منوعات

فيلم The Killing Of A Sacred Deer: تراجيديا أسطورية، رمزية أخلاقية وواقع أليم

المتعة الصامتة، الخوف المُروع، كآبة الانتظار، تقزز التفكير وتراجيديا الأساطير

وُلِدَ الجنس البشري بغريزة النجاة، يمكنك أن تُلقي به في المحيط لينجو، ترمي به في الجحيم فيحاول بجُهدٍ إلى أن يخرق القاعدة والواقع ويقوم بالمعجزة الإلهية، تطلق عليه الرصاص على حين يمضي هو إلى الأمام دون أن يصاب بضربات الحياة العشوائية. تعرف دائمًا أنه سيجد شيئاً ما، شيئاً يدفعه للأمام، فقط لآن الأمر عائد له هو، يستطيع تدبر أموره هو وحده، يُنقذ حياته هو دون أحد آخر.

إعلان

ولكن ماذا إذا لم يتعلق الموت بك أنت، لم يضرم النار في جسدك، لم يُلقي بك انت في الجحيم، ولم يرمي بك أنت في اهتياج المحيط؟ ماذا لو تعلق الأمر بجزءٍ منك أنت، جزءٍ خارجي يروح ويجيء قبالة عينيك، يكبر وتنمو أترابه حيال ناظريك؟ ماذا لو أراد الموت أن يعذب كينونتك ويحرق قلبك المُحتقن بالألم والسواد؟…ماذا لو اقترفت خطأ مُجحف في وقتٍ ما؟ خطأ سيطارد حياتك الدافئة ويعكرها بكوابيس متشظية متجسدة في كيان إلهي غاضب، ناقم على البشر. عدالة متمثلة في سوداوية الفعل المتجسد على شيءٍ لا تملك يداك منه إلا الدعاء. ماذا لو تمثل الغضب الإلهي والعدالة الناجزة في قتل أحد الأشخاص قرباً إليك؟ ماذا لو تمثل في قتل أحد أولادك أو زوجتك؟

Imdb.com
Imdb.com

ميثولوجيا الكاتب والمُخرج

قصة الفيلم مُقتبسة من ميثولوجيا يونانية معروقة تسمى قصة (أفجينيا) وقد عالجها الكاتب المسرحي (يوربيديس) عام 405 ق.م إلى أن عالجها المُخرج اليوناني (يورجس لانثيموس) معالجة سينمائية طولية في عمل فني على مدى 121 دقيقة.

الميثولوجيا تحكي عن قصة الملك وقائد الجيش اليوناني الشهير (أجاممنون) وابنته (أفجينيا). حين أعد الملك (أجاممنون) العتاد لكي يبحر نحو مدينة Troy، وفي خضم حرب طروادة الشهيرة بين اليونانيين والطرواديين ــ هم أمة من الأغريق أيضاً ــ ارتكب (أجاممنون) خطأ سيندم عليه طوال حياته، لقد قتل وبالخطأ ــ ليس عن عمد ــ أحد الغزلان المُقدسة التابعة للإله (آرتميس) إلهة الصيد والبرية والعذرية والإنجاب، وحامية الأطفال وهي أحد أقوى الإلهة وأقدمهم على الإطلاق. اعتزمت (آرتميس) على معاقبته، وأمرت بهبوب الرياح على الناحية العكسية لكي لا يستطيعوا الإبحار، ومضت الرياح بما لا تشتهي السفن، ثم الزمت (أجاممنون) بقتل ابنته الكبيرة الجميلة (أفجينيا) لكي يستطيع السفر إلا الحرب، وكانت هذه نهاية الجميلة (أفجينيا) التي دفعت ثمن خطأ أباها المتهور وتصرفاته الهوجاء.

Imdb.com
Imdb.com

*المقال يحتوي على حرق لبعض الأحداث ولكن لا يوجد حرق لنهاية الفيلم*

القصة

يبدأ الفيلم بمشهد رمزي ينم عن وظيفة البطل وعن الخطيئة الراجفة الذي ارتكبها، في غرفة العمليات حيث تجري عملية جراحية لقلب مريض ينبض بالحياة ينتظر شخصاً ما حتى يلتقفه ويعيده كما كان. ثم ينفتح المجال للمشاهد لكي يتعرف على طبيب القلب (ستيفن مورفي) وزوجته الجميلة (آنا مورفي) طبيبة العيون، ثم تستغرق أكثر بمعرفة كيان المنزل الرصين فالابن والابنة ويعيشون حياة رائعة في منزل فاخر يمارسون هواياتهم المفضلة وينعمون بليالي دافئة وأحلام سامقة.

بدافع الشفقة يقوم الطبيب (ستيفن مورفي) بالعناية بالفتى اليافع ذا الستة عشر عاماً المسكين (مارتن) الذي عانى من فقدان والده في عملية جراحية بسبب توقف قلبه. يتقابلون في فترات متفرقة ويتحدثون عن الدراسة والحياة، ثم ينتهي الأمر. لكن الأمر لم ينتهي هكذا على الأطلاق.

Imdb.com
Imdb.com

يفاجأ الطبيب وزوجته بفقدان ابنيهما القدرة على تحريك قدميه، بعد أن كان صحيحاً معافاً تماماً، يضربه المرض بغته في قدميه فيشلهما. يهرعون إلى المشفى، ماذا يحدث؟ ماذا تقول الفحوصات؟ ما هي العلة؟ لا توجد علة، الفتي مُعافى وقويم الصحة، لا شيء يعله على الإطلاق. ولكن لماذا لا يستطيع السير على قديمه لماذا؟ لا أحد يعرف وسيظل هذا سراً كبيراً.

يفجر الفتى (مارتن) ذا العينين الناعستين والوجه السيكوباتي مفاجأة مدوية، حين يذهب الفتى لزيارة الابن الصغير ذا القدمين المشلولتين، فيطلب الانفراد بالأب بعض الدقائق في الكفاتيريا، وعندما يجلسون يخبره بصوتٍ واثق ولهجة سريعة بعدة كلمات تهديدية تأخذ شكل النبوءة أكثر منها تهديداً ضائعاً في الهواء. دافع النبوءة هو أن الطبيب (ستيفن مورفي) هو قاتل والد الفتى (مارتن) الناعس، أو هكذا يؤمن الفتى. لذلك قرر أن يحقق عدالة السماء المُقدسة، وألزم الفتى الناعس الطبيب بقتل أحد أولاده أو زوجته بيديه، أو سيشاهدهم يغرقون في بحر الموت وتسحبهم أمواجه الهوجاء نحو الزوبعة القاضية. واحتوت النبوءة على تهديد واضح وصريح لأبنا الطبيب وزوجته متجسد في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى شلل في العظام سيقيدهم، المرحلة الثانية امتناع تام عن الأكل حتى الهُزال، المرحلة الثالثة فهي ذرف الدموع الدموية الحمراء من العين كأنها عين شيطانية ملعونة بتعاويذ ليلية متلفعة بظلامٍ مركوب بقوة إلهية.

حينها تمضي الحياة بشكل معاكس للسعادة، مُضلل للبهجة والفرح، ويمتطي فرس الموت أجساد أبنائه المساكين الجامدين، ويتطور الأمر معهم بامتناع عن الطعام وتوقٍ للموت. كل هذا بسبب خطأ الوالد الأهوج، الآن هو يدفع الثمن، يحيق به الموت من كل جانب، وما باليد حيلة، لا يستطيع قتل أحد أبنائه ولا زوجته الجميلة رفيقة الدرب. إذاً ماذا سيفعل؟

Imdb.com
Imdb.com

النبوءة والدافع والقوة

للنبوءة دور كبير في الفيلم، فقد دفعت القصة للأمام، بل كانت هي المحور الأساسي للقصة. وفكرة النبوءة ذات نفسها رائعة ومختلفة لآنها مترتبة على دافع أخلاقي، ولكن القوة ذات نفسها غير منطقية، ما هذه القوة الي يملكها الإنسان؟ ولكن تحوير المسألة لكي تأخذ الطابع الميتافيزيقي الذي يملأ الجو المحيط بإبهام وغموض شامل للنفس.

ومن النقاط الجيدة في هذا الفيلم، أننا جميعاً انتظرنا المشهد الذي ينجلي فيه كل شيء، الذي يصفي الجو من التعكير المبهم، ولكنه لم يأتي، لم يفصح المُخرج عن القوة التي استخدمها الفتى اليافع (مارتن) لمي ينفذ نبوءته المشؤمة بالنسبة للطبيب، وهذا يسلط الضوء أكثر على النقطة الميتافيزيقية الرمزية التي ركز عليها المُخرج بشكل كبير، كأنه يريد أن يترك لنا لوحة فنية مليئة بالرموز العشوائية والسؤال هو هل سنستطيع فك رموزها.

Imdb.com
Imdb.com

رمزية الفيلم

“الرمزية ليست فكرة مجردة، خامدة، مُنحطة خالية من القيمة. الرمزية هي جزء مُتأصل ورصين من تاريخ البشرية المورث”

ألفريد نورث وايتهيد

ما هي الرمزية؟ الرمزية أو Symbolism هي حركة في الادب والفنون ظهرت في فرنسا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ظهرت أولاً في فرنسا ثم بلجيكا ومن ثم انتشرت في أوروبا والعالم، ظهرت الرمزية كرد فعل للمدرسة الواقعية الطبيعية، للتعبير بشكل أكثر وجودية عن العالم عن طريق الرمز والإسقاطات الفلسفية والحياتية. وتتميز الرمزية باختلاف مفسريها ضمنياً وحتى في الأطر الخارجية، لكل شخص تفسير مختلف ورأي مختلف حول تفسير الرمز يختلف عن الآخرين، وهذا ما يجعلها شيئاً مُذهلاً وعميقاً حقاً.

تظهر الرمزية بشكل واضح في العمل الفني الذي نناقشه اليوم، تعرض نفسها مُجسدة في فكرة متطرفة كل التطرف منزوعة الدسم الرتيب، ومحقونة بنزعة سيكوباتية هائلة، ومتدثرة في معطف السينما الفضفاض الذي يدور وتدور معه أذهاننا، لكي نتطلع لتفسير هذه التحفة الفنية ذات الوطأة النفسية المُرعبة والانحراف الدرامي الغامض.

إعلان

الفتي (مارتن)، إذا أردنا أن نشير إليه بشيء، فبالطبع سيكون الإله، أو الساحر ذا القوى الخارقة. هذا الفتي يمثل العدالة الإلهية في ثوبها الواهن، في قالب المعقولية يجسد (مارتن) الإله، يمكنك ضربه، يمكنك إطلاق الرصاص عليه ولكنك لن تستطيع أن تُثني عقيدته المقدسة عن الحياة، إذا قتلت شخصاً سآخذ منك مثله، مثلما فعلت يُفعل بك. هذه هي العدالة الحقيقية. لم يأخذ (مارتن) من الإله إلا قوة خفية، غامضة ومبهمة عن بقية البشر، ولكن هذا يطرح سؤال، لماذا لم يُنقذ والده من الموت بهذه القوة؟ أم الموت يخضع للأقدار؟ لا أعرف؟ ولكن هذا الفتي قام بدور ممتاز ومثير للنفس بشكل هائل.

الطبيب (ستيفن مورفي)، ماذا يمثل برأيك؟ يمثل الخطيئة؟ يمثل الشر الخائر، لا نستطيع أن نقول الشر المُطلق لآن هذا الرجل لم يكن بهذا السوء على الإطلاق، لقد كان رجلاً جيداً. على الرغم أنه شرب كأسين من الخمر قبل أن يجري العملية الجراحية لوالد الفتي، ولكنه ليس شراً مطلقاً مثل شيطان مثلاً. ولكنه خطيئة تمارس كل يوم تحتاج لمن يمحقها ويذلها لآن الرحمة والسماح في هذه المواقف لا تجدي نفعاً، ستكرر الخطأ كل يوم وسيظهر آلاف من شخصية (مارتن) الناعس، الذي سيمثل العدالة على جثث أحبتهم إلى اليوم الأخير.

Imdb.com
Imdb.com

الزوجة وطبيبة العيون الجميلة (آنا مورفي) ماذا تمثل؟ تمثل العالقين في خضم الخطيئة والمتشبثين بها، الذي يأخذون الناس على عيوبهم ويتمسكون بهم، ولكن تمثل في الوقت ذاته القلب الجامد البليد نحو الأبناء، فهي لا تمثل الشعور بالرباط المقدس بين الأم وأبنائها بل تشعر أنهم ليسوا أبنائها، حتى أنها قالت لزوجها أننا يمكن أن ننحب طفلاً آخر بسهولة. ولكن هي تمثل أيضاً العقل البناء المتمسك بالحياة بكل طريقة، ترفض الموت وتُلقي نفسها في كفة الحياة وتتشبث مثل فأر تضربه الرياح. تختار الحل الأفضل لتفادي المصاعب، وتحافظ على جمالها وتنهل من إناء السعادة، وتشرب من كأس الحياة.

الابنان (كيم مورفي) و(بوب مورفي) يمثلون نتاج الخطيئة، مهما كان ناصع البياض ومتفوق على أقرانه إنما سيظل مطارد من خطيئة قديمة، تشده لخلف وتقضي عليه. لا ذنب لهم، لا يفهمون شيئاً ولكنهم يعيشون لحظات أخيرة كل يوم.

تضمن الرمزية للمشاهد أن يفكر ويعصر رأسه بشدة حتى يجد تفسيراً مميزاً ومنطقياً، وهذا هو ما يميز الرمزية، أنت لا تفهم شيء، لا أحد يفهم شيء، فقط هناك فرصة للجميع أن يفكر ويضع الخطط والسيناريوهات الرائعة، فقط هناك فرصة للمشاهدين أن يؤولوا الفيلم حسب منطقهم وفلسفتهم ونزعتهم الدينية والسياسية.

Imdb.com
Imdb.com

التمثيل

الأداء كان مميزاً من كل طاقم العمل، مع توجيهات المُخرج الرائعة بالأداء الميكانيكي أو الروبوتيكي الذي يشبه أداء الأناس الآليين في جموده وانطباعاته ودود أفعاله المتحجرة، العينين السمجتين والقسمات الرتيبة والملامح الصلبة التي لا تأبه لشيء في هذه الحياة هكذا كان كل الفيلم تقريباً بالنسبة لهذه الشخصيات دون شغف أو حيوية ومرونة إلا شخصية الأب أو الطبيب (ستيفن مورفي) الذي كان يُخرج طاقة الفيلم كله بقسمات وجه ومجهوده المضني لإيجاد حل لهذه المُعضلة، ينفث الطاقة الكامنة بين أضلع الشخصيات المتحجرة من بين شفتيه العاريتين. ربما لآن شعوره بالمسؤولية وَغَل داخله والشعور بالواجب أتجاه أبنائه زاد الضغط عليه. مما أخرج لنا لوحة شعورية فجة مليئة بالضجة والضجر.

ولكن هذا النوع من الأداء كان مقصوداً من المُخرج ليوضح أثر الحياة الروتينية المُتجمدة في الأشخاص مهما كانوا ذو موهبة فذة أو قدرات عالية. وقد ظهر الجمود بشدة منذ ظهور الفتى (مارتن) في حياتهم، فتغلغل اللا شيء وتعمقت اللا مبالاة في نفوس الشخصيات تدريجياً حتى أصبح الموت لا يساوي شيئاً لهم.

الفتى السيكوباتي (مارتن)، نجح هذا الفتى في ترك انطباع مُخيف وبصمة مُروعة في هذا الفيلم المميز. فرض نفسه على الفيلم بشكل يجعله شمساً مشرقة ويصور البقية ككواكب ونجوم وكتل تقوم بدورها أن تدور حول الضوء الباعث للحياة. بملامحه النائمة ولهجته المتباطئة وحركاته المتريثة نوعاً ما، كلها تشير أن هذا الشخص يحمل مرضاً نفسياً، ولكن من كان يعرف أن لديه قوة مصورة ستحقق العدالة الإلهية. لذلك ورغم تغير ميول الشخصية من موقف ضعيف إلى موقف قوة استطاع أن يضع نفسه في الحالتين ويصنع شخصيتين متماسكتين لا يفترقا ولا ينفصلا عن بعضهما البعض. لكي يؤكد أنه ممثل رائع.

صور مجمعة من موقع Imdb.com توضح دور الأضائة القاتمة في التصوير وتأثيرها عل المشاهدين
صور مجمعة من موقع Imdb.com توضح دور الأضائة القاتمة في التصوير وتأثيرها عل المشاهدين

التصوير والإخراج

تميز هذا الفيلم بتصوير مميز جداً يضاهي الحدث ويبث موجاته لعقول المشاهدين حتى يُصدر لهم نوعاً من الشعور المخيف المُروع والغريب جداً. تميز الفيلم بتصوير المشاهد والكادرات المرتفعة بتقنية عين الإله التي تصور المشهد من عين نافذة على مساحة كبيرة من الأرض لكي تكتشف كم نحن ضئيلين في هذا العالم، وهذه الكادرات تولد نوع من الشعور بقوة الإله وضخامته. أيضاً ركز المُخرج على الكادرات القريبة من الوجه حيث تنفُذ نحو روح الشخصية.

صور من موقع Imdb.com توضح تقنية عين الإله في التصوير
صور من موقع Imdb.com توضح تقنية عين الإله في التصوير

كما أن الإضاءة الصفراء القاتمة نوعاً ما شاركت في الشعور الغريب بالخوف والتقزز نوعاً ما، وكانت لها دور كبير في خروج الفيلم بهذا الشكل الرمزي النفسي المُرعب نوعاً ما.

الإخراج كان رائعاً، كل مشهد له طريقة معينة ودلالة معلومة للمُخرج يعرضها بشكل مُريب ومبهم للمشاهد. المخرج (يورجس لانثيموس) المتميز بنوع الأفلام الفلسفية الرمزية غريبة الطالع ومريبة الطلة، قد قدم لنا فيلمي Dogtooth وThe lobster قبل هذا الفيلم ويتميز الفيلمان بالفكر الغريب. لآن هذا المُخرج يفجر المستودعات الفكرية المُصدة بإحكام قياساً بالأخرين الروتينيين. يجعلنا هذا المُخرج ننتظر أعماله يوماً بعد يوم بشغف شديد وشوق لمزيد من الأفكار الملتوية، المُبهمة والرمزية.

صور مجمعة من موقع Imdb.com تُظهر تقنيات التصوير والكادرات المستخدمة في الفيلم
صور مجمعة من موقع Imdb.com تُظهر تقنيات التصوير والكادرات المستخدمة في الفيلم

الموسيقى التصويرية

الموسيقية التصويرية هي الكيان السمعي الذي يُكمل المُثلث الفني الذي يتمثل في السمع والبصر والمكان. وقد نجحت الموسيقى التصويرية في استبانة فلسفة الفيلم السوداوية القتمة، وهذا زاد الفيلم قوة من حيث الكيان الكامل المتكامل.

تميزت الموسيقى التصويرية ببعض النغمات المرتفعة المُزعجة للأذن والنفس، أصوات تُصَّدِر لك الشعور بهذه الملحمة النفسية التي تُبنى أمامك في صمت. وتؤثر فيك كل التأثير فتشعر أنك داخل الفيلم، مُهدد ومُحاصر من كل جانب.

في آخر الأمر هذا الفيلم وضع نفسه في قوائم أفضل أفلام الغموض والرعب النفسي، ببساطة لآن الفيلم يحمل كل مقومات الفيلم الرائع، ربما تخللته بعض الفجوات الرتيبة وبعض الشعور بالمط في الاحداث جعل المشاهد يشعر بقليلٍ من الرتابة، ولكن رغم ذلك يَعِد هذا الفيلم كل من يشاهده بالمتعة الصامتة والخوف المُروع وكآبة الانتظار وتقزز التفكير وتراجيديا الأساطير. أنه فيلم رائع. ويسلط الضوء على عدة عادات سيئة ويظهر النفس البشرية بشفافية حيث المبدأ الرئيسي إذا أعطيت شيئاً ستأخذ شيئاً مقابله، لا يوجد شيء بدون مقابل. وهذا ما وضح في المشهد بين (آنا مورفي) وطبيب التخدير صديق زوجها. بالإضافة أن هذا المُخرج حجز له مكان بجانب المُخرج العظيم (دارين آرنوفيسكي) في تصنيف نوع الأفلام النفسية الغريبة التي تنطوي على فلسفة عميقة وأداء قوي.

إعلان