منوعات

فيلم Persona: الذات الإنسانية المُعذبة

درة أعمال المُخرج العبقري (إنغمار برغمان)، أنه شيء مثير للدهشة حقاً

يمتلك الفن قدرة كبيرة، أكثر مما نتخيل أن تكون. الفن هو القدرة على التعبير عن مكمن الأرواح وجوهر النفس المستغرقة في إنتاج الأعمال الفنية المُبهمة التي تستجدي العقول لسبر أغوارها. الفن هو القدرة على عكس المعاني الإنسانية وترجمة النوبات الشعورية والصراعات المُهلكة. الفن هو ترجمة الإحساس إلى شيء بصري ملموس. الفن هو أثارة المشاعر الخامدة، وإشعال المواقد المجمدة. الفن هو استنطاق الذات من كهوفها السوداء. الفن هو أكثر الأفكار مراوغتاً للعقول.

نحن بصدد مناقشة فيلم من أفضل الأفلام في التاريخ، لذلك وجب كتابة هذه المقدمة التي توضح معنى الفن في حياة الإنسان الروتينية، ولربما يُضَع الفن في فئة الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها ورغم ذلك تجد النفوس تستجدي قطرة إبداعية ولمحة فنية من محيط الجمال والابتكار.

مصدر الصورة موقع :Imdb.com
مصدر الصورة موقع :Imdb.com

يصنف فيلم Persona كأفضل فيلم للمخرج السويدي الكبير (إنجمار بيرجمان) الذي يعتبر أفضل المُخرجين السويديين على الإطلاق، ويصنف كواحد من أكثر المُخرجين ذو النظرة الفلسفية السريالية والعمق النفسي في التاريخ. هذا المُخرج والكاتب هو فنان متوهج مُتمكن من أدواته، صانع لإناء فني بديع أخاذ، بسيط خالي من الزخم والتعددية والزحام الفارغ من المعنى. معه ستخوض حالة من الاشتمال المُبهم ستشعر أن بينك وبين الحقيقة غشاء رقيق تثم من جماله وبساطة نسيجه. فيلم Persona صُنف من أضل الأفلام النفسية على الإطلاق، وقد حصل على مُعدل نقدي 8.1 / 10 من زائري موقع Imdb، مما وضعه في قائمة أفضل مئتان وخمسون فيلماً في تاريخ الموقع، حيث حل في المرتبة مئة وتسعة وتسعون في القائمة السابق ذكرها. تم إنتاج الفيلم عام 1966 وكان بالطبع باللونين الأبيض والأسود.

صورة للممثلة (ليف أولمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com
صورة للممثلة (ليف أولمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com

القصة

تدور القصة حول السيدة (إليزابيت فوجلار) الممثلة المشهورة التي تعاني من نوبات من الصمت المُطبق، وانقطاع التواصل مع العالم الخارجي، ترتب على ذلك نقلها للمشفى حيث كُلفت الممرضة الشابة (آلما) بالاعتناء بها وإخراجها من هذه الحالة الغريبة، التي لا تفسرها التقارير والإشاعات الطبية. تخوض (آلما) في علاج (إليزابيت) المتحجرة، ولكنها تتعثر لكي تكتشف سبب علتها، فتنصحهم الطبيبة أن يذهبوا في منزلها الصيفي على البحر، حيث ينعمان بالراحة النفسية والصمت.

يوافقا على الاقتراح ويذهبان في عطلة منعزلة عن العالم في المنزل المُطل على البحر، وعندها تبدأ الأمور في التعقد أكثر ولكن هذه المرة من ناحية الممرضة (آلما)، حيث تتبدل الأدوار وتنقلب القواعد حين تتحول الممثلة (إليزابيت فوجلار) إلى إناء كبير يحتوي الممرضة المسكينة ومشكلتها. تنفع أفكار الممرضة إلى ذروتها وتطفح بأمواج كلامية وأحاديث غابرة عن مشكلاتها وعُقّدها الاجتماعية ومُعضلاتها العاطفية، على حين تستمع الأخرى بكل اهتمام.

صورة خلف الكواليس للممثلة (ليف أولمان) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com
صورة خلف الكواليس من فيلم Persona، للممثلة (ليف أولمان) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com

تتطور المشاكل بينهما، بين حبٍ وكرهٍ واستكراه على العيش، وتنطفأ شعلة حماس الممرضة بعد أن تتكشف لها بعض الأمور الغامضة والاشكاليات المُبهمة ويرتفع نسق المعارك الداخلية بينهما، وتنقشع سحابة الظلام التي تغشي العقول عن الفهم، فتعرف الممرضة أمور عن الأخرى تواجهها بها كالسيف، وتبرز ملامح وجهها الصلب العنيد القاسي، وقلبها المُتحجر الممتلئ بالخيلاء، وحب الذات وكره الأخرين.

صورة خلف الكواليس من فيلم Persona، تظهر الصورة الممثلتين (ليف أولمان)، (بيبي اندرسون) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com
صورة خلف الكواليس من فيلم Persona، تظهر الصورة الممثلتين (ليف أولمان)، (بيبي اندرسون) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com

الإخراج

لم يكن الإخراج بالتعقيد المبالغ فيه، بل كان بسيط جداً، إذا نظرت للخلفية ستجد سرير أو منضدة تتواجد عليها عدة أكواب وكأوس، أو ستجد شباك أو شرفة مفتوحة ترفرف على جوابها ستارة ذات نسيج رقيق. وقد تم استخدام تقنيات تصوير بسيطة ولكنها مهمة، استخدم المُخرج الرائع (إنجمار بيرجمان) تقنية التصوير Long Shot في مشاهد التصوير العامة والمُستهلكة لكاردات كبيرة أو إطارات تأخذ حيز كبير، والشيء الآخر الذي استخدمه المُخرج (إنجمار بيرجمان) هي الكادرات القريبة للوجوهClose Up والتي استخدمها في نسق التعرف على وجوه الشخصية التي كانت بمثابة النافذة على المعارك الروحية الداخلية التي تخوضها النفوس البشرية ولكنه مخفية عن عيون العامة والناظرين، وأيضا استخدمت تقنية ال Close Up لتكثيف اللحظات الدرامية ورفعها للذروة وخلق عنصر التشويق والأثارة التي يفتقدها الفيلم بسبب قلة العناصر والموجودات في الفيلم التي تستطيع التفاعل مع الشخصيات.

مصدر الصورة موقع :Imdb.com
مصدر الصورة موقع :Imdb.com

الرمزية والبعد الفلسفي

لجأ المُخرج (إنجمار بيرجمان) البساطة المُعقدة في هذه التحفة الفنية ــ السهل الممتنع ــ لكي يعرض لنا عدة نقاط غامضة في النفس البشرية وكيفية التعايش مع ذواتنا الكارهة للعيش، حينما نحاول تحلي هذا الفيلم الذي يحمل المعضلة الأخلاقية في طياته سنجد أن المُخرج العظيم لجأ إلى الرمزية لكي يصل في نهاية الفيلم إلى نتائج ليست بنتائج حقيقية ولكنها أسئلة غامضة مُبهمة.

يمكن أن نضع تحليلاً أن الممثلة (إليزابيت فوجلار) هي الجانب المُتيبس من النفس، الأنا الأعلى، الخيلاء المتفاخرة المتكبرة إلى أقصى حد. تجسد الممثلة في هذا التحليل الأنانية وكل الأحاسيس الدنيئة الدنيوية المادية في النفس. الجزء الذي يهتم بذاته فقط، بجماله فقط، يريد كل شيء بدون أن يعطي شيئاً بالمقابل، تريد أن تكون أم فقط لكي تصل لرغبة معينة، أحساس اجتماعي ونفسي معين، ولكن لا تريد أن تتحمل المسئولية، تخاف من الوزن القابع على ظهرها، تريد أن تعيش لنفسها فقط.

أما (آلما) الممرضة فيمكن أن ترمز للرغبة في الحياة والمشاعر الإنسانية الطيبة والحنونة نحو الجميع، تريد ان تسعد بالحياة، تريد ان تعطف على الناس، تريد أن تفتح قلبها لكي تستمتع بكل قطرة من غسق الحياة، وهذا يشوبه نوع من الانانية أيضاً.

مصدر الصورة موقع :Imdb.com
مصدر الصورة موقع :Imdb.com

هناك تحليل آخر، وهو زيف الأقنعة التي يرتديها المجتمع لكي نُسعد من حولنا، لكي نظهر بمظهر اجتماعي مميز حتى يرضى الجميع عن كينونتنا، ربما تمثل الممثلة (إليزابيت فوجلار) الشخص المتجرد من كل شيء الذي رفض ارتداء أقنعة مزيفة لإرضاء الجميع، فعمل على الانعزال عن العالم حتى لا يشوبه من السوء ما ينقص من إنسانيته، أما (آلما) ستكون هذا النوع الذي يحب أن يفعل كل شيء، يرضي الجميع، يضرب مكامن المتعة ومستودعات الجمال في الحياة. ولكن تظل الأمور مبهمة في آخر الامر، لآن الفيلم لا يوصل المشاهد إلى شيء معين أو إجابة شافية لتساؤلاته وهذا هو ما يميز الرمزية عن نوع الأفلام الأخرى.

التحليل الأخير أن الشخصين وجهان لعملة واحدة، الممثلة والممرضة هما نفس الشخص ولكن بسيكولوجية إنسانية مختلفة، فستجد الإنسان في مواجهة نفسه، يؤذي نفسه، ويبتعد عن ذاته، ويقترب من روحه. لكي ينطق الفيلم بنوع من الانفصام الذي يعاني منه كل شخص منا، يلهث وراء متعة محدودة وفي ذات الوقت يضرب روحه بالانعزال عن العالم الذي يستمتع به.

مصدر الصورة موقع :Imdb.com
مصدر الصورة موقع :Imdb.com

التمثيل

الأداء التمثيلي كان جيد جداً، التعبير الفني بالوجوه عن الحالة الانفعالية للممثل كانت مميزة، بالإضافة إلى الكادرات المُقربة Close Up لكي يصبح الوجه ببساطة هو النافذة على الروح وصراعات النفس. الممثلة (ليف أولمان) كانت مميزة، صحيح إنها لم تتكلم إلا عدد كلمات محدودة جداً في الفيلم وفقاً لطبيعة دورها الصامت، ولكن استطلعت ولو بوجهها فقط أن تكون جيد ولكن في رأي كان في الإمكان أكثر مما كان.

الممثلة الأخرى (بيبي اندرسون) هي الأكثر تميزاً وسطوعاً في الفيلم، ربما بسبب دورها المتحدث بطول الفيلم وعرضه ولكنها استطاعت أن تؤدي المشاهد الانفعالية بحرفية وتميز.

الموسيقى التصويرية

لم تكن الأفضل، ولكنها كانت صادمة مُحفزة للنفس، تضرب على وتر الروح والنسيج الداخلي للتفاعلات الخفية، وقد أدت غرضها بخفة ومهارة ولكنه ليست الشيء الذي تتوقف عنده.

الممثلتين (ليف أولمان)، (بيبي اندرسون) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com
الممثلتين (ليف أولمان)، (بيبي اندرسون) مع المُخرج (إنجمار بيرجمان)، مصدر الصورة موقع :Imdb.com

من هو المُخرج (إنغمار برغمان)؟

(إنغمار برغمان) هو مخرج سينمائي سويدي أخرج نحو 50 فيلما روائيا طويلا للسينما، بالإضافة إلى أنه كتب روايتين هما “أفضل النوايا” و”أطفال الاحد”. تميزت أفلامه بالعبقرية الفلسفية والعمق في الذات النفسية المُعذبة، البعض أطلق عليه اسم رسام المُعاناة بسبب عالمه البائس والعمق الفلسفي الغارق في بحره الفائض. ويعتبر أول من أدخل الأفكار الفلسفية المُجردة داخل أطار الفنون البصرية المادية.

دائماً ما كان (إنغمار برغمان) يضرب لنا مثل للمُخرج الواعي بشدة لدرجة تجعل الجميع يندهش من تفاصيل أفلامه وهامش كتاباته التي تحوي الكثير من جوهر الذات، والمصائر الإنسانية والحتمية العبثية وغيرها، فستجد هذا المُخرج العظيم (إنغمار برغمان) من النوع الذي لا يتسطح ويستولى على الوجه الأعلى من كل شيء بل ينزلق إلى أسفل سافلين الفن ويغرق في محيط السينما والأدب والإنسانية، لكي يظهر لنا نوع من الواقعية السحرية والخيال العجيب، والأبطال المُعذبين، والنفوس الدنيئة. دائماً ما يستمد (إنغمار برغمان) أفكاره من عالمه الخاص والذي يبدو عالم جامد مُستقر ولكنه يضع كل فكرة في أطار يظهرها ويميزها عن الأخرى.

في آخر الأمر هذا الفيلم هو تحفة فنية حقيقية، ويعتبر ذروة أعمال المُخرج (إنغمار برغمان)، ويُضع في فئة الأفلام النفسية ذات العمق السيكولوجي، نوع الأفلام الذي يسبر أغوار الذات الإنسانية ويتفحصها عن قرب، يفجر مستودعات الأفكار المقيدة. لذا هذا النوع من الأفلام وهذا النوع من التجارب يجب أن يخوضها كل محب للسينما وكل مشاهد حريص على الاستمتاع بأفكار غاية في العمق والغرابة.

مقالات ذات صلة

إغلاق