منوعات

كتاب Shiver للمانجاكا (جوجي إيتو): مختارات فنيّة غاية في الدقة والإبداع!

ماذا ينتظرنا في وجبة الرعب الدسمة لليوم؟

دائمًا ما يُبهرنا فن الأنمي، فتتنافس الاستوديوهات ليل نهار من أجل نيل رضانا، ذلك الرضا الذي سينعكس بعد ذلك على نسب المشاهدات والمبيعات الخاصة بالأنمي، وكافة الإكسسوارات والمُلحقات الخاصة به من مُجسمات، كتب، أو حتى اسطوانات مُدمجة للأنمي نفسه ذات جودة عالية وقوية.

لكن إذا دققنا النظر، سنجد أن أعمال الأنمي أغلبها ليست من إنتاج تلك الاستوديوهات من الألف إلى الياء، ففي الواقع تكون تلك الأعمال مُقتبسة عن أعمال أخرى، وما دور الاستوديو إلا تجسيد تلك الفكرة المُقتبسة في صورة مرئية يستطيع المُشاهد التفاعل معها عبر عنصر الحركة والصوت. وتلك الأعمال الأخرى عادة من تكون روايات خفيفة، روايات مرئية (ألعاب فيديو)، أو مانجا. والأخيرة تلك هي محور حديث اليوم.

المانجا هي الفن الياباني المُصوَّر الذي في البداية تم صنعه كي يُحاكي أحوال البلاد والأُمراء والممالك المتطاحنة من أجل الجاه والسلطة، لكن تطور ليشمل كافة مناحي الحياة وأصبح تجسيدًا حيًّا للواقع والخيال على حدٍ سواء. لذلك أصبحنا نرى العديد من أعمال المانجا التي خرجت عن حيّز التجسيد الواقعي للدراما الحياتية، إلى حيّز التجسيد الخيالي للأفكار المنافية للمنطق.

وإنطلاقًا من تلك النقطة صارت لدينا العديد من أعمال المانجا التي تتحدث عن الفانتازيا، الخيال العلمي، القوى الخارقة للطبيعة، والرعب. والرعب على وجه التحديد هو أهم شيء في مقال اليوم أعزائي القرّاء. فاليوم سوف نتحدث عن مجموعة قصص مانجا مذهلة لأحد أفضل مانجاكا الرعب اليابانيين في التاريخ: (جونجي إتو)!

صدر كتاب Shiver للمانجاكا جونجي إتو منذ فترة قريبة، وفيه أعاد المانجاكا إحياء بعض قصصه المنسية عبر طباعتها في ذلك الكتاب بجودة خارقة وحبر ثقيل، بجانب إدراج صفحة تحوي تعليقًا خاصًّا من قبله على تلك القصة بعينها (والتي سوف نترجمها لكم في نهاية وصف كل قصة، وبها حرق، لذلك يجب قراءة القصة قبلها)، وبالطبع مُرفق بجانبها بعض الرسومات الكروكية السريعة والتحضيرية للعمل الفني. والجدير بالذكر أن عددًا كبيرًا من قصص الكتاب تم تبنيه في صورة أنمي فعلي تحت عنوان Ito Junji: Collection، وقد لاقى نجاحًا كبيرًا وقت عرضه بالتلفاز الياباني.

اليوم أعزائي سوف نتحدث عن كل قصص الكتاب في مقال يُعتبر تغطية شاملة لتلك المجموعة القصصية المذهلة، والتي تليها مجموعة من الكتب التجميعية الأخرى التي سوف تصدر بالأسواق قريبًا جدًا، والتي سأحرص على شرائها ثم تحليلها والحديث عنها معكم بالتأكيد. الآن هيا بنا نتحدث عن Shiver قليلًا يا قوم!

1) قصة Used Record أو الاسطوانة الموسيقية المُستعملة

قصة Used Record أو الاسطوانة الموسيقية المُستعملة - سيدة تستمع إلى اسطوانة مُسجلة
تصوير الكاتب

تلك المانجا القصيرة تُعتبر واحدة من أعمال (جونجي إتو) التي تمتاز بالغموض وسلاسة السرد بطريقة رائعة. فدائمًا ما يعمد (جونجي) لطرح الأفكار بطريقة تصاعدية من الهالة العادية جدًا والتي حين تراها تكاد تُجزم بأن هذا العمل الفني تقليدي للغاية، إلى الهالة المُميزة والصادمة إلى أقصى حد والتي تجعلك فعلًا تتيقن بأن هذا المانجا ليس شخصًا عاديًّا، بل شخص يستطيع التحكم بزمام أمور أوراقه وأقلامه وحبكاته بطريقة مذهلة تجعله ملكًا في مجاله.

تتمحور القصة حول اسطوانة موسيقية ملعونة. فتبدأ الأحداث عندما كانت فتاة شابة تستمع إلى تلك الاسطوانة بمنزل صديقها، وبعدها يتملكها الصوت الساحر الخارج منها قائلًا (لا لا لا، دو دو دو، دا با دو، بي يا دو، بي دو وا، دابا دابا دابا دو)، ليوسوس لها بأن تأخذ الاسطوانة وتفر هاربة بالرغم من عدم رضا صاحبها. الآن يركض خلفها صديقها صاحب الاسطوانة ليموت أثناء سعيه خلفها!

الآن الفتاة تذهب من مكان لآخر بُغية تشغيل الاسطوانة لمرة أخرى فقط كي تستمتع إلى هذا الصوت من جديد ليملأ كيانها بالأنغام والترنيمات التي تجعل العقل مُنتشيًا من فرط اللذة والهيام. لكن لم تعلم أن تلك الاسطوانة ملعونة، وكل شخص يمتلكها ملعون أيضًا، وجميع من حوله ملعونون. فتلك ليست اسطوانة عادية، والسيدة التي تُغني فيها ليست عادية كذلك. فما قصة تلك الاسطوانة؟ وما السر الغامض القابع خلف المُطربة صاحبة ذلك الصوت الساحر للآذان من النغمة الأولى؟ هذا ما ستعلموه عند قراءة القصة.

ومن الناحية التحليلية، فالقصة تمتاز فعلًا بالوقع السريع والانتقال من مشهد إلى مشهد بسلاسة شديدة. وأيضًا حافظ (جونجي) على جوّ الغموض منذ البداية وحتى النهاية، فختم قصته بمشهد يوحي بالضياع النفسي واستمرار اللعنة إلى ما لا نهاية فعلًا. مما يدل على أن تلك الاسطوانة بالفعل ملعونة. وهذا يُمكن أن نعتبره إسقاطًا على واقعنا المعيش. فكل واحد فينا لديه في الحياة هوس مُعيّن أو (لعنة) خاصة به وحده. ذلك الهوس قد يكون سبب دماره وتعاسته وحزنه الكامل وهو لا يشعر، فبالتالي يخسر الأعزّاء إليه على الصعيد الاجتماعي ويصير مُنعزلًا عن العالم، ومُتوحدًا مع هوسه الخاص فقط. وهذا حقًا شيء سيء جدًا كما تُوضح القصة.

– تعليق المانجاكا:

في الوقت الذي عشت فيه بمنطقة Issha في ضاحية Meito في Nagoya، كان هناك متجر اسطوانات مُستعلمة بالقرب من محطة المنطقة. (ولا أعلم إذا كان متواجدًا حتى الآن أم لا.) كنت سعيدًا عندما عندما وجدت اسطوانة قديمة لفرقة Swingle Singers، وأردت أن أُعيد تجسيد تلك الحالة الشعورية للمتجر في المانجا خاصتي. وفي القصة التي كانت التالية بالنسبة لي في مجلة (الهالوين) الشهرية، لم أكن قد وصلت إلى قصة بالفعل عندما رسمت الرسم الكروكي المبدئي.

ومباشرة بعد ذلك أخذت عملًا مُنتهيًا إلى طوكيو، وهناك ناقشت عملي القادم مع المُحرر الخاص بي، الأستاذ (هارادا). ووقتها قفز مباشرة من فكرة متجر الاسطوانات المستعلمة إلى فكرة قصة تتمحور حول مقهى جاز بطوكيو. حتى أنه قال “أشعر أن تلك القصة القادمة سوف تكون جيدة”.

وقررت أيضًا أن أُدرج فكرة اسطوانة غنائية لسيدة غنتها مباشرة بعد موتها، وتلك الفكرة كنت أحبكها منذ فترة، فكان التوقيت مثاليًّا وتجمُّع العناصر مع بعضها البعض كان دقيقًا من أجل صياغة تلك القصة.

2) قصة Shiver أو ارتجاف

قصة Shiver أو ارتجاف - شخص مليئ بالثقوب ينظر من خلف الزجاج وهو مرعوب

تصوير الكاتبتلك القصة تُعتبر واحدة من القصص التي استخدم فيها (جونجي) الحبر بكثرة فعلًا. فهي قصة مليئة بالشخصيات والأماكن والأشياء التي بها العديد من الفتحات والتي تحتاج إلى استخدام كثيف وماهر للحبر من أجل إظهار عمق ومساحة الفتحة، وإعطاء هالة من الرهبة والرعب حولها. والشيء المُميّز أيضًا في تلك القصة هو أن (جونجي) عمد فيها إلى استخدام نوع شائع من الرعب بجانب الفكرة المميزة والخاصة التي يطرحها. فما هذا النوع من الرعب التقليدي يا تُرى؟ دعونًا نتحدث عن القصة قليلًا لنعرف.

تبدأ القصة عندما يتسائل فتى ما عمّا يحدث حوله من ظواهر غريبة. فمن شرفة منزله يستطيع دائمًا النظر إلى باحة البيت المجاور له، وهي باحة ذات حديقة لا تدخلها الشمس ومقبضة إلى أقصى حد. لكن الأمر الأكثر غرابة هو أن هؤلاء القوم لا يزورهم أحد على الإطلاق، إلا الطبيب الذي يهتم بالحالة المرضية الخاصة بابنتهم الصغيرة. وتلك الحالة مميزة وغريبة في حد ذاتها، فعندما تفتح الفتاة النافذة وتنظر للخارج، دائمًا ما تفرد ذراعها أمامها وتُشير للأمام في بلاهة. وذراعها به الآية الأغرب فعلًا، فهو مليئ بالثقوب العميقة والتي دائمًا ما تصرخ الفتاة ليلًا بسببها وهي تقول أن الحشرات تحوم حولها كل ليلة بسببها.

الغريب هو أن جد الفتى قد توفى بعد أن بلغت تلك الثقوب مبلغًا كبيرًا من الحجم في جسده، فأصبحت الثقوب آخذة لمساحة جسده كله بالكامل، حتى تسببت في وفاته المنية بالنهاية، وكان الطبيب الذي يُعالج الفتاة الآن، هو نفسه الذي كان حاضرًا في وقت وفاته منذ أعوام طويلة. لكن لا يبدو على الطبيب كبر السن على الإطلاق، وهذا الشيء الأغرب. وفي يوم من الأيام يأتيه صديقه للمنزل ليكتشفا سويًّا أن جده قد ترك مفكرة خاصة به ضمن الكتب المنسية والتي لا يهتم بها أحد بالمنزل. وبعد قراءة تلك المفكرة تنقلب الأحداث رأسًا على عقب! فما الذي وجداه في تلك المفكرة الصغيرة؟ وما سر تلك الثقوب؟ وما علاقتها بالحشرات اللعينة والطبيب الخالد هذا؟ هذا ما ستعلموه عند قراءة المانجا القصيرة تلك.

من الناحية الفنية فالقصة تتميز بالغموض كالعادة، لكن الشيء الرائع هذه المرة أن المانجاكا استعان بالحشرات لتكون عنصر رعب تقليدي في عمله الفني. ففي العادة أغلب الناس تتقزز من الحشرات، خصوصًا الطنانة منها والتي لا يستطيع كل الناس الإمساك بها بسرعة والتخلص من طنينها المزعج والصام للآذان والمُسبب للقلق والقشعريرة وفي بعض الأحيان الغثيان أيضًا. ببساطة تلك القصة جمعت بين عناصر فنية كثيرة، وتكاد تُصنّف من وجهة نظري ثاني أفضل قصة من حيث الرسم بعد القصة رقم خمسة والتي سنتطرق إليها في مقال اليوم بعد قليل.

– تعليق المانجاكا:

كنت أتصفح مرجعًا مُصورًا وبه تفاصيل كثيرة عن الحشرات، وقرأت أنهم يمتلكون تلك الفتحات في بطونهم والتي تساعدهم على التنفس، والتي تُدعى الشقوق – Spiracles. وتسائلت إذا كان بإمكاني أن أستخدم تلك المعلومة في صناعة المانجا. وبالفعل غيرت الفكرة للبشر، وجعلت الثقوب تكون في أجساد البشر أنفسهم، وتلك الفتحات تظهر كما لو أنهم يتنفسون من خلالها بشكلٍ ما.

الباحة الخلفية للمنزل المجاور لبطل القصة هي مشابهة تمامًا للباحة الخلفية للناس الذين كانوا يسكنون بجواري أثناء فترة الطفولة. السيد والسيدة Y كانا صاحبا حانة تُدعى بحانة Ryokan، لكنها كانا عجوزين وقتها حتى، لذلك المنزل لم يعد حانة لفترة طويلة على الإطلاق، لذلك تم تلك الباحة غير مُهندمة أو يتم الاهتمام بها على الإطلاق، وذلك جعل النباتات تنمو في كل مكان وبعشوائية تامة لتُعطي ذلك المظهر المُقبض.

السيد Y أبحر أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي تلك الأثناء أنا كتب أكتب قصة “المنزل صاحب الجندي المُهاجر”، وفي الواقع تحدثت معه شخصيًّا قليلًا عن تجربته كجندي في الحرب كمرجع لي في القصة. وربما لهذا السبب قررت أن أسترجع بعض عناصر الحرب العالمية الثانية في مرحلة تخيّل باحة السيد Y من جديد.

3) قصة Fashion Model أو عارضة الأزياء

قصة Fashion Model أو عارضة الأزياء - سيدة قبيحة وشخص لا يستطيع الكتابة
تصوير الكاتب

الآن يستخدم (جونجي) الأسلوب المُعتاد لمانجات الرعب وقصص الرعب على وجه العموم: الدماء. ففي هذه القصة نجد الكثير من الدماء المتناثرة هنا وهناك بشكلٍ دافع للأدرنالين بالعرق بطريقة عجيبة. بجانب أن تلك القصة تتميز عن سائر قصصه بأنها تمتلك شخص مُميزة بعينها وتمتلك قسمات وتعابير وجهية وجسدية فريدة للغاية، مما يجعلها من الشخصيات التي تعلق بالذاكرة منذ النظرة الأولى. ولهذا أصبحت قصة (عارضة الأزياء) إحدى القصص البارزة في عالم (جونجي إتو)، ونتيجة لتلك الشهرة التي لاقتها الشخصية، قرر المانجاكا عمل قصة جانبية عنها في نهاية الكتاب، وسنتطرق إلى تلك القصة أيضًا في نهاية المقال. الآن هيا ننتقل إلى القصة ذاتها.

تبدأ القصة عندما يُقرر شاب ما الدخول إلى مقهى لشرب قدح من القهوة الساخنة ليُضيّع الشعور السلبي الذي يكتنفه منذ بداية اليوم ولم يتزحزح حتى الآن. لكن بالمقهى يزداد توتره وقلقه وتنقلب حياته رأسًا على عقب عندما قرر تصفح إحدى المجلات القابعة بالمنضدة التي أمامه، والتي كانت مجلة عن أحدث صيحات الملابس، وبالتأكيد فيها العديد والعديد من عارضات الأزياء اللاتي يتميزن بالرشاقة والخفة والجمال والدلال. لكن ما شاهده كان كابوسًا حقيقيًّا، فقد شاهد سيدة من أبشع وأقبح وأفظع ما يكون، كما لو أن شيطاين العالم كلها تكورت في كينونة واحدة وأنتجت تلك المرأة في النهاية. سيدة قاتمة الملامح وحادة النظرة ومستدقة الوجه وقبيحة إلى أقصى درجة صارت تنظر له من صفحة المجلة ولا يستطيع إبعادها عن ذهنه أبدًا.

وفي الليل تزوره في الكابوس حتى يكاد يُجزم أن تلك المرأة تُطارده في إفاقته ومنامه! وفي اليوم التالي يتضح أن هذا الشاب هو عضو ضمن فرقة ثلاثية من هواة كتابة وتصوير الأفلام، والآن ثلاثتهم يتفقدون طلبات الالتحاق التي أتت لهم من الفتيات اليافعات من أجل التمثيل في فيلهم الصغير القادم. ومن ضمن تلك الطلبات وجه الفتى صورة عارضة الأزياء القبيحة تلك. لكن ولقلة عدد المُتقدمين، قبل الفريق بها على كل حال.

وبالفعل تستمر القصة وتأتي تلك الفتاة بصحبة فتاة أخرى جميلة من أجل تصوير المشاهد بمنطقة معزولة بالغابة. الآن تم تصوير مشاهد الفتاة الجميلة منذ بداية النهار، وهذا جعل العارضة القبيحة غاضبة إلى أقصى حد، ثم كشّرت عن أنيابها بعد ذلك. لكن المشكلة أن هذا التعبير لم يكن مجازيًّا، فهي في الواقع لدينا أنياب وأسنان حادة تستطيع تمزيق اللحم عن صاحبه في لحظات! فما المصير الذي ينتظر هذا الفريق المسكين يا تُرى؟ تابعوا القصة لتعلموا!

– تعليق المانجاكا:

في العادة ما أنظر إلى مجلات الموضة والأزياء من أجل أخذها كمرجع لي في بعض الأعمال، ودائمًا ما أُلاحظ العدد المهول من عارضات الأزياء هناك. وفي إحدى تلك المجلات اللاتي كنت أنظر إليهن، رأيت صورة لعارضة جميلة، لكن تخيلت حولها هالة غريبة جدًا (أو هكذا ما اعتقده من خلال نظري إليها عبر عدساتي). ومن هنا أتيت بفكرة عارضة الأزياء التي هي في الأصل وحش كاسر. ربما كان يجدر بي رسمها لتبدو أكثر جاذبية، لكن هذا هو الوجه الذي حصلت عليه في النهاية.

أيضًا فكرت في إضافة عنصر “المرأة القرش” لذلك الوحش الغامض. لكن حدثت بالمصادفة حادثة في ذاك الوقت، حيث تمت مهاجمة صياد ما من قبل سمكة قرش في البحر الداخلي الخاص بـSeto، وكان الكثير من البشر يتحدثون عن تلك الحادثة بشدة، لذلك نحيّت هذا العنصر جانبًا تمامًا من القصة.

4) قصة Hanging Blimp أو بالونات الشنق

قصة Hanging Blimp أو بالونات الشنق- بالون على شكل رأس مُتدلي من السماء
تصوير الكاتب

الآن نعود مرة أخرى إلى أسلوب الرعب الذي يعتمد على الخيال والحيرة والضياع النفسي أكثر من كونه يعتمد على الدماء والأوصال المبتورة والأجساد المقطوعة. تُعتبر تلك الحبكة من الحبكات المُميزة لأنها تتمحور حول شخصية واحدة تتحرك في رقعة اللعب دون أي مساندة، وكل الشخصيات الأخرى هي ضدها تمامًا وبالكامل، بل وتسعى لقتلها كلما أُتيحت الفرصة. فهي فتاة وحيدة صغيرة أمام مدينة بأكملها من الأشياء والأشخاص الذين يريدون التخلص منها. بجانب أن عنصر التميُّز الآخر يتمثل في كون سر الذي يحدث غامضًا حتى النهاية، مما يجعل ذهن القارئ ينصب على الأحداث ذاتها والعبرة الفلسفية منها.

كانت حياة البلدة هادئة جدًا وتقليدية إلى أقصى حد، لكن تنقلب الآية 180 درجة كاملة عندما تشنق إحدى السيدات نفسها بحبل صلب وخشن بجوار نافذة منزلها. لكن المشكلة ليست في الانتحار شنقًا في حد ذاته، فالبشر ينتحرون كل يوم. بل المشكلة في الذي حدث بعدها. فقد شاهد بعض البشر رأس تلك السيدة يطير في الهواء على هيئة منطاد أو بالون كبيرة جدًا يحوم بالأرجاء ويستقر في باحة مكان ما ثم يعاود الطيران مرة أخرى. ومع مرور الوقت انتقل الحادث من مجرد مشاهدات قليلة إلى مشاهدات واسعة النطاق مما استعدى الإعلام بأن يتدخل لتغطية الخبر، وليته لم يفعل.

فقد أظهر الإعلام أن حالات الانتحار تزايدت، ومعها تزايد عدد الرؤوس الطائرة بالسماء، حتى أتت رؤوس لأشخاص مازالوا أحياءً يُرزقون! وكل رأس من التي تحوم بالسماء يتدلى منها حبل طويل وفي نهايته تُعلّق الجثة صاحبة الرأس. الآن الرؤوس المجنونة تحاول اصطياد أصحابها في الشوار كي تلف حول رقابهم حبق الشنق هذا وتشنقهم لتطير بهم بعيدًا وتتوحد معهد في تلك الهيئة الغريبة والمرعبة بدرجة مهولة وغير قابلة للتصديق.

وفي خضم كل ذلك تظل فتاة مسكينة مع عائلتها الصغيرة حبيسة المنزل والرؤوس في الخارج تُنادي عليهم في اشتياق الحبيب للحبيبة في لوعة وشبق. يخرج الأهل بالتدريج ليلقوا مصيرهم المؤلم بالخارج بينما تظل هي فعلًا حبيسة المنزل حتى كاد الطعام أن ينفذ منها وباتت على شفير الجنون. الآن ماذا ستفعل تلك الفتاة المسكينة وهي الوحيدة حرفيًّا بالمدينة التي لم يشنقها الرأس بعد؟ ذلك الرأس الذي يظل يناديها من الخارج الآن مع رؤوس عائلتها الحبيبة أيضًا. هذا حتمًا ما ستعلموه عند قراءة القصة.

ومن الناحية الفنية فالقصة فعلًا جميلة وطويلة وبحق استطاع (جونجي) إدخالي في أجواء القصة وتركني أتخيل الكثير من الأشياء، ثم حطمها وأعاد تجميعها في هيئة جديدة وببراعة منقطعة النظير. كما أن أسلوب الرسم كان رائعًا، خصوصًا أسلوب وطريقة رسم الوجوه البالونية تلك، فتلك النظرات الخاوية التي تتملكهم على الدوام تبعث على القشعريرة، وأيضًا حينما تشعر تلك البالونات بالغضب يكون أسلوب الرسم مناسبًا للحالة الشعورية فعلًا. كما أن أسلوب رسم العيون وتظليل الشِفاه والجزء الأسفل من الأعناق المشنوقة يستحق الإشادة فعلًا.

– تعليق المانجاكا:

هذه القصة مبنية على حلم حلمته وأنا صغير بالماضي. ففي الحلم، كنت في مكان ما بمطار غريب، حيث كان يوجد مُجسم من الطين لجذع سيدة ما يتدلى من أعلى كتفها وشاح، وبغتة أتت تلك السيدة الغامضة طائرة تجاهي وشنقت رقبتي من الخلف.

وبعد ذلك الحلم، وبعد أن أصبحت رسام مانجا، أتت لي فكرة عمل مانجا عن بالون تتدلى منه جثة مشنوقة من رقبتها. وعندما يمر ذلك البالون بالبلدة بالسماء، شيء غريب سوف يحدث. كنت سأسرد القصة بطريقة مفتوحة قليلًا، وكنت سأُسميها الشانق المجهول. لكن لم أستطع التفكير بالشيء الذي سوف يحدث بعد ذلك، الشيء المفتاحي الذي أريده.

وبينما كنت أفكر في هذا وذاك، فقررت أنه سيكون من المُثير عمل قصة عن مجموعة من الرؤوس البالونية التي تهرع إلى الناس في الشوارع لشنقهم. لكن مجرد بالونات شانقة سيكون شيئًا مملًا. لذلك بعدها عصفت بذهني أكثر وأكثر وأتيت بفكرة البالون الذي عليه وجهك ويطير بالأرجاء سعيًا نحو شنقك. ثم شرعت في رسمها، وكنت متحمسًا طوال الوقت بشدة.

وبالنسبة إلى هذه النسخة المنشورة في هذه المجموعة القصصية الخاصة، فأنا قد راجعت بعض الصفحات المُعينة من تلك النسخة الأصلية التي نُشرت قديمًا في مجموعة أخرى مع ناشر آخر. فقط بعض التعديلات الطفيفة لا أكثر، فإذا كنت مهتمًا، يمكنك قراءة النسختان وملاحظة تلك الفروقات البسيطة.

5) قصة Marionette Mansion أو قصر الدُمى

قصة Marionette Mansion أو قصر الدُمى - مجموعة عرائس خيطية ترقص أمام الحضور
تصوير الكاتب

إذا كانت الغرابة إمرأة، لتزوجها (جونجي) ليُنتج هذه القصة المجنونة. فدائمًا ما يعمد هذا المانجا إلى عمل حبكات غريبة وعجيبة ويبتكر أشكالًا وألوانًا من الرعب لا تخطر على بال أحد من قبل. وفي بعض الأحيان تكون الفكرة بسيطة جدًا وسطحية، لكن شغفه من أجل إنتاج العمل الفني وتفانيه في رسم كل مربع وكل شخصية وكل خط بطريقة يدوية وبقلم تحبير كلاسيكي، حقًا بهما يصبح العمل آية في الجمال والإبداع. وهذه القصة على وجه الخصوص تتميز بالتفاني القوي منه تجاه العمل الفني، وهذا التفاني ظهر في بعض الرسومات بعينها التي توحي حقًا بهالة من الرعب شديدة وقوية. كما أن الشخصية الرئيسية بالقصة لها (كاريزما) وحضور طاغي بطريقة مذهلة بالرغم من كونها غير بشرية!

تبدأ القصة مع عائلة تعيش بعربة متنقلة وبها تقوم بعمل عروض مختلفة للعرائس المتراقصة. العائلة عبارة عن أب وأم وطفلين من الذكور. تتنقل العائلة من بلدة لأخرى على الدوام دون أن تستقر في مكانٍ واحد، فلذلك يبقى الولدان في كل مدينة لمدى شهر على الأكثر حتى ينتهي العرض الحيّ الذي تقوم به العائلة بالشوارع. وفيوم من الأيام تولد للعائلة فتاة صغيرة، لكن الأم لم تعد تتحمل ذلك وفرّت هاربة من كل هذا، لتترك الأب مع ثلاثة أولاد يجوبون البلدان والشوارع كالعادة، ويخوضون معترك الحياة بكل بؤسٍ وحزن.

تبدأ الأحداث الفعلية عندما ينتقل الأخ الأصغر إلى مدينة جديدة كالعادة، ويُدرج اسمه بمدرسة خاصة بتلك المدينة الصغيرة. ليتعرف هناك على فتاة جميلة تحاول التقرّب إليه قليلًا عبر معرفة مهنة والده ورؤية الدُمى الصغيرة التي تقوم بحريكها العائلة في العروض الحيّة لها. وهناك لأول مرة شاهدت (جان بيير)، وهو دُمية غريبة ذات وجه مُستدق وعيون حادة وغائرة وابتسامة شيطانية لا تفارقها. وتقوم الفتاة بتكسيرها بمجرد إخافة الفتى إياها بها. لكن يتم تجميع الدمية من جديد ليأخذها الأخ الأكبر، وبعدها بفترة تنتقل الأسرة إلى مدينة جديدة كما هو مُعتاد.

لكن هذه المرة يتم أخذ الفتى الأصغر والأخت من قبل بعض الأقارب لفترة من الوقت، بينما الأخ الأكبر سار ليشق طريقه في الحياة. وبعد مرور سنين طويلة يعيش الأخ والأصغر والفتاة في منزل خاص، بينما يعيش الأخ في منزل كبير جدًا وصل إلى منزلة القصر، فيدعوهما إليه. وعندما يذهبان، يجدان أنه تزوج ورُزق بفتى صغير، لكن هذا ليس الأمر الغريب فعلًا. ففي البداية فتح لهما الباب الدمية (جان بيير)، لتظهر بعدها العائلة مُعلقة من السقف بخيوط رفيعة ويتم تحريكهم كالدُمى، لكن بإرادتهم الخاصة، والفضل يرجع لتلك الدمية المعلونة!

تُرى ما سر تلك الدمية؟ وكيف لها أن استطاعت السيطرة على عائلة كاملة لتُحركها مثل الدُمى هكذا؟ وما الأحداث والأهوال التي تنتظر تلك العائلة في المستقبل القريب؟ هذه كلها أشياء ستعرفونها عند قراءة تلك القصة المذهلة والممتعة إلى أقصى حد.

– تعليق المانجاكا:

رساموا المانجا زاهدون حقًا في الحياة. فأنت تجلس على الكرسي طوال النهار، وتحني ظهرك بالكامل على المكتب، وتقوم بتحريك مقدمة قلمك على أوراق المانجا الخاصة بك. وحقيقة كون الورقة طويلة بالنسبة إلى المحور الرأسي هي حقًا مؤلمة، فأنت تحتاج إلى الانحناء أكثر وأكثر حينما ترسم الرسومات التي بقمة الصفحة. ونتيجة لذلك ظهرك وأردافك يذوقون كؤوسًا فوق كؤوس من المُعاناة والألم.

سيكون من الأفضل بالتأكيد إذا كانت الورقة طويلة بالنسبة إلى المحتوى الأفقي. لا، الشيء الأفضل فعلًا هو أن اُعلق الجزء العلوي من جسدي بالسقف وأشرع في إتمام العمل، أليس هذا رائعًا؟ فكرة هذه القصة أتت لي من مواقف كتبك.

الخدم سوف يتحكمون بي من الأعلى، فبالتالي سوف يكون من اليسير جدًا عليّ أن أُتمم العمل بكل سهولة وفي أسرع وقت. وفي ذلك الوقت كنت مهتمًا بفن الباليه الراقص، فشرعت في معرفة بعض المعلومات عن جائزة الباليه العالمية، فبناء عليه استطعت إدراج بعض العناصر الفنية منها في هذه القصة.

6) قصة Painter أو رسّام

قصة Painter أو رسّام - شخص جالس على كرسي وفتاة تضحك
تصوير الكاتب

في الواقع تُعتبر تلك القصة من أكثر قصص (جونجي إتو) نجاحًا مقارنة بجميع أعمال الفنية القصصة الصغيرة الأخرى حصرًا، وهذا يرجع لكونها فريدة من حيث عوامل فنية عديدة. فلدينا فيها الحبكة المتفردة كما توّدنا المانجاكا كالعادة، عنصر الرعب عبر نسج ورسم أشياء غير قابلة للتصديق على الإطلاق وبطريقة مميزة، وأخيرًا الشخصية ذات الهالة والطلّة والحضور الطاغي التي سلبت عيون القرّاء مع أول ظهور لها. وبالتأكيد هذا بجانب بعض العناصر الصغيرة الأخرى مثل سلاسة تتابع الرسومات والصفحات وأيضًا كون النص متزنًا وبعيدًا عن المطّ وخلق الأحداث التي لا طائل تُرجى منها.

تتحدث القصة عن رسّام عبقري وشهير كان يتجول في أحد المعارض الفنية الخاصة به ليأخذ آراء الحاضرين هنا وهناك، وفجأة يرى فتاة تُعتبر آية مُتجسدة من آيات الجمال. جذبته الفتاة بشدة لدرجة أنه ركّز فيها أكثر من غرضه الرئيسي، ألا وهو السؤال عن رأيها. وبغتة قالت الفتاة أن هناك العديد من الرسامين الذين حاولوا رسمها ومُحاكاة جمالها الطبيعي في صورة لوحات مرسومة، لكن في الواقع لم يستطع أي منهم تحقيق تلك المعجزة ونقل جمالها الساحر في صورة لوحة مستديمة. لذلك تحدته تلك الفتاة بأن يرسم لها لوحة ويُجرّب مهاراته الفنية في تجسيد ذلك الجمال فعلًا، ولنرى إذا كان فعلًا رسامًا عبقريًّا أم أنه مُجرّد حديث فارغ.

يقبل الرسام بالفعل ذلك العرض ويشرع في رسمها مرة خلف مرة خلف مرة، وفي كل مرة تقول أن اللوحة لا تُماثل ولو كسرًا بسيطًا من مُعدّل جمالها الحقيقي. ومع ذلك الفنان لا ييأس ويحاول مرات ومرات دون ملل أو كلل حتى كاد أن يفقد عقله. وفي يوم من الأيام يكتشف أنه ليس الضحية الوحيدة لجمالها الأخّاذ، فهناك نحّات شهير أيضًا قد توقف عن أعماله القوية في الوسط الفني وكرّس حياته كلها من أجل خدمة تلك الفتاة خارقة الجمال وتجسيد تقاسيم جيدها المتناسقة على هيئة تمثال منحوت على درجة عالية من الدقّة والإبداع. لكنه بائس مثله مثل الرسام بالضبط. فما حقيقة تلك الفتاة الغامضة وهل سيستطيع فعلًا في النهاية أن يصنع الفنان لوحة تُرضي غرورها؟ هذا ما ستعرفوه عند قراءة القصة.

من الناحية الفنية فالقصة رائعة جدًا فعلًا، وأنا شخصيًّا أُعجبت بشخصية تلك الفتاة الغامضة والذي تفعله في البشر بسبب جمالها الخارق. ذلك الجمال الذي في الواقع يحوي بين طياته قبحًا وتشوهًا دائمًا لا يراه الكثيرون. تلك الفتاة أيضًا يقبع خلفها سر عظيم أظهره المانجاكا في آخر صفحة بعد الكثير من المواقف والأهوال المرعبة والمريرة التي مر بها أبطال الأحداث، ليصنع صفحة من أبدع ما رسم (جونجي) خلال مسيرته الفنية كلها. والجدير بالذكر أن تلك القصة أعجبت المانجاكا نفسه لدرجة أنه قرر صنع سلسلة ومانجا كاملة عن تلك الشخصية بعينها، وبالفعل صنع مانجا Tomie العبقرية والتي صارت واحدة من أكثر مانجات الرعب مبيعًا على مستوى العالم!

– تعليق المانجاكا:

لقد رسمت سلسلة Tomie مباشرة بعد ظهورها المبدئي في تلك القصة، لكن الأستاذ (هارادا) المُحرر الخاص بس سألني إذا كنت سوف أُولي الاهتمام للسلسلة الطويلة وأؤخر الأمور في تلك القصة أم لا. فلذلك قررت أن تكون تلك القصة القصيرة هي الفصل الأول من السلسلة. تلك الفتاة تُريد ان تُسجل جمالها الحيّ، لكن لسبب ما غير معلوم، فهي تظهر في الصور على أنها وحش قبيح.

لذلك قررت تلك الفتاة أن تجعل نفسها خالدة في اللوحات والمجسمات المنحوتة… وهذه هي الفكرة. وبهذا أصبحت تلك القصة هي أول فصل في سلسلة المانجا الجديدة، وسخرت الكثير من وقتي وشغفي من أجل إظهر خصائص تلك الفتاة الغريبة. أتذكر عملي بشكلٍ مٌضنٍ كي أُظهر مدى جمالها وسحرها الفعلي.

7) قصة The Long Dream أو الحلم الطويل

قصة The Long Dream أو الحلم الطويل - شخص يجلس مقهورًا وينظر للأمام
تصوير الكاتب

حسنًا، هنا لما وقفة بالتأكيد يا قوم. ففي هذه المانجا القصيرة المانجاكا ابتعد تمامًا عن فئة الرعب الدموية، الصراخية، أو حتى الفجائية. فقرر في هذه المانجا فعلًا أن يُقدم نوعًا فريدًا من الرعب ولا يستطيع معظم كتّاب الرعب التعامل معه بسهولة، وهو الرعب النفسي. وفي هذه الفئة يحضرني بالتأكيد كاتب الرعب الأشهر (ستيفن كينج) الذي كتب عشرات الروايات التي تندرج أسفل ذلك التصنيف، وأظهر براعة منقطعة النظير في آلية صنعها وسردها وقولبتها بطريقة مميزة وقوية. و(جونجي إتو) لا يقل عنه براعة هنا، فقد قدم فئة الرعب النفسي في قالب من الدراما العلمية. فذلك المزيج نادرًا ما نراه في الأعمال الفنية على وجه العموم، فما بالك بالنسبة إلى شريحة فن المانجا على وجه الخصوص؟ فهذا هو وجه التميّز فعلًا.

تبدأ القصة عندما يدخل أحد الأشخاص المشفى ليقول للطبيب أنه يُعاني من الأحلام الطويلة. ففي الزمن الخاص بالحلم يُمكن أن يكون قد قضى يومًا كاملًا في مكان ما وهو في الواقع لم ينم كثيرًا. والمشكلة أن فترة الأحلام تتزايد، حتى يحلم الشخص بأنه سافر إلى الغابات وقتل أسدًا ثم عاد إلى منزله وبعدها انطلق في مغامرة أخرى. فوصل به الأمر إلى أن أحلامه قد تخطت حاجز الأسابيع والشهور لتصل إلى السنين والعقود. وبالطبع كل هذا يؤثر على صحته العقلية والجسدية والنفسية بالكامل. الآن ليتأكد الطبيب من كل ذلك يُقرر أن يحجزه بالمشفى لفترة طويلة من أجل عمل بعض الفحوصات اللازمة.

فلاحظ الطبيب نشاطًا دماغيًّا عجيبًا على شاشات قياس النشاط العصبي، مما يدل على أن الشخص حقًا يحلم أحلامًا لا يمكن للبشر العاديين أو يحلموها، أو تحملوها حتى إذا حدثت لهم. ومن الناحية الأخرى فهو في الواقع لا يبدو عليه أي تأثُّر فعلي بالذي يحدث له في الحلم، فكل شيء في النهاية يدور بداخل رأسه، لكنه من الخارج ساكن تمامًا ولا يقوم بأي شيء خارق للطبيعة أو يستدعي الانتباه. حالة تلك الرجل أخذت في التدهور شيئًا فشيئًا حتى خرج عن السيطرة وبات يتجول في أروقة المشفى ليُخيف المرضى ويسبب الفوضى هنا وهناك. الآن يجب على الطبيب التدخل، الآن الطبيب على وشك اكتشاف شيء سيقلب مسار كل شيء بالكامل!

القصة فعلًا جميلة جدًا على صعيد الحبكة والرسم، خصوصًا رسم مراحل تطور شخصية المريض البطل منذ أن أتى إلى المشفى، وحتى نهاية القصة. وعلى ذكر نهاية القصة، فأنا حقًا أرى أن تلك النهاية عظيمة جدًا وتستحق أن تكون واحدة من أجمل وأبدع نهايات قصص (جونجي إتو) القصيرة حصرًا. ففي بعض القصص قد تجد نهاياتها مبتورة وغير متناسقة قليلًا، لكن هنا النهاية حقًا منسوجة بعناية ومتوافقة مع الفكرة وبها من المنطقية الكثير فعلًا. بجانب أن عنصر التشويق فيها كان علميًّا، فبالتالي استطاع (جونجي) استمالة القرّاء الذي يحبون الخيال العلمي والخوارق التي تستند إلى العلم بشكلٍ أو بآخر.

– تعليق المانجاكا:

عندما كنت صغيرًا، حكت لي أُختي الكُبرى تلك القصة المذهلة التي سمعتها من أحدهم. وكانت تتمحور حول فكرة أنه عندما ينام المرء ويحلم، يكون كل شيء عبارة عن لحظة واحدة فقط. فلا يهم مدى طول الحلم، فالوقت الذي أنت تحلم فيه فعلًا بالواقع هو لحظات ليس إلا. فوجدت تلك الفكرة مثيرة للاهتمام، الفرق بين الوقت الحقيقي والوقت الوهمي، وقت الوعي ووقت اللا وعي، الغرابة الكميّة للزمان والفراغ، حقًا كانت مثيرة.

وبهذه البذرة الصغيرة، كتبت نصف رواية كاملة عندما كنت في المدرسة الثانوية أو الإعدادية. وكانت تتحدث عن آلية مُميزة قادرة على منح البشر أحلامًا أبدية في لحظة الموت. إذا دخلت حلمًا أبدية قبل لحظة وفاتك الأخيرة، أليست هذه تُعتبر حياة أبدية؟ كانت هذه هي الفكرة. لم أقدر على تركها هكذا دون استغلال، لذلك انتظرت الفرصة التي سأحول فيها تلك الفكرة إلى مانجا رعب. لذلك انتظرت للوقت المناسب الذي أكون فيه متفرغًا، ورسمتها بالفعل. كانت عبارة عن ثلاثين صفحة فقط، لكنني واثق أنها أخذت مني حوالي شهرين بالكامل لإتمامها.

والجدير بالذكر أن المؤلف والروائي Katsuhiko Takahashi كان لطيفًا بالدرجة الكافية حيث تكلم بشيء من المديح عن هذه المانجا، وبناء عليه أعطاني ثقة في نفسي وأعمالي أيضًا. وبالنسبة إلى قضية كوننا نحلم أحلامنا فعلًا في لحظة واحدة من العدم أم لا، فنفسي الحالية لا ترى أن هذا حقيقي. وبالنسبة إلى احتمالية طريقة حديثنا سوف تتغير على مدار مئات السنين أم لا، فأنا لدي ثقة كبيرة في كون هذا جائزًا.

8) قصة Honored Ancestors أو الأسلاف المُشرَّفون

قصة Honored Ancestors أو الأسلاف المُشرَّفون - شخص يزحف على ظهره
تصوير الكاتب

لا أُخفي عندك سرًّا، فهذه القصة على وجه الخصوص من القصص التي أرسلت نبضات من القشعريرة القوية جدًا سرت في حبلي الشوكي كله حتى جعلت رأسي تنبض وجسدي يرتجف. ففيها بعض المشاهد التي تجعلك تقف أمامها مُندهشًا من قدر التفاصيل والغرابة والجنون الذي وصل بالمانجاكا لرسم شيء كهذا. وإذا كان قلبك ضعيفًا ولا يتحمل الرعب الشديد، فلن تكتفي بقط بالدهشة، بل سينفتح فاهك على آخره من هول الصدمة التي أمامك. لماذا نقول هذا هذا؟ حسنًا، دعونا نتحدث عن القصة قليلًا.

تبدأ القصة عندما تحلم فتاة مسكينة بالعديد من الكوابيس والكائنات الشوكية الزاحفة إليها على الدوام. فتذهب إلى الطبيب للتأكُد من أن كل شيء بخير، وفي الواقع تكون سليمة جسديًّا بالكامل، ويُحاول حبيبها دائمًا الترويح عندها بقول أن كل تلك هي أحلام فعلًا، وإذا كانت قد تجسدت لها في الواقع فما هي إلا هلاوس بصرية وسمعية تحدث للكثير من البشر إثر الإجهاد النفسي والعصبي اللذان يُعانون منهما كل يوم، بل كل ساعة أيضًا. وتلك الهلاوس تسبب لها فقدانًا للذاكرة جعلها بالتدريج تتناسى الأيام الجميلة التي قضها مع صديقها. فلذلك يُقرر الصديق والحبيب الترويح عنها، وذلك من خلال زيارة إلى منزله لرؤية والده.

تدخل الفتاة منزل الفتى لتجد أن الوضع عاديّ تمامًا ولا تحتاج للقلق على الإطلاق، بالرغم من أن شعور عدم الراحة ينتابها منذ أن دخلت المنزل بالفعل. جلست بهدوء لتجد أن والد الفتى يخرج من الباب ليقابلها ويُحييها على المجيئ إلى منزلهم المتواضع، لكنه لم يدخل كما البشر العاديين ليُصافع باليد ويُسلّم بحرارة. بل فتح الباب بقدمه ودخل زاحفًا على ظهره إلى غرفة المعيشة وجسده بالكامل بالخارج ماعدا رأسه يختفي خلف الباب، ليُحييها ويعود من جديد زاحفًا للخلف. الآن هذا شيء غريب فعلًا!

يتحجج الفتى بأن والده مريض جدًا ولا يستطيع المشي كالبشر الطبيعيين بعد الآن، لكنه بالرغم من ذلك أراد أن يُحييها. لكن تحدث فجأة فاجعة كبرى ويصبح هذا العجوز على شفى الموت. فيطلب الفتى من الفتاة المسكينة المجيئ لتواسيه في تلك اللحظات الأخيرة. لتكتشف أن هذا العجوز ليس شخصًا طبيعيًّا على الإطلاق، وأن تلك العائلة بها سر مُخيف ومرعب إلى أقصى حد، سر الأسلاف المُشرَّفون!

– تعليق المانجاكا:

بدأت التفكير في تلك القصة بصورة وحش متصل الرؤوس. وكانت تلك الرؤوس هي رؤوس أسلافه، وتلك الرؤوس تعيش بشكل تطفلي على جسد الخط العائلي الذي يلي هؤلاء الأسلاف واحدًا تلو الآخر. عندما أكون حاصلًا على تلك الفكرة من البداية، يكون نسج خيوط القصة أمرًا سهلًا. فكل ما أحتاج إليه هو التحرك بتؤدة ناحية الصورة. لقد اعتدت على ذلك  طويلًا. فعندما تنفذ مني الأفكار، أكتب القصة عبر إجبار بعض الصور على أن يظهر وتتشكل في رأسي. وفي تلك الحالات، يكون المجهود كبيرًا فعلًا. ومؤخرًا، كان هذا المجهود هو حياتي.

والمشهد الذي ظهر فيه الفتى وهو يحمل جميل رؤوس أسلافه وهو مفترش للأرض بظهره وشارع في الجري خلف الفتاة منقلب الوضعية، كان مشهدًا أنا فخور لصنعه. لكن لاحقًا عندما ظهر فيلم The Exorcist، اكتشفت أن هناك ما يُدعى بـ”مشية العنكب”، وكنت محبطًا نوعًا ما وقتها لسماع ذلك.

9) قصة Greased أو مُشحَّم

قصة Greased أو مُشحَّم - فتاة تنظر إلى الأعلى ويهبط عليها سائل لزج
تصوير الكاتب

المميز في تلك القصة هو أنه عندما تُنهيها يُمكن أن تُفسر مغزاها بأكثر من طريقة عبر فهمك للأحداث بمنظورك الفكري الخاص. فيمكن أن تقول أن كل تلك الأحداث حصلت بالفعل لبطلة القصة، لكن في عقلها الباطن لأن كل هذا لا يمكن أن يحدث في الواقع فعلًا، فبالتالي ترى القصة بمنظور فلسفي بحت وبه تستنتج أن هدف القصة هو تسليط الضوء على العنف والتسلّط الأسري وكل تلك القضايا الشائكة. أو من الناحية الأخرى ترى القصة على أنها حدثت في الواقع فعلًا، وهنا تنظر للقصة بمنظار الرعب، لتجد أنها في الواقع قصة منسوجة على قدر كبير جدًا من البراعة فعلًا، واستطاع فيها المانجاكا اللعب على أوتار أعصاب القارئ بطريقة مميزة جدًا وتدفع الأدرنالين في العروق دفعًا!

أراهن أنك عزيزي القارئ لمن البشر الذين يتقززون تمامًا من الشحوم والأشياء التي تدعو للصق الأشياء ببعضها البعض بطريقة لزجة وغير قابلة للإزالة بسهولة. ففي الواقع، من منا يجب تلك الحالة اللزجة على كل حال؟ فدائمًا نهرع إلى المياه الباردة من أجل الانتعاش ونفض عناء وعرق اليوم كله عن كاهلنا وجسمنا كلما شعرنا بالتعب أو التقزز. لكن ماذا إذا قلت لك أنك الآن بطل قصة وتعيش في منزل بالكامل مُغطى بالشحم والزيت اللزج الذي خالط صفاره سواده وأصبحت تعيش في حالة من التقزز واللزوجة حرفيًّا؟ هذا شيء لا تستطيع أن تتخيله فعلًا ومُجرد التفكير فيه يدفعك للاشمئزاز أليس كذلك؟ لكن هذا واقع بطلة تلك القصة فعلًا يا عزيزي.

فبالرغم من أن العالم من حولها مُنعش ومُبهج وفاتح اللون، إلا أن عالمها الصغير في المنزل قاتم وخانق ومُعتم اللون. فوالدها يعمل كصاحب مطعم (باربيكيو)، والمطعم هو هو المنزل. لكن المطعم للأسف التهوية فيه رديئة للغاية، فبالتالي ومع مرور الوقت غطى الشحم كل شبر في المنزل، حتى إذا استندت الفتاة إلى الحائط وعادت للاستقامة مُجددًا، ستتسخ ملابسها بالكامل بتلك الشحوم الزيتية المقززة. ووالدها شخص ذو بشرة شحمية أيضًا، وأخوها الكبير هو فتى متسلط وعدواني إلى أقصى حد ويشرب الزيت كما الماء ويتنمر عليها على الدوام بينما الأب لا يفعل شيئًا حيال ذلك.

الآن ومع مرور الوقت تزداد نسبة تشحّم المنزل بالتدريج، وكلما تزيد النسبة، تتلفظ الفتاة بتلك النسبة الجديدة وتتمنى أن يتوقف كل ذلك وترتاح من هذا العذاب مرة وللأبد. لكن ترتفع النسبة باستمرار، ومعها تحدث تغيّرات عنيفة في المنزل، فبالتالي تتبدل شخصيات قاطني المنزل أيضًا. الآن بدأ الأب يتخذ إجراءات خطيرة لأن المطعم على وشك الإفلاس ولا توجد لحوم. فماذا سيفعل الأب المجنون يا تُرى من أجل الحفاظ على تجارته الشحمية الأثيرة؟ وماذا سيكون دور الشحم والزيت في ذلك؟ هذا ما ستعلموه عند قراءة تلك القصة الحزينة والمُقبضة فعلًا.

– تعليق المانجاكا:

في البداية كانت تتأرجح في مخيلتي صورة سرير ياباني أرضي تفوح منه رائحة الزيت المزعجة. في المدرسة الفنية الخاصة بالأسنان التي ذهبت إليها في Nagoya كانت عبارة عن مؤسسة بوذية، فبالتالي كانت هناك دراسات بوذية أيضًا. أكاد أُجزم أننا كنت في (ميه)، لكن على أي حال فقد مكثنا في ذلك المعبد عدة أيام لنقوم بجلسات تأملة بآلية الـZazrn وتلونا العديد من الصلوات بينما ننقر على صخور الـMokuguo الخاصة بالمعبد. وأيضًا بالتأكيد قمنا بالتنظيف بداخل المعبد وبالأراضي الخاصة به، لكن الشيء الأصعب كان عندما كنت نذهب إلى أسرّتنا ليلًا.

فالأسرّة التي كانت لديهم بالمعبد لم يتم تهويتها لسنين طويلة، كما لو كانوا يحتفظون بتلك الأسرّة القابلة للطي في الخزانات من أجل أن تتعفن فحسب، وكانت تلك الأسرّة ملونة باللون البني نتيجة لعرق الطلاب البوذيين الذي ناموا عليها كثيرًا، وكانت بها بقع صلبة لا تتزحزح. النوم على تلك الأسرّة اللزجة في الجو الحار للصيف، كان حقًا تميرنًا صعبًا للزهد في الحياة. فلذلك أردت أن أُجسد عدم الراحة تلك في المانجا.

عندما قررت أن أتخذ الزيوت كمحور لقصتي، ظهرت العديد من الأشياء الأخرى في مخيلتي أيضًا، مثل البثور. عندما كنت مراهقًا، كانت لدي بشرة مريعة فعلًا، وكنت أعتصر الكثير من السوائل من البثور الضخمة التي كانت في مقدمة رأسي! وقلت لنفسي إذا تحدثنا عن معدلات الرطوبة التي تنعكس على معدلات تندّي الهواء، فسيكون من الجيد إذا ذكرنا أيضًا شيئًا يعكس نسبة الزيت في الهواء. وفي الواقع كنت أتمنى أن أطرح مصطلحًا أفضل من (مؤشر الزيت)، لكنني لم أستطع.

تلك القصة هي عبارة عن تجمّع للعديد من الأشياء غير المريحة في مكان واحد، وبما إنني متأكد أنها سوف تُسبب العديد من المشاكل لكم أيها القرّاء، لذلك قررت كتابة هذا التعليق وأنا أؤنب نفسي وأتلو الصلوات. فليحيا Lotus Sutra!

10) القصة الإضافية، قصة Fashion Model: Cursed Frame أو عارضة الأزياء: الإطار الملعون

القصة الإضافية، قصة Fashion Model: Cursed Frame أو عارضة الأزياء: الإطار الملعون - سيدة قبيحة تظهر في صورة مع فتاتين جميلتين
تصوير الكاتب

وهذه هي القصة الإضافية التي نُشرت في هذا الكتاب على وجه الخصوص بشكلٍ حصري ولم تُنشر في أي مكان آخر على الإطلاق، لتكون علامة مُميزة لهذا الكتاب دونًا عن غيره. والتي يستكمل فيها (جونجي) قصة عارضة الأزياء القبيحة والمجنونة ذات الأسنان الحادة كالبراثن القاطعة.

تبدأ القصة عندما تتقدم شابة يافعة بطلب وظيفة لتعلم كعارضة أزياء لدى وكالة أزياء كبيرة، لكنها تكره بشدة أن يظهر جسدها بالكامل في الصور، فهي تخاف أن يتم التقاط وحبس جسدها في الصور، لكنها تتقدم للوظيفة على كل حال. وهناك تُقابل عارضة الأزياء القبيحة تلك.

الآن تأخذ تلك الفتاة الأضواء قليلًا بالرغم من أنها لا توافق على صور الجسد الكُليّ التي تم أخذها لها، وفي ظل كل تلك التناقضات تزورها تلك العارضة المرعبة في منزلها فجأة. وصدقًا، النتيجة غير سارة على الإطلاق!

من الناحية الفنية فالقصة الإضافية جميلة جدًا بالرغم من قصرها، وقد أبدع (جونجي) فعلًا في رسمها، خصوصًا المشاهد التي تظهر فيها أنياب تلك العارضة القبيحة. كما أنني أُحب أن أُشيد جدًا باللوحة الفنية الدموية التي رسمها المانجاكا في الصفحة الأخيرة من القصة.

وفي الختام

المانجا (جونجي إتو) هو فعلًا واحد من مانجاكا الرعب حول العالم الذين يصنعون أعمالًا فنية تستحق القراءة، فهو يحاول بشتى الطرق أن يُبدع في أعمال الفنية، ويعمل كل عمل منفردًا بكتلة من الطاقة والشغف لا مثيل لهما. اليوم تحدثنا عن قصص كتاب Shiver الذي ساهم في تخليد اسم ذلك المانجاكا العبقري أكثر وأكثر. قريبًا سوف تُصدر دار النشر الأمريكية المزيد من الكتب التجميعية له، والتي سأحرص على شرائها باستمرار وتقديم تحليلات وتغطية شاملة لها مثل مقال اليوم بكل تأكيد. أتمنى لكم ارتعابًا سعيدًا يا أعزائي!

مقالات ذات صلة

إغلاق