منوعات

فيلم Blade Runner 2049: تحفة فنية بصرية تقنية غير معهودة

مؤثرات بصرية وتصويرية خارقة

في عام 1982 خرج لنا المُخرج الكبير (ريدلي سكوت) بالتحفة الفنية التي أحدثت نقلة نوعية حقيقية في أفلام الخيال العلمي التي نعرفها الآن. وفي عام 2017 أعلن المُخرج الكبير عن مشاركته في إنتاج فيلم آخر مُتمم للفيلم الأول، تترابط أحداثهما عند نقطة معينة، وقرر أن يكون المُخرج (دينيس فيلنوف) مُخرج أفلام Sicario و Prisoners و Arrival هو المسئول عن إخراج الفيلم الثاني للنور.

انتظر جميع متابعي أفلام الخيال العلمي، وعلى وجه الخصوص محبين فيلم Blade Runner القديم بشغف لكي يشاهدوا ما سيقدمه الفيلم الجديد من حبكة وتقنية لم يشاهدوها في الجزء الأول، ورغم أن الفيلم تعرض لعدة هجمات نقدية من محبين الفيلم قبل وبعد نزوله في السينمات ولكنه حقق ما يقارب من مئتان وخمسون مليون دولار أمريكي في شباك التذاكر.

مصدر الصورة: Imdb.com
مصدر الصورة: Imdb.com

القصة

تدور القصة في عام 2049 مما يعني أنه بعد الفيلم الأول بحوال ثلاثون عاماً كاملة، حول الرجل المُسمى ب K أحد الأجيال الجديدة من الريبليكانت المصنوعة حديثاً من قِبل شركة والاس التي تسيطر على صناعة النسخ المُعدلة من الريبليكانت. يعمل k كصائد للريبليكانت القديمة Blade Runner، هذه الأجيال السابقة من الريبليكانت التي وفي وجهة نظر الصانعين لا تنصاع للأوامر وتنقلب عليهم بسهولة. وفي خضم معاركته مع أحد ريبليكانت الأجيال السابقين تتكشف له عدة أمور، تجعله ينساق خلف أحلام تهيأ له أنه ليس ريبلكانت مثل الجميع، يفعل ما يفعلون وينصاع لمديريه أشبه بآلي ينفذ ما هو مطلوب فقط ولا يعرف إلا الخضوع والركوع.

مصدر الصورة: Imdb.com
مصدر الصورة: Imdb.com

كان دائماً يرى في نفسه شيء آخر غير ذلك، كان يشعر أنه مختلف، يشعر أكثر مما يشعرون، ينتمي لروح ليس لكيان مصنوع، ينضوي تحت قائمة البشر الحقيقين ليس المصنوعين. وهذا دفعه إلى اجتراح الطريق الصعب، والخروج عن النص المألوف ليذهب للبحث عن هويته بعد أن كانت تطارده بعض الذكريات المؤلمة التي كان يظنها مزروعة من قبل الصانعين في شركة والاس، ولكن أصبح يصدقها أكثر من أي شيء آخر. انطلق k للبحث عن ذاته ولكنه كان يرجع خائب الرجا فاقد لكل أمل بسبب قلة الإشارات الإيجابية التي تومض في طريقه، قابلته العديد من المعضلات، خاض العديد من المعارك، سفك الكثير من الدماء، ولكن في النهاية هل سيعرف هويته؟، هل سيكون الفتى الموعود الذي سيرفع البلاء عن جنسه ويحفز الثورة؟ ستعرفون ذلك عندما تشاهدون الفيلم.

مصدر الصورة: Imdb.com
مصدر الصورة: Imdb.com

فلسفة الفيلم

أنا مؤمن أن كل فيلم في هذه الحياة يحمل في باطنه شيء آخر، شيء أكثر أثارة وأكثر إفادة من المحتوى ذاته. شيء خفي يخاطب النفوس والعقول أكثر مما يخاطب العين، ربما تكون رمزية سينمائية أو ربما سيريالية خيالية أو حتى أفكار واقعية مؤلمة ولكنك إن بحثت ستجد الكثير من المواضيع التي تستحق التركيز والفهم أكثر من المشاهد المنمقة والعيون الفتانة.

هذا الفيلم ورغم انتسابه لفئة الخيال العلمي ولكنه يحمل العديد من الأفكار التي وربما نواجه بعضها حتى الآن. مثلاً فكرة استعباد الريبليكانت في العمل الشاق وتنفيذ المهام في العوالم الأخرى ولكنك في نفس الوقت وضعت لهم مشاعر وعاطفة تحس بالأخرين وتشعر بالبيئة المحيطة وتتفاعل معا كجزء من الكل. لماذا تضع مشاعر في أشياء من صنع يدك، وفي آخر الأمر تستعبدها مثل كومة من الخردة بدون قلب أو مشاعر…هذا سؤال يجب أن نطرحه على كاتب القصة؟

صورة مجمعة للفنانة (آنا دي أرماس)، مصدر الصورة: Imdb.com
صورة مجمعة للفنانة (آنا دي أرماس)، مصدر الصورة: Imdb.com

فكرة العبودية ذاتها فكرة عقيمة مُجحفة، ولكنها مطروحة بشكل كبير في حياتنا، إذا نظرنا إلى الريبليكانت سنجدهم مخدوعين ومُستغلين فقط لآنهم صدقوا ذلك، صدقوا أنهم لا ينفعون إلا لهذا، لا يعرفون إلا هذا الشيء، لا يستطيعون العيش بدون أسيادهم الصانعة. لقد استعبدوا بفعل الفكرة ليس بفعل السلاح او الاضطهاد لجنسهم.

فكرة الثورة، وكيف أن شيء واحد يمكن أن يغير كل شيء حولنا. الريبليكانت فقط ينتظروا إيجاد شيء يثبت لهم أنهم أكثر إنسانية من الإنسان ذاته، ينتظرون معجزة يمكنهم تحقيقها كل يوم إذا جربوا فقط أن يتخطوا ضعفهم وخوفهم المنسوج حول هالة من الأفكار السوداء.

صورة مجمعة للفنانة (سيلفيا هويكس)، مصدر الصورة: Imdb.com
صورة مجمعة للفنانة (سيلفيا هويكس)، مصدر الصورة: Imdb.com

وهناك فكرة أخرى، وهي ألوهية الإنسان على الريبليكانت، يظن الإنسان ــ (والاس) على وجه الخصوص ــ استغرق في الألوهية حتى استنام لها، أصبح يملك يد الإله، يضرب بالقدر، يمشي في خيلاء المالك لحياة الملايين، ويود أن يصنع المزيد حتى تزداد مناطق نفوذه الإلهي.

فكرة التطور، يشير الفيلم أن الإنسان في حالة تطور دائمة، تطور يسير في طريق لا نهائي وغير معروف، والفيلم هنا يشير أن التطور القادم سيكون ما يشبه الريبليكانت، من صنع الإنسان ولكنه إنسان، والفكرة هنا تشير بقوة إلى التطور التكنولوجي السريع الذي يُجهد العالم حتى الآن.

صورة مجمعة للفنان (دايف بوتيستا)، مصدر الصورة: Imdb.com
صورة مجمعة للفنان (دايف بوتيستا)، مصدر الصورة: Imdb.com

التمثيل

المشهد الافتتاحي تقريباً كان أفضل ما في الفيلم، أداء الممثل الرائع والمصارع السابق (دايف باتيستا) كان خارج عن المألوف، وأظن أنه من أعطى للفيلم الروح التي تدفع الأحداث إلى الأمام، (دايف باتيستا) هو ممثل واعد ورائع ويختلف عن أقرانه من المصارعين الذين تحولوا إلى ممثلين لآنه ببساط يستطيع أن ينفَذ خلال كل الشخصيات، ويتدثر بكل واحدة على حدتها بشكل مختلف متألق رغم ضخامة جسده.

الممثل (رايان غوسلينغ) كان مميزاً وأضفى على الدور نوعًا من الحيوية رغم قتامة وسواد الحياة في هذه البلاد النصف مدمرة والأبوكاليبسية، (رايان غوسلينغ) ممثل من ممثلين الصف الأول وهذا معروف للجميع، فبجانب ملامحه الوسيمة وشعره الأصفر، يحتوي هذا الشخص على موهبة رائعة ومميزة تضيف على أي عمل سينمائي.

صورة للفنان (هاريسون فورد)، مصدر الصورة: Imdb.com
صورة للفنان (هاريسون فورد)، مصدر الصورة: Imdb.com

العظيم (هاريسون فورد) ظهر بشكل متواضع في الفيلم خلال عدد دقائق قليلة ولكنه أضاف على الفيلم كثيراً، فهو كان حلقة الوصل بين الفيلمين المختلفين في الكيان.

من المعروف أن (جاريد ليتو) ممثل ذا موهبة فذة فائقة للحدود ومميزة عن زملائه الممثلين، فنراه دائما يظهر بشكل مميز في الأدوار ذات الشكل المختلف التي تُكتب بعناية وتنطوي على فلسفة مميزة، فهذا الممثل يستطيع أن يجسد شخصية أي كائن متوحش أو بارد ولكن يجب أن تكون هذه الشخصية مكتوبة بعناية فقط.

صورة مجمعة للفنان (جاريد ليتو)، مصدر الصورة: Imdb.com
صورة مجمعة للفنان (جاريد ليتو)، مصدر الصورة: Imdb.com

الإخراج

الإخراج كان شيئاً عظيماً، فائق الجودة، مُذهل، رغم أنني أظن أن تقنية الصور المنشأة بالحاسوب CGI كان لها الدور الأكبر في هذا الفيلم، ولكن كادرات التصوير المرتفعة والجانبية كان لها الدور الكبير في إخراج الصور بهذه الشاكلة. وضع المُخرج (دينيس فيلنوف) الفيلم في نصابه الصحيح، كل شيء يبدو رائعاً حقاً وينتمي لعالم الخيال العلمي بجدارة.

صورة للمخرج (دينيس فيلنوف) في موقع التصوير مع الممثلين (هاريسون فورد، رايان غوسلينغ)
صورة للمخرج (دينيس فيلنوف) في موقع التصوير مع الممثلين (هاريسون فورد، رايان غوسلينغ)

التصوير والمؤثرات البصرية

لا نحتاج للكثير من الكلمات لكي نوضح مدى جمال ودقة وروعة هذا الفيلم من الناحية البصرية، الفيلم يعتبر أفضل فيلم في التاريخ من ناحية المؤثرات البصرية الدقيقة والموضوعة بعناية ومرسومة بدقة احترافية، ورغم زحام الصور في هذا الفيلم إنما دقة واحترافية المؤثرات البصرية طغت على أي شيء آخر. تقنية ال CGI تبين الفارق الكبير والثورة الصناعية والإنتاجية التي أحدثتها في عالم الفن، لقد جعلت من اللا شيء كل شيء. أظهرت هذه التقنية فاعليتها في فيلم على هذه الشاكلة يحتاج إلى الكثير من العمل داخل الأستوديوهات المغلقة، ولكن عندما تنظر للنتائج ستجد شيء ليس له مثيل يستحق الأوسكار عن جدارة رغم المنافسة القوية بينه وبين الفيلم الرائع War For The Planet Of The Apes على أفضل مؤثرات بصرية، ولكنه في النهاية فاز عن جدارة.

صورة تظهر قوة المؤثرات البصرية وتناسق وتنوع الألوان في الفيلم، المصدر موقع: Imdb.com
صورة تظهر قوة المؤثرات البصرية وتناسق وتنوع الألوان في الفيلم، المصدر موقع: Imdb.com

التصوير السينمائي كان أكثر من رائع واستحق الأوسكار عن جدارة، تميز التصوير السينمائي بتنوعه الشديد حسب حاجة المشاهد، بمعنى أنه في بعض المشاهد يستخدم المُخرج تقنية عين الإله، والبعض الآخر يستخدم تقنية الكادرات الجانبية المنبسطة، والبعض الآخر تجده يقرب عدسات الكاميرا من الوجوه لكي تظهر العيون اللامعة، الشيء الآخر الرائع في هذا الفيلم هو الإضاءة والتي تعتبر النصف الآخر المُتمم للتصوير، ورغم صعوبة اختيار النسق المناسب لبعض المشاهد القاتمة ولكن غلب اللون البرتقالي المائل للسواد وهو لون شامل لكل المشاهد تقريباً كلون مثير للغموض والبؤس في وقت واحد، اللون البرتقالي القرمزي البائس كدلالة واضحة على خراب العالم.

صورة تُظهر بعض زوايا التصوير في الفيلم، المصدر موقع: Imdb.com
صورة تُظهر بعض زوايا التصوير في الفيلم، المصدر موقع: Imdb.com

الموسيقى التصويرية

لم تكن الأفضل ولكنها أدت الغرض منها، وهو شحن الأحداث بالريبة والخوف من المجهول، ولكن في مجملها كانت مميزة، والثيمة المميزة في الموسيقى التصويرية كانت مميزة وهي the Sea Wall.

القصة والسيناريو

القصة لم تكن الأفضل، وفي بعض الأوقات أحسست أن هذه القصة لا تستطيع تحمل كل هذا الجمال، الحبكة لم تكن رائعة وتخللها بعض الفجوات، ولكن استطاع المخرج تدارك هذه النقطة بإقحام بعض الصور الجمالية والألوان الرائعة التي ربما تشتت المشاهد عن الفيلم ذاته. القصة كان يمكن أن تكون أفضل من ذلك، لآنها مليئة بالنقاط المبهمة والغير مفهومة. وربما لآن الفيلم مدته تقارب الثلاث ساعات ظهرت فجوات الحبكة. السيناريو كان على مستوى جيد ولكن ليس ممتاز، ربما أضعف شيء في الفيلم هو الكتابة.

صورة تُظهر بعض زوايا التصوير في الفيلم والمؤثرات البصرية، المصدر موقع: Imdb.com
صورة تُظهر بعض زوايا التصوير في الفيلم والمؤثرات البصرية، المصدر موقع: Imdb.com

مقارنة سريعة بين الفيلمين

هذان الفيلمان يمكن أن نطلق عليهما نقطة بداية جديدة لعالم أفلام الخيال العلمي. الفيلم الأول بعام 1982 كان نقطة تحول رائعة في صناعة السينما ونقل السينما نحو نوعية أخرى من الأفلام. يمكننا قول أن كتابة الفيلم القديم والموسيقى التصويرية تفوقوا على هذا الفيلم، ولكن هذا شيء نسبي يختلف من رأي شخص إلى آخر.

صورة تظهر التصوير بتقنية عين الإله، المصدر: Imdb.com
صورة تظهر التصوير بتقنية عين الإله، المصدر: Imdb.com

فيلم التتمة أظن أنه سيكون نقل نوعية أخرى في عالم السينما، لا يوجد حتى الآن فيلم بهذه الجودة وهذه الدقة وهذه الألوان والتصوير الرائع. المؤثرات البصرية إذا قارنتها بالفيلم القديم ستشعر أن الفيلم القديمة تم تصويره في كومة من الخردة الصدئة والمهترئة، وإذا قارنت التصوير بين هذا وذام ستشعر بفارق كبير وتطور في سينما اليوم.

أما بالنسبة للأداء التمثيلي فأظن أن الاثنين تم تأديتهما على أجمل وجه، واستطاع الممثلين من كلا الجانبين أن يرتدو عباءة التميز، رغم أن الفيلم الأخير كان أكثر صعوبة إلى حداً ما لآن تقنية ال CGI تجعلك تُمثل في غرفة خضراء خالية من الروح.

في آخر الأمر، الفيلم كان مميزاً وسيحبه محبيه الخيال العلمي بشدة، رغم تعارضه مع الفيلم القديم في بعض النقاط. وقد مدح النقاد المحترفين في جرائد مشهورة هذا الفيلم، ووضعوه في مصاف أفلام الخيال العلمي، لذلك فهو تجربة مرئية مميزة يجب على كل محبي فئة الخيال العلمي أن يخوضوها.

مقالات ذات صلة

إغلاق