منوعات

فلسفة لارس (فون ترير) وأفلامه المثيرة للجدل!

تحذير: تحتوي المقالة حرقاً لأحداث بعض الأفلام.

لا شك بأنّك سمعت بمخرج الأفلام المثير للجدل (لارس فون ترير)، سواءً من خلال حادثة مهرجان كان الأخيرة، أو أفلامه المستفزة مثل Nymphomaniac، يعتبر البعض (فون ترير) إنساناً مريضاً، بينما يعتبر آخرون أنّ أسلوبه فقط لجذب الانتباه، ولكن مما شك فيه أنّ (فون ترير) هو مخرجٌ موهوب قادر على طرح أفكار مثيرة للعقل البشري من خلال أعماله العنيفة بل وحتى البشعة.

قام (فون ترير) في عام 1995 بالإضافة إلى المخرج (توماس فينتربرغ) بإنشاء حركةٍ سينمائية فنية سُميَت Dogme 95، انتهت هذه الحركة بعد 10 سنوات ولكن تأثيرها في أفلام (فون ترير) مازال موجوداً، فقد يلاحظ المشاهد أنّ (فون ترير) قد أعطى أهميةً لكيفية سرد القصة بصرياً أكبر من الأداء والعواطف، سنتحدث عن بعض قواعد هذه الحركة التي أسسها المخرجان كما سنقدم مجموعة أفلام لـ (فون ترير) ونوضح الأفكار والاتجاهات الفلسفية التي تتناولها

يستخدم (فون ترير) العديد من الأساليب السينمائية في أفلامه لخدمة قصة الفيلم، إنّ اعتراض العديد من النقاد والمتابعين على استخدامه للعديد من المشاهد الصادمة والعنيفة والجنسية في أفلامه والتي لا تخدم غرض القصة هو اعتراض ليس في محله، فهدف (فون ترير) هو إيصال مشاعر المشاهد إلى القمة.

يمكن اعتبار أفلامه كوجبةً حارة جداً، البعض لا يستطيع إكمالها بينما يقوم الآخرون ربما ضد إرادتهم بإكمالها للبحث عن الإجابات.

1. فيلم The Idiots عام 1998

رجل على كرسي متحرك يجلس على شحرة مجموعة من الأشخاص يدعون أنهم مقعدون فيلم الحمقى The Idiots
cinemaneuf.no

تقوم مجموعة من الأشخاص في ضواحي كوبنهاجن بكسر القواعد والتحرر من قيود المجتمع والمشاكل الشخصية لكل منهم من خلال ادعائهم الإعاقة العقلية والجسدية.

تنضم (كارين) في البداية إلى مجموعة الشباب لتشرح لهم أنّ ما يقومون به يعد إساءة إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن الخطأ ادعاء مجموعة من الأشخاص الأصحاء عقلياً وجسدياً المرض، إلّا أنّ (كارين) سرعان ما تنجذب إلى معتقداتهم، وتصبح واحدة منهم.

بعد مضي فترة من الوقت، يعود المغفلون إلى حياتهم الطبيعية وينسون تجربة الثورة التي خاضوها، إلّا (كارين) فهي ترفض إنهاء ادعائها وتعود لعائلتها، وعندها نعلم المأساة الحقيقية لماضيها.

يقوم (فون ترير) بتصوير غباء هكذا ثورة، فهؤلاء الأشخاص يبررون قيامهم بهذه الثورة من أجل إيجاد المغفل داخل كل واحد، ولكن يملك هؤلاء المغفلين الوقت الكافي باعتبار أنّهم من طبقات المجتمع الراقية فهم ليسوا مضطرين للعمل، بينما (كارين) المرأة المضطربة، ليست كذلك، فهي لا تعتبر ذلك مضيعة للوقت أو للتسلية أو الحجة الواهية سابقة الذكر، هي تقوم بثورتها الخاصة للهروب من الصدمات النفسية والعاطفية التي لحقت بها.

إنّ فكرة الثورة على المجتمع أو الهروب من المشاكل يمكن أن تصوّر بطرقٍ أخرى بعيدة عن ادعاء الإعاقة، فهذه طريقةٌ جارحة وغير مقبولة اجتماعياً ومسيئة.

2. فيلم Dogville عام 2003

نيكول كيدمان تتحدث إلى بول بيتاني أمام مكتب في فيلم Dogville
Pinterest

لعله أنجح وأفضل أفلام (فون ترير)، كما أنّه الأقل تحريضاً عند طرح أفكار مهمة وقوية، يحكي الفيلم قصة (غريس) -التي تلعب دورها (نيكول كيدمان)- الهاربة من المافيا والتي تصادف في طريقها بلدة صغيرة يعد سكانها بأنّ يبقوها بأمان.

نرى في الفيلم محاولاتٍ عديدة للسكان المحليين لحماية (غريس)، ولكن عليها أن تدفع ثمناً لذلك وهو أن تعمل لديهم، مع الوقت تصبح هذه الصفقة مكلفة جداً لـ (غريس)، حيث يبدأ السكان المحليون الطيبون باستغلال حاجة (غريس) وضعفها في شتّى الطرق، حتى أطفال المدينة أصبحوا عنيفين تجاهها، في النهاية تتمنى (غريس) عودة المافيا، وتعود للانتقام من سكان البلدة بحقد واضح على ملامحها.

بعيداً عن القصة، فإنّ إحدى قواعد Dogme التي وضعها هو وزميله تمنع المخرج من استخدام مكان للتصوير غير الموقع الطبيعي، فلا يسمح باستخدام الـ Sets مثلاً، إلّا أنّ (فون ترير) قد صور الفيلم في مكانٍ يشبه المسرح، وكانت جدران البيوت عبارة عن حدود مرسومة على الأرضية.

إنّ استغلال (غريس) من قِبل ذكور البلدة، الأحاديث التي تدور حولها والمعاملة السيئة التي تلقاها، كل هذه الأشياء، تعود بالسوء والضرر على القرية والعقاب التي تلقّاه سكانها، أراد (فون ترير) أن يرينا أنّ كل حديث أو فعل سواء كان صغير أو كبير تقوم به، فإنّك مسؤول عنه.

كما أراد أن يظهر الطبيعة البشرية الشريرة -كما هو الحال في العديد من أفلامه-، فأي إنسان مهما كان طيباً ويريد الخير للآخرين، سرعان ما سيتحول عند إعطاءه السلطة إلى قوةٍ شريرة تطمع بالمزيد وتستغل الأضعف كلما أتيحت لها القوة، هذه هي وجهة نظر (فون ترير) في هذا الفيلم على الأقل.

3. فيلم Antichrist عام 2009

تشارلوت غاينسبورغ مستلفية على العشب في فيلم المسيح الدجال Antichrist
CineFiles Movie Reviews

أكثر أفلام (فون ترير) مرضاً، لقد خرج الفيلم في العديد من المشاهد عن كونه فيلماً فلسفياً، وحتى خرج عن كونه فناً، يبدأ الفيلم في مشهدٍ حميمي بين زوجين (شارلوت غينسبورغ و ويليام دافو) بينما يقفز رضيعهم المنسي خارج النافذة ليلاقي حتفه.

يهرب الزوجان الحزينان إلى منزلٍ في الغابات، وتبدو (شارلوت) منهارة، فتبدأ سلسلة من العذاب تجاهها وتجاه زوجها والتي لا يجب صراحة أن تعرض على الشاشة، إنّه فيلم تعذيبٍ نفسي أكثر من كونه فيلم رعب، ويفحص الفيلم العديد من المواضيع، الجنس، الموت والحزن، كما أنّه مقسّم لعدة مقاطع كالعديد من أفلام (فون ترير)، فهو يتبع المراحل الثلاثة التي يمر بها الوالدان، الحزن، الألم واليأس.

في المرحلة الأولى وهي الحزن، يهرب الوالدان إلى الغابات بدلاً من مواجهة الواقع وتقبّل أنّ الطفل قد توفي، وذلك نتيجة الشعور بالذنب ولوم الذات نتيجة ما حصل، أي كان عليهما الاهتمام بالطفل بدلاً من ممارسة الجنس ولو أنّ الفكرة قد تبدو سطحيةً نوعاً ما.

وبما أنّ الذنب يتطلب عقاباً، فـ (شارلوت) تسعى لمعاقبة نفسها عقلياً، وهذا بدوره يوصلها إلى مرحلة الألم، فيذهب الزوجان إلى بيتهما في الغابات والذي يسمى Eden أو الجنة، إنّ الألم هنا ليس ألماً نفسياً فحسب، بل هو ألمٌ جسدي أيضاً.

إنّ كثرة المشاهد التي يمكن أن نسميها بالقبيحة تعدم للأسف فرصة وصول أي رسالة للعديد من المتابعين، حيث يعتبر الكثير من النقاد والمتابعين أنّ الفيلم عبارة عن سلسلة من الأحداث الفوضوية والعشوائية التي تظهر شعور الإنسان بالحزن والتعاسة بعد فقدان طفله، هناك العديد من المناقشات بين المهتمين بالسينما حول كون Antichrist عمل عبقري أم مجرد فيلمٍ مريض لمخرجٍ يريد التفرد.

4. فيلم Breaking The Waves عام 1996

ايميلي واتسون طفلة في فيلم كسر الأمواج Breaking The Waves
Film Society of Lincoln Center

من أفلام (فون ترير) المثيرة للاهتمام والتي على الأقل تتحدث عن أشياءٍ إيجابية في الطبيعة البشرية، يحكي الفيلم قصة زوجين (بيس و جان) يعيشان في مجتمعٍ اسكوتلندي محافظ، يغيب الزوج لمدة طويلة عن المنزل للعمل مما يؤثر على زواجهما وعلى صحة (بيس).

يصاب (جان) بحادثٍ ويعود مشلولاً إلى زوجته، وفي رغبةٍ خالصة منه، يطلب (جان) من (بيس) إرضاء رغباتها الجنسية مع رجالٍ آخرين بعد أن أصبح غير قادرٍ على ذلك، الأمر الذي يعد كارثة في مجتمعٍ محافظ.

تقرر (بيس) إرضاء الله وإثبات حبها لـ (جان) في نفس الوقت فتقوم بما يطلب منها، إن كانت فكرة (جان) غريبة، فإنّ الضلالات التي تعيشها (بيس) واعتقاداتها الزائفة ورغبتها في تحسّن حالة زوجها تضيف العديد من النقاط القوية والمهمة والمعقدة للفيلم.

فيلمٌ مصنوعٌ ببراعة، ويطرح الكثير من الأفكار المهمة، غرضه الأساسي طرح إشكالية الإيمان والتي تقود للعديد من العلاقات المدمرة والمواقف السيئة، ومن الأسئلة التي يطرحها الفيلم أيضاً وهو ما الذي يجعل الحياة ذات قيمة؟ وما الذي يجعل العلاقة أو الزواج ناجحاً؟ وهل حقاً تعدد العلاقات هو الحل لتلك المشكلة؟

ترشح الفيلم لجائزة الأوسكار عن أفضل دور ممثلة في دور رئيسي (ايميلي واتسون)، كما فاز بالعديد من الجوائز الأخرى.

5. فيلم Melancholia عام 2011

كريستين دانست ترتدي فستان زفاف معاليكسندر سكارسغارد في عرسهما في فيلم Melancholia
Amazon.com

من الأفلام الأكثر بساطة والأقل تعقيداً لـ (فون ترير)، يقسم الفيلم لفصلين، ويتحدث عن حياة شقيقتين هما (جستين) -والتي تلعب دورها (كيرستن دنست)- و(كلير) -التي تلعب دورها (شارلوت غينسبورغ)-، تعاني (جستين) من عدة مشاكل شخصية، بالإضافة لكونها مقبلة على الزواج، حيث يبدأ الفيلم بوصول الزوجان إلى المنزل للبدء في مراسم الزفاف.

يتحدث الفيلم بصراحةٍ تامة عن الاكتئاب والعدمية، حيث سيصطدم كوكب الأرض بكوكبٍ آخر يدعى (ميلانكوليا) مما يعطي الوقت الكافي للشخصيات لتقبّل فكرة الموت أو البقاء في حالةٍ من الرعب والهلع.

في البداية تصاب (جستين) بالاكتئاب وخصوصاً بعد فشل زواجها، ولكن بعد مصارحة نفسها وتقبّلها فكرة الموت، تصبح (جستين) ضعيفة الاستجابة، فلم يعد هناك شيء مهم بالنسبة لها سواءً كان موت أحد أقاربها أو طهو طعامها المفضل على العشاء.

تصل (جستين) في النهاية إلى مرحلةٍ السلام مع الموت، وفي اللحظات الأخيرة من اقتراب الكوكب، تبدو (جستين) هي الوحيدة المسيطرة على مشاعرها وقادرة على اتخاذ القرارات على عكس أختها، حيث يذكّرنا هذا الفيلم بأفكار (شوبنهاور) الفلسفية التشاؤمية والعدمية.

6. فيلم Nymphomaniac عام 2013

تشارلوت غاينسبروغ تمارس الجنس وهي مقيدة في فيلم Nymphomaniac
Front Row Features

يدفع (فون ترير) في هذا الفيلم المؤلف من جزأين كل الحدود ليقدم لنا فيلماً ذو محتوى جنسي مبالغ به، تشارك مرة أخرى (شارلوت غينسبورغ) في أفلام (فون ترير)، وتقدم هنا دور امرأة مدمنة على الجنس تخبر قصتها لشخصٍ يقوم بإنقاذها من الشوارع.

يمتلك الفيلم موسيقى تصويرية ممتازة وخاصة في بدايته، وهي تناسب كل مقطع أو فصل حيث يتم الحديث عن مرحلة من مراحل (شارلوت)، وبالرغم من احتوائه على العديد من المشاهد الفاضحة، إلّا أنّ الفيلم لا يتحدث عن إدمان الجنس، بل عن الهروب من حكم الآخرين، فـ (شارلوت) لديها الكثير من المشاكل ويتم استغلالها من قِبل الآخرين، إنّه موضوع موجود بكثرة في أفلام (فون ترير).

تستخدم (شارلوت) أيضاً الجنس للهرب من اللحظات الصعبة في حياتها ولتفادي مواجهة المشكلات الحقيقية، مثل موت والدها، هذا الفيلم الفلسفي الوجودي هو أعمق من مجرد عملٍ يتكلم عن موضوع الرغبات الجنسية، ولربما كان من أنجح الأفلام لولا استخدام (فون ترير) لعنصر الصدمة ورغبته الدائمة في إزعاج المتابع.

7. فيلم Dancer in the Dark عام 2000

كاثرين دينيوف تمسك وجه بيورك في فيلم الراقصة في الظلام Dancer in the dark
IMDb

يتبع الفيلم قصة (سيلما) -تلعب دورها الممثلة (بيورك)- القادمة من شرق أوروبا والتي تهاجر إلى الولايات المتحدة مع ولدها للبحث عن عمل، تعمل (سيلما) في البداية في أحد المعامل الخطرة وتعاني من عدة أمراض، ولكنّها تهرب من واقعها من خلال مشاهدة الأفلام الموسيقية الأميركية وحلمها بأن تكون نجمة.

تحاول (سيلما) توفير المال لدفع تكاليف عملية لابنها، ولكن خلال الفيلم تتعرض إلى الكثير من المشاكل والأحداث المزعجة، كخسارتها وظيفتها ومنزلها، وخسارتها للمال نتيجة طبيعتها البريئة وثقتها الزائدة بالغرباء.

يطرح الفيلم مشكلة جميع المهاجرين إلى الولايات المتحدة وخاصة أولئك القادمين من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة، والذين يتوقعون أن تكون الحياة مثل فيلمٍ هوليوودي، الحلم الأميركي الذي بات أشبه بكابوس، يرسم (فون ترير) صورة واضحة عن معاناة المهاجرين والتمييز الذي يتعرضون له، ولكن في كل هذا البؤس يصوّر لنا المخرج شعلة الأمل والتفاؤل التي تحظى بها (سيلما)، ورضاها عن الأشياء الجيدة في حياتها.

إنّه فيلمٌ جميل ومؤثر إلى أبعد الحدود، ترشح للعديد من الجوائز منها الأوسكار، ويمكن القول أنّه واحد من أفلام (فون ترير) التي رضي عنها الجميع.

لا يمكننا الحديث عن جميع أفلام هذا المخرج المبدع، أعماله الفنية أكبر دليل على ذلك، بالرغم من كون بعضها خادش وجارح.

مقالات ذات صلة

إغلاق