منوعات

فيلم You Were Never Really Here: أداء مُذهل، فكرة جيدة ونهاية مفتوحة

بين هذا العدد الهائل من الأفلام التي تُنتجها هوليوود كل عام، فقط عدد ضئيل هو ما يُحتم علينا مشاهدته والجلوس في قاعات السينما أو أمام الشاشات لكي نراقب بشغف ماذا سيحدث؟ نجلس في سكون لكي نؤول الأحداث ونفسر النهايات. والعادة أن جميع الأعمال الفنية ترنو للمراتب السامقة، تتطلع لجمع الأموال وحصد الجوائز في المهرجانات العالمية. لذا بات القائمين على هذا النوع من الفن والذي يعتبر الفن الأول عالمياً يسعون في فرض تأثيرهم وطرح فكرتهم على المجتمع السينمائي والمدني على وجه الخصوص، وينشدون ترك بصمة معرفية في عقول الناس وترك علامة استفهام كبيرة على وجه السينما. ولآن معظم الأفلام يُحَجّم تأثيرها وتختفي بمرور الزمن، أضحى القائمين على الأعمال الفنية يدققون في اختياراتهم ويفجرون مستودعات فكرية مختلفة عن الكليشيهات المطروحة في الآونة الأخيرة.

هنا نجد هذا النوع من الأفلام الذي يتركك في النهاية لا تفهم شيئاً، منوم مغناطيسياً بفعل العمل الفني المُبهر والأداء الخارق للعادة، ولكنك تحتاج لأن تفكر أكثر في هذه النهاية، تتعمق أكثر في فلسفة الكاتب والمُخرج لكي تخرج بثمرة لذيذة الطعم. هذا الفيلم مليء بالفكر والأداء المُبهر. الذي يصدمك حرفياً بعد نهاية الفيلم.

*تنويه المقال يحتوي على حرق للأحداث*

Imdb.com
Imdb.com

القصة

هذا الرجل (جو) جندي سابق مُحطم نفسياً، تعيس، كئيب وقوي. ربما يكون قاتل مأجور أو بطل مغوار يعمل في الخفاء، لا أحد يعرف! ولكن ما نعرفه أنه يسعى للحياة والرزق عبر تنفيذ مهمات يكسب منها بعض المال. يُقحم (جو) في عملية استرجاع فتاة صغيرة السن من بيت دعارة يستغل الفتيات اليافعات تحت السن القانوني لممارسة الجنس معهم، ابنة عضو كبير الشأن في مجلس الشيوخ الأمريكي. فتاة غامضة مُبهمة صفعتها الحياة بقسوة بانتحار أمها، فهامت على وجهها هاربتاً من والدها.

مُزَوداً بعنوان منزل غامض وصورة الفتاة المطلوبة ومطرقته الحديدية، كُلف (جو) بمهمة استرجاع الفتاة. قبع جو بعض الوقت خارج المنزل في ترقب حتى مَرَقَ داخل المنزل معداً سلاحه الذي لم يلبث عن انهال على أجساد الحراس مُهشماً عظامهم الصلدة. تلاهم الرجال القاتنين في هذا المنزل لممارسة الدعارة مع الفتيات الصغيرات، لقد فجر غضبه على عظامهم الغليظة ووجوههم المُجحفة.

Imdb.com
Imdb.com

ثم أخذ الفتاة إلى الفندق المتفق عليه لكي يسلمها إلى والدها، ولكن لم تسر الأمور على ما يرام، فوجئ (جو) بمجموعة من المسلحين يقتحمون عليه الفندق ويأخذون الفتاة ولكنه استطاع أن يفتك بأحدهم لكي يهرب وينجو بروحه.

بعد ذلك يتسلل إلى منزله من الباب الخلفي ليجد والدته مقتولة برصاصة في غرفة نومها. أمه هي الشيء الوحيد الذي كان يجعله يتشبث بالحياة قد ذهبت إلى الأبد. لقد وجد الأمر أشبه بكعكة وقد فسدت على حظه السيء. شعر (جو) بالحركة في أرجاء المنزل. وبحذرٍ تحرك وقتل أح الحراس وأصاب الأخر أصابه أودت إلى موته خلال أقل من ساعة.

Imdb.com
Imdb.com

وحينها أخذ أمه المسكينة، شعلة الحب الوحيدة في حياته قد انطفأت، لمسة الحنان التي كانت تبعث فيه الروح، طمستها الأرواح الشريرة. أخذ أمه لكي يواري جثتها في النهر، ويتوارى معها. لم يكن يشعر بالقيمة أو بالروح التي تبعث النشاط لأجزاء الجسد لكي يندفع للأمام. كان في حُكم الميت. لذا قرر الانتحار.

جمع بعض الصخور الثقيلة، وضحها في جيبه وداخل قميصه، تحرك داخل النهر مدفوعاً بقوة خفية مُحركة، أزداد النهر عمقاً حتى غطا كل الرأس والجسد، وأخذ يهبط لأسفل، أخذ يزداد ثقلاً ويندفع نحو موته، ولكن في خضم هذا الصراع بين الموت والحياة، وهو يهبط لأسفل يرى الفتاة الصغيرة تغرق معه نحو الموت، كلما أقترب من الموت لاحقته هواجس مُخيفة بغرق هذه الفتاة المسكينة.

Imdb.com
Imdb.com

لا يملك قلباً ولكنه أذعن لهواجسه، شكله مخيف ولكن رق قلبه لهذه الفتاة المسكينة، قرر العودة من رحلة الجحيم، قرر العودة للجحيم الحقيقي على الأرض لكي ينقذ هذه الفتاة من الموت. لأنه إذا غرق غرقت معه في الحياة الدنيئة. هو الوحيد القادر على خلاصها.

الشخصيات والأداء التمثيلي

شخصيات هذا الفيلم مكتوبة بعناية فائقة، وهي نتاج فكر رصين وقلم متوهج. شخصية (جو) من أفضل الشخصيات التي شاهدتها في حياتي، إذا تفحصنا الشخصية من بداية الملابس حتى الأداء الصوتي واللحية المتلبدة ستتكشف لدينا عدة حقائق حول أن الشخصية ليست برصانة كتابتها فقط، ولكن بثِقل الممثل الذي بدوره يضفي على شخصيتنا هنا نزعته القوية إلى الاختلال والتخلص من رتابة الحياة الراكدة.

يعتبر الممثل (خواكين فينيكس) من الممثلين ذو الموهبة الفذة الحرة، الذي ولسوء حظه لم يحظى بالاحتفاء الكافي والصيت الذي يستحقه في عالم هوليوود، ولكن أظن أنه يهتم بهذه الأمور، هو فقط يركز على الشخصية الذي يرتدي ثوبها ويُحسن جر أذيال القصة ليربطها بالشخصية برباط مُقدس قوي، فتراه يلتف بمعطف الموهبة لكي تُظهره حواشي ثوبه كالكائن الجبار ذا الحضور الطاغي والعينين الجبارتين.

وقد شاهدنها قبلاً في التحفة الفنية الخالدة Gladiator بشخصية (كومودوس) الجامدة الأنانية الرائعة، وشاهدناه أيضاً في الفيلم العظيم Her بشخصية مختلفة تماماً، ثم الفيلم الرائع The Master، ثم الآن نشاهده بشخصية رائعة مختلفة عن أي شخصية أخرى. أنه حقاً ممثل رائع.

Imdb.com
Imdb.com

أحسن (خواكين فينيكس) في تقمص شخصية (جو) فترا الألم في عينيه الجاحظتين وتشعر بالخيبة في عطفات جسده وندبات جسمه المُعذب، وتشتم رائحة الموت من مشاهد طفولته القاسية.

الشخصية الأخرى في هذا الفيلم هي شخصية الفتاة اليافعة (نينا) التي تتميز بالجمال الصارخ والعينين الباردتين، لا تلبث أن تستشعر بالغضب واللامبالاة يصرخون من عينيها الجامدتين، لا شيء يهم، لا شيء مفيد، لا شيء يؤثر. ورغم هذا الجمال الرائع سيتسلل لك شعور أن هذه الفتاة جامدة بلا قلب مثل قاتل مأجور مهجور منطوي على ذاته.

قد أدت الممثلة الروسية اليافعة (ايكاترينا سامسونوف) ذات الخمسة عشر عاماً الدور بكل حرفية، لم تنطق بالكثير من الكلمات ولكنها وبلغت العيون المُحركة للنفس استطاعت أن تضرب مثلاً للفن الصامت الذي يدفع القصة للأمام ويضيف لها شخصية قوية.

Imdb.com
Imdb.com

شخصية الأم للمثلة (جوديث روبرتس) التي أدت الدور على أكل وجه، سيدة عجوز شمطاء ولكنها كعادة كبار السن حنون ومحبة لابنها أشد الحب، تفتقده دائماً وتشعر بالحاجة إليه لكي ينقذها من حياتها البائسة ولكنه دائماً في سباقاً مع الرزق.

الإخراج

إذا كان ثمة شيء رائع في هذا الفيلم فسيكون التمثيل ولكن الإخراج كان ممتاز، تميز بالواقعية والكادرات التصويرية والرائعة. تميز الفيلم بنظرة مبهمة غائمة عن الواقع ولكن وضع لنفسه ركيزة أساسية وهي مشكلة الإتجار بالصغار واستغلالهم وامتصاص شبابهم في وعاء الشهوات الجنسية. ونجح المُخرج في اظهار واقعية المواقف والقضايا ولكنه أهتم بشكل أكبر بالشخصية الرئيسية (جو) الذي وضعه في قالب الإنسان المارق نحو هدفه فقط، ليس له شان بالأشياء الأخرى.

Imdb.com
Imdb.com

ويظهر ذلك عندما أنقذ الفتاة (نينا)، فوجد فتاة صغيرة أخرى تركض ولكنه لم يعيرها انتباهاً قط، فقط أهتم بتهشيم رؤوس الرجال هناك. وهنا يُصَدّر المُخرج وجه آخر ل (جو)، الوجه القاتم الذي تعلمه من الحياة.

الفيلم بوجه عام

الفيلم مميز ورائع وذا فكرة قوية وتنفيذ فريد من نوعه، ربما تكون الحبكة ضعيفة شيئاً ما ولكن الموسيقى التصويرية قد ساعدة في سد الفجوة البصرية المكانية التي أحدثتها الحبكة الضعيفة. والتمثيل أيضاً هو أكثر شيء مميز في الفيلم أداء (خواكين فينيكس) الجبار أضفى على الفيلم القتامة والكابوسية المطلوبة في هذا النوع من الأفلام يجعلنا ننتظر بشغف أعمال أخرى له، لآنه بالفعل ممثل فريد من نوعه وهذا يظهر في قسمات وجهه السيكوباتية وعينيه الشريرتين.

الفيلم يوضح ويُلقى بضوئه على قضية مُفجعة نعاني منها داخل مجتمعاتنا البشعة المُترعة بالأوجه الفضيلة والأخلاق الحميدة ولكن في الباطن تُحركها الشهوات نحو الرزيلة. يوضح لنا دائماً في هذا الفيلم أن القوة تعطي الشهوة المشاحة الكافية لكي تنبسط وتلتهم العقول والقلوب لذلك تجد في الفيلم أن والد الفتاة الرجل الغني القوى هو من يستغلها جنسياً بشكل مثير للشفقة على الاثنين الأب والابنة.

يوضح الفيلم أيضاً أن الأشياء ربما تُفهم بشكل خاطئ، ف (جو) القاتل المأجور، يسير على طريق الصواب رغم أنه يقتل ولكنه يحمي بعض الناس مقابل المال. يمكن للبعض أن يصفه قاتل بعد كل شيء، ولكنه ليس كذلك، وربما ظهر ذلك في الكم الهائل من الغضب الذي تصدر عن (جو)، ربما يكون هذا الغضب نتاج خلفية سيئة أو طفولة مُعذبة كما ظهر في هذا الفيلم من لقطات فلاش باك توضح لنا بشيء من الغموض هذا الجانب المهم من حيات (جو).

من عيوب الفيلم هو الشعور أن الفيلم منقوص، هناك قطعة مخفية يجب عليك أنت أن تخمنها مستعيناً ببعض اللقطات المُبهمة الغامضة المغطاة بغشاء رقيق يمنع الرؤية الكاملة للحدث، أنا أتحدث عن طفولة (جو) القاسية التي لم نستقي منها إلا القليل فيما سبب الشعور بالظمأ لا الارتواء. بعض المشاهدين سينتابهم شعور بالملل والبطء المبالغ فيه في الفيلم، ببساطة لآن الفيلم ورغم تصنيفه كفيلم أثارة وتشويق لكنه يعاني من بطء في سير الأحداث أو بشكلٍ آخر لا توجد الذروة التي تتصاعد فيها الأحداث إلى المؤشر الأحمر إلا عدة دقائق قليلة وهذا يشعر بعض المشاهدين المحبين لأفلام الحركة بالرتابة والملل. ربما نقول أن الفيلم لم يؤدي معظم أهدافه مثل الحركة والأكشن وغيرها ولكنه أدى إلى شيء أعظم من ذلك وهو التساؤل.

هذا النوع من الأفلام الذي يرمي إليك بصنارة مُطعمة لكي تأكلها ثم يجذب رأسك إلى متاهات مُفككة وتشتت، فلا تعرف أين أنت؟ ولماذا يحدث ذلك؟ وأين سيذهب البطل؟ ولماذا فعل الأب ذلك؟ لماذا هناك أشخاص مرضى بالشهوة؟ يتصيد انتباهك بمشهد أول مبهم لا تفهم منه شيء، ثم يتركك في خضم الصراع مع الكثير من التساؤلات التي يفرضها عليك الفيلم، ويدفعك للتفكر والتأمل لماذا يحدث هذا حولنا؟ في آخر الأمر الفيلم مميز جداً من عدة نواحي أكثرها الناحية التمثيلية والموسيقية التصويرية الرائعة، وهو تجربة تستحق أن تخوضها.

مقالات ذات صلة

إغلاق