Hunter - شخص يطبق فطيرة تفاح بالكريمة على وجه شخص آخر وهو يبتسم
المصدر: Lost in Anime

بالرغم من كون أنمي Hunter X Hunter أنمي يعتمد على القتالات وإبراز الحالات الشعورية والنفسية المختلفة قبل وأثناء وبعد القتال خلال مسار الأحداث، إلا أنه أيضًا تتخلله العديد من المواقف الكوميدية والمريحة للذهن والمنقية للروح من شوائب وهموم الحياة التي تطالنا من كل جانب وتهرع نحونا من كل حدب وصوب. في البداية يشرع (توغاشي) في عمل أرك اختبارات الصيادين من أجل إرساء قواعد عمله الفني، وجذب الجمهور عبر التقديم القصة في قالب تنافسي حماسي ظريف بينما يقوم بنثر شخصياته على الساحة بالتدريج حتى تأخذ كل شخصية موضعها وتبدأ في فرض نفسها على الآخرين لتحظى بمكان تحت الشمس.

بعدها وبالتدريج نجد أن الأنمي ينتقل من مرحلة اللهو وأن اختبار الصيادين كان للمرح، إلى أن الأبطال نجحوا في اختبار الصيادين ماعدا (كيلوا)، وأنه يجب عليهم أن يذهبوا إلى منزله البعيد جدًا لاسترجاعه من بين براثن عائلته المريعة. ومع مرور الأحداث نجد أنفسنا أمام أرك نمل الكيميرا فجأة والعالم يزداد قتامة من حولنا الشخصيات تبدأ في دخول منعطفات نفسية حادة وشخصياتها تتبدل وتشرع في النحيب والتشنج والوقوع في هاوية اليأس والاكتئاب. لكن بين هذا وذاك يُبرهن لنا (توغاشي) أن الجانب المرح الذي بداخله لم يتركه أبدًا، وإنما يأتي من حين لآخر كي يُثبت أن أعمال (التشونين) يتم عملها من أجل إسعاد الجمهور في المقام الأول، ثم إعطاء دروس حياتية منها في المقام الثاني.

لذلك بين كل تلك الأركات السوداوية والتي تجعلك تتمنى أنك لم تولد في عالمٍ يتم إسقاط كل سيء وبغيض فيه بهذه الصورة الصارخة التي أمامك، نجد أن هناك أركات ومواقف كوميدية مضحكة بشدة وباعثة على الأمل والرغبة في الحياة أكثر من أي شيء آخر على الإطلاق. ولماذا نذهب بعيدًا ولدينا بعض الأمثلة بالفعل؟ فأحد أفضل أركات القصة على الصعيد الكوميدي هو أرك جزيرة الطمع – Greed Island، فبالرغم من أن جزيرة الطمع في حد ذاتها مبنية على فكرة جمع البطاقات، فبالتالي قتل اللاعبين لبعضهم البعض من أجل الفوز بها، إلا أنها حققت فرصة تطول مهولة لـ(كيلوا) و(غون)، ووطدت من علاقتهما ببعضهما البعض، وبالآخرين مثل (بيسكي).

ففي هذا الأرك نجد أن للكوميديا نصيب الأسد فيه. فالأحداث فيه لا تبدأ بالاحتدام إلا عندما يكشف (غينثيرو) نفسه على أنه المُفجر وتظهر القنابل موضوعة على أجساد كل الذين بالغرفة. لكن قبل ذلك الأحداث يسودها جو من المرح والصخب والهدوء الفني بشكلٍ عام. فقبل أن يجعل (توغاشي) الأحداث مشدودة في نهاية الأرك، قرر أن يجعل الفترة التي تسبقه مباشرة ظريفة بهذا الشكل. فكانت الفترة كلها عبارة عن تدريب مع (بيسكي) من أجل إتقان (النين) بشكلٍ أكبر. ولا تنسوا كذلك أرك مزاد مدينة (يوركشين). فبالرغم من أن الأرك به الكثير من السوداوية إثر تدخل عصابة العناكب وظهور (كورابيكا) كحارس لأحد عصابات المافيا الكبيرة، إلا أن الأرك به كوميديا وترويح عن النفس كبير جدًا، وذلك تأتي بمشاهد وقوف الثنائي البطل في الشارع من أجل جمع المال تارة، وتجولهما بين أروقة شوارع المدينة المكتظة بالبشر الذين يبيعون كافة شيء وأي شيء حصرًا. الأمثلة كثيرة جدًا فلذلك اكتفيت بذكر ما سبق فقط.

9- سوف تبكي بالتأكيد أثناء مشاهدة هذا الأنمي

أنمي Hunter X Hunter - فتى صغير يبكي بشدة
المصدر: waltolenmonibe.cf

في هذا الأنمي أنت سوف تبكي دون شك يا عزيزي. فهنا أنت ستبكي على كل شيء وأي شيء، فراق الصديق تارة، وفراق الحبيب تارة، ضياع الأمل مرة، والوقوع اليأس أخرى. وبين هذا وذاك ستبكي حتى النحيب على آلاف وآلاف الأشياء الأخرى الصغيرة والتي لا يمكن أن تتوقع أن تبكي عليها في يوم من الأيام. والشيء الذي يساعد على ترسيخ حالة البكاء تلك هو المزيج الأفضل الذي تحدثنا عنه في بداية المقال. فهنا عندما يجلب لك الكاتب مشهدًا حزينًا، يحاول الاستوديو بكل ما أوتي من قوية أن يجعلك تعيش تلك الحالة النفسية على الشاشة. فيبرع الاستوديو بشدة في رسم وتجسيد تعبيرات الوجه والعيون المُدماة كمدًا والدموع التي تسيل دون توقف والأنوف التر تحمرّ والحناجر التي تتحشرج والصدور التي تعلو وتهبط دون هوادة والأيادي المضمومة إلى الجسد والأعصاب المشدودة إلى أقصى حد، بجانب وجود كل هذا ممزوجًا بمقطوعات موسيقية تدخل القلب حتى تلعب على أوتارة بدقة وبراعة، هذا كله فعلًا يجعلك تعيش حالة شعورية حزينة لا يمكن أن تعيشها بنفس الدرجة والقوة في أي أنمي آخر إلا أعمال الأنمي التي توجد على قدم المساواة مع أنمي Hunter X Hunter.

والبكاء هنا له صور أيضًا ولا يعتمد على البؤس والشقاء فقط، فيمكن أن تكون الدموع دموع فرحة أيضًا أليس كذلك؟ هنا سوف تبكي من الفرح بقدر البكاء من الحزن بالضبط، بل يمكن أكثر قليلًا. وهنا ليس بالشرط أن تبكي من الفرح على حدث مفرح فعلًا بمقاييس البشر العاديين. فهنا تأتي نقطة تميز هذا الأنمي: الأطفال. بطبيعة الحال، أي شيء يفعله الطفل بشكلٍ عفوي وبريء يدفعنا إلى عمل تعبيرات وجهية غريبة جدًا وإصدار أصوات تنم على الفرحة العارمة بتلك الشخصية الطفولية البريئة التي تدخل البهجة إلى قلوبنا مشهدًا خلف الآخر دون توقف. فيمكن من أبسط المواقف التي تقوم بها تلك الشخصيات أن تجعلك تبكي كطفل رضيع، وهذا يرجع إلى أن أغلبنا عانى في تلك الحياة من الوحدة والبغض والكراهية والتفرقة العنصرية وعدم التفهم والحنق والازدراء والإهمال والنبذ المطلق والتام.

فعندما تقوم شخصية أنمي بمعكوس تلك الأشياء في تلك السن المبكرة، ذلك يرجع الماضي ويجعل الإنسان يُسقط نفسه الماضية على تلك الشخصية ويسعد لسعادتها، تلك السعادة التي كان يريد هو فعلًا أن يشعر بها قديمًا. وهذا شيء حقيقي فعلًا، وهذا شيء لمسني أنا شخصيًّا. فأنا (ككاتب هذا المقال – أحمد سامي)، نشأت دون أصدقاء على الإطلاق وعانيت من الوحدة سنينًا خلف سنين دون متنفس يظهر من قريب أو بعيد. وفي هذا الأنمي عندما ذهب (كيلوا) إلى والده (سيلفا) ليقول له أنه سيذهب في رحلة طويلة الأمد مع صديقه الوحيد (غون)، نظر إليه والده كثيرًا قبل أن يوافق ويعض إصبعه ويشرع في عمل ختم من الدم مع ولده قائلًا: “احرص ألّا تخونه أبدًا”. تلك اللحظة كانت بالنسبة لي القشة التي قسمت ظهر البعير، وبعدها شرعت في البكاء والنحيب دون توقف لأكثر من 15 دقيقة كاملة، وهذا لأنني فعلًا أردت صديقًا مثل هذا. وهذا دليل قاطع على أن هذا الأنمي أثر في بدرجة مهولة جدًا.

10- الإسقاطات المميزة

أنمي Hunter X Hunter - شخص على وجهه يوجد صليب وينظر إلى الأمام نظرة مريبة
المصدر: Hxh wiki – Fandom

في هذا الأنمي دائمًا ما يعمد المانجا إلى اقتباس أشياء كثيرة من الواقع ليُسقطها على الأنمي الخاص به.ففي بعض الأحيان نجد أنه أخد الكثير من الشخصيات الواقعية في الحياة ليخلق منها شخصيات أخرى مثيرة للاهتمام في الأنمي. فهنا (توغاشي) يتميز بأنه لا ينسخ الشخصيات الواقعية بالضبط، بل فقط يقتبس السمات العامة والاسم، ثم يشرع في تحويرهما بشكلٍ يخدم الشخصية الجديدة ذات السمات والاسم الجديد كلية عن الأصل الذي أخد منه الإلهام. وهذا في تلك الحالة يُعتبر إسقاطًا على مقياس محدود. فأنت هنا تقتبس شخصية لتخلق أخرى. لكن ماذا إلى قلت أنه يمكن أن تقبس حالة مجتمعية عامة من أجل خلق حالة أخرى مماثلة لكن بمعايير العالم الخاص بعملك الفني؟ هنا نتحدث يا عزيزي.

اقرأ أيضًا: 32 حقيقة عن أنمي Hunter X Hunter على الأغلب لا تعرفها!

هنا استطاع (توغاشي) وببراعة أن يُسقط الأحوال السياسية المزرية للمجتمع البشري على عمله الفني، حيث استطاع تجسيد السلالات الحاكمة للامبراطوريات والبلدان جيلًا خلف جيل دون أن تكون أهلًا لتلك المناصب والمكانة من الأساس. ففي الأنمي قام (توغشي) بحل المشكلة من جذورها عبر التخلص من تلك الرؤوس الفاسدة ليصير هو الحاكم الأعظم لهذا العالم، وهذه هي الرسالة والمهمة السامية التي وُلد من أجلها في هذه الحياة.

ومن الإسقاطات المُميزة الأخرى هي الإسقاطات الرمزية. حيث يقتبس الكاتب بعض الرموز الواقعية من عالمنا المعيش ويقرنها في الأنمي بطريقة ملتوية حتى لا تظهر إلا للعين الفاحصة والتي لديها خبرة وباع كبيرين في مجال الميثولوجيا الإغريقية والدينية بشكلٍ عام. فيُقال أن (توغاشي) يُمثل (كرولو لوسفير) و(هيسوكا مورو) على أنهما المسيح ويهوذا. كما أن أعضاء منظمة العناكب عددهم 13، وعدد الذين كانوا حاضرين في العشاء الأخير كانوا 13 أيضًا. كما أن شخصية (كرولو) في حد ذاتها شخصية مليئة بالرموز الدينية العجيبة، كما ذكرنا سالفًا.

أيضًا توجد بعض الرمزية الظريفة والمُميزة في شارة البداية الخاصة بالأنمي. وهي أنه في بداية الشارة يظهر (غون) و(ليوريو) أولًا، ثم يظهر (كورابيكا) و(كيلوا) ثانيًا. وهذا ببساطة لأن أول اثنين في الواقع طريقة تفكيرهما مندفعة وأصحاب دماء حامية على الدوام ولا يفكران قبل أن يفعلا أي شيء وعفويان بقدرٍ كبير، فبالتالي من المناسب جدًا أن يظهرا بجانب بعضهما البعض أولًا. ثم من الناحية الأخرى نجد ان ثاني اثنين في الواقع ملائمان لبعضهما البعض أيضًا من حيث السمات العقلية العامة، فكليهما يتميز بالرصانة والرزانة والهدوء، كما أن كل منهما يستطيع التصرف في المواقف الحرجة والخروج منها بأقل الأضرار وأكثر الفوائد. فببساطة المُقدمة يوجد في صنعها لمسة فنية جيدة جدًا من قبل استوديو Mad House، فبالتالي يجب أن أرفع له القبعة بهذا الصدد.

كلمة أخيرة

أنمي Hunter X Hunter ترك بصمة كبيرة جدًا في قلوبنا وعقولنا منذ الحلقة الأولى وحتى آخر حلقة، تلك الحلقة التي تركنا بعدها ننتظر سنين طويلة حتى الآن دون أن يرأف بحالنا ويُبث من جديد ليثلج صدورنا ويدفعنا نحو الحنين. لذلك بلا شك كان يستحق أن نسرد عليه مقال اليوم ويستأهل أن تُكتب في حقه مجلدات ومجلدات لا تنتهي ولا تُعد. لكن عدونا من كل ذلك والآن بعد أن وصلنا إلى نهاية مقالنا الدسم جدًا جدًا جدًا، دعوني أسألكم سؤالًا: هل يستحق أنمي Hunter X Hunter تلك المكانة التي هو فيها الآن ضمن أفضل أعمال الأنمي في تاريخ صناعة الأنمي حصرًا؟ وإذا كانت الإجابة نعم، لماذا ترون أن ذلك صحيح؟ وإذا كانت الإجابة لا، ما الذي لم يعجبكم في الأنمي بشكلٍ قاتل جعلكم تُزيحوه من تلك المكانة العُليا؟ سأكون سعيدًا جدًا إذا قرأت ردودكم بالتعليقات ولنتناقش نقاشًا نقديًّا جيدًا يا أعزائي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق