منوعات

فيلم Wings Of Desire: حتى الملائكة تُدنّس بالحب

تدنو الأنوف من رائحة الخلود فتعشقها، بينما يمكث الخالد بين طيات الظلام.

“سواي يهاب الموت أو يرهب الردى، وغيري يهوى أن يعيش مخلدًا”

ابن سناء الملك

حيث توجد الفلسفة تتواجد اللوحات الفنية المُذهلة. حيث توجد الفلسفة تتواجد أفضل الكتب الثقافية. حيث تتواجد الفلسفة تتواجد أكثر الأعمال السينمائية عمقاً وحكمة. ثمة الكثير من الأعمال تناقش الواقع من منظور سريالي أو من مذهب الغاية من الوجود، لكي توضح وبرمزية كئيبة نوعاً ما عن الواقع الأسود الذي نعيش فيه. ولكن هذا العمل الرائع يناقش الفكرة السريالية بطريقة دمج بين الكأبة والسعادة، يربط أوصال السماء المُعلقة والأرض الصلدة، يجذب انتظام الحياة إلى الأبد مع عبثية الحب. تستغرق الشخصيات في الغاية حتى تثمل أنوفهم من رحيق الحياة وتُسكر أرواحهم من شذا الهوى والغرام. حتى تشعر أنت كمشاهد بتكامل أركان هذا العالم النصف حقيقي.

إعلان
فيلم Wings Of Desire
فيلم Wings Of Desire

ماذا نحن من هذه الحياة؟ أنحن عابرين في رحلة مُثيرة نحو الموت المُحتم؟ لماذا هو مُحتم؟ عليك أن تضع النقاط على الحروف حتى تعقل الكلمة وتعرف نصابها الصحيح. نحن لا نموت نحن تقريباً نتعفن ولكن…ماذا لو لدينا رفاهية الاختيار! رفاهية الحياة إلى الأبد؟….هو شيء مثير وحماسي لأبعد الحدود، لآن بهذا سوف أذهب لضرب مؤخرة من يضايقوني فأنا مُحصن ضد الموت. لكن الأمور لا تسير هكذا يا صديقي.

ولكن ما هي أبعاد هذا الموقف، فالتضع نفسك مكان الملاك في هذا الفيلم. حياة رتيبة مُجحفة. كالإنسان الآلي مصمم لشيء ما، لا يحيد عنه. لا يستمتع بالحياة مثل أي بشري مُنحط في الأرض السوداء. لا يستطيع الاستمتاع بالألوان حوله، لا يشعر بالدفء والبرودة ولا يحس بنعومة جلده أو تجعد شعره. ببساطة هو محروم من أي شيء إلا الحياة إلى الأبد وسماع أفكار وتخيلات الناس من حوله إذا أصغى لهم، ولكنه يفتقد للمعرفة والخبرات الإنسانية الحقيقية التي يشتاق إليها بشدة كل مخلوق. مَن منا لا يشتاق لبهجة الألوان؟ مَن منا لا يشتاق للمسة الإنسانية؟ مَن منا لا يشتاق للشعور بالسعادة والمرح والفرح وحتى الكأبة؟ ولكن هذا كله لا يوجد في عالم الملائكة، الملائكة يعيشون بدون مشاعر. ببساطة الملائكة يعيشون في عالم بالأبيض والأسود.

فيلم Wings Of Desire
فيلم Wings Of Desire

القصة تدور في أطار خيالي بعض الشيء. هناك في سماء برلين ثمة ملاكان يطيران بأجنحتهما في عام 1987، والجدير بالذكر أن في هذه الأثناء كان ثمة الجدار الفاصل بين طرفي برلين الشرقية والغربية.

إعلان

الملاك (داميَل) ذا النزعة العاطفية أتجاه الحياة ودائماً ما يحاول مساعدة الناس وفهم حياتهم الذي يشتعل شوقاً إليها، والملاك الآخر هو (كاسيل) ذا النزعة المادية البحتة في فهم الأشياء والتعامل معها، فقط يُصغي لا يجترح الفعل ولا يدفع الزمن نحو الأمام. لقد عاش الملاكان منذ بداية الزمن عاصروا جميع الحقب الزمنية والعصور الغابرة، راقبوا تكون الأنهار وانصهار صخور الجبال في سكون. حتى يومنا هذا يسمعون الجميع ويكتبون في دفاترهم الصغيرة ما يحدث ولكن…ولكن لا أحد يسمعهم. يكتبون عن الناس ولكن لا أحد يكتب عنهم. يرافقون البشر ولكن لا أحد يرافقهم. ولكن هل ستتغير الأحوال؟ هل يصبو الملاك نحو الرغبات الإنسانية المُدنسة؟ هل تحترق أجنحته البيضاء على صبابة الحنين والشوق إلى اللمسة الإنسانية؟ هل يعتزل الخلود ويحتضن الفُنُاء في عناق تتكسر له حواجز الألم والضجر؟

يدور ويثب الملاكان بين الأماكن. يسمعون حثيث الأفكار النطاطة في جوف أدمغة الناس. يصغون فينصتون إلى جميع الأنواع والأشكال الفكرية المُنبعثة من حيوات الناس، فتجد من تفكر كيف ستضع الغسالة والثلاجة في الغرفة الضيقة المُحكمة. تجد من ينتحب على فراق حبيبته، وتجد من يكره الدنيا وما فيها، وتجد من يُنعى حظه السيء، وتجد من يهيئ نفسه للموت…ينصت الملائكة للجميع ولكن لا يستمتعون بهذه التجارب الشاعرية والخبرات الإنسانية التي تصنع من الفرد فرداً، وتعجن طينه مكونة شخصيته الفريدة.

في يوماً ما يرى الملاك (داميَل) خيمة هائلة أثارت اهتمامه، ثمة سرك منصوب. فيدخل ليشاهد ماذا يدور بالداخل، ولكنه لا يعرف أنه لم يخرج كما دخل هذه الخيمة المُدببة. لقد وجد ملاكاً آخر ولكنه بشر، أعُجب بفتاة السيرك ذات النَفس الكئيبة والقلب المُحطم.

أصبحت لاعبة الأكروبات في السيرك (ماريون) شغله الشاغل، دائما ما يذهب نحو السيرك ليراقب عروضها البائسة الرشيقة، يدخل معها الغرفة ويصغي لأفكارها الكابوسية عن معنى الحياة وفلسفة العيش. يجد (داميَل) في هذه الفتاة الحب الحارق للطهارة. يجد فيها بِركة المياه الجارية التي يستطيع أن يُعَمَّد بها لكي يصبح إنسان يَعرف ماهية الأشياء الحقيقية.

إعلان
Letterboxd
Letterboxd

حتى الملاك يُدنس بالحب المُعلق في السماء، يعرف أنه هبة ربانية لا يمكن التخلي عن شمولها للكائن الفاني. رفعته هيئته الشبحية الطاهرة إلى أعلى الجبل ولكنه قرر أن ينزل إلى الأرض لكي يتحسس الطين بيديه العاريتين. لقد راقب كل العصور تفيض وتنحسر، شاهد كل الحقب منذ بداية الزمن وحتى قبل بدايته، إذا فلماذا هذه الفتاة بالذات؟ ربما بسبب شعوره إنها تائهة في بيداء الحياة، لا يفهمها أحد، أفكارها سوداء وأحلامها عبثية وجسدها مُعلق في السماء الزرقاء.

ومن عبقريات المُخرج في هذا الفيلم أنه صنع مشهدين خصيصاً ليوضحوا اختلاف كينونة الملاكين. في مشهد مهم من الفيلم نجد رجل مُلقى على الأرض مُصاب في حادثة وهناك سيارة هامدة مقلوبة أمامه، أكثر الظن أنه فقد أحد أحبائه في هذه الحادثة. كان الشخص المصاب يهذي في عقله بكلمات الندم والحسرة والانتحاب على حبيبته، ولكن عندما أقترب منه (داميَل) ولثم رأسه بيديه، أخذ الرجل في تغيير أفكاره الكئيبة والتفكير في حياته القادمة وأنه يجب أن ينتصر على هذا الموقف. وهنا تتضح شخصية الملاك (داميَل) الشاعرية العاطفية المُشتاقة لمساعدة الناس والاحساس بهم.

Imdb.com
Imdb.com

المشهد الثاني كان للملاك (كاسيل)، عندما وجد شخص يمشي مُتململ القدمين، مُنمل البصيرة نحو السور، لكي يجلس على حافة السور مُكدساُ كل الأمور السوداوية في عقله المحشي بالشعور بالوحدة والألم، وعندها قفز الفتى من على السور وأنتحر، وأكتفى الملاك (كاسيل) بالصراخ فقط، لم يحاول أن يُهدئ من روع الفتى كما فعل (داميَل). لآن (كاسيل) يتميز بالنزعة المادية البحتة، يفعل ما يؤمر به، يحاول تعرية الواقع من كل مغزى حسي وشعوري لكي يمارس عمله كما يؤمر. أما (داميَل) فهو الملاك المُتمرد على سجن الأبيض والأسود الذي يود أن يتخطى حدود عالمه لكي يتحول إلى شيطان، ويرى جميع الألوان على حقيقتها.

Magpie
Magpie

يُدخل المُخرج عُنصر جديد في القصة وهو الممثل الأمريكي (بيتر فالك)، الذي اشتهر في السبعينيات والثمانينيات كبطل لمسلسل (كولومبو) المحقق الذي يكشف قضايا القتل بحنكته وطريقته الرائعة، ولكن ثمة شيء يتميز به هذا الشخص، حيث يستطيع الشعور بوجود الملائكة حوله، يستطيع أن يشم رائحتهم ويستشعر وجود أجسادهم الشبحية، ولكن لماذا؟

إعلان

يتميز (بيتر فالك) بنظرة فلسفية عاطفية سريالية وجودية للعالم وفقد كان يجلس ويحدق في وجوه العامة أو الممثلين زملائه ليجد فيهم شيء جديد، كان يرسم وجوههم ولكن لغرض المعرفة والاحساس بفن الوجوه. يرى العالم بصدر رحب، يعرف تفكير الأشخاص بجانبه، يُخرج كلمات مُفعمة بالحكمة والموعظة. ولكن لماذا؟ ستعرف في الفيلم…

Quadcinema
Quadcinema

إذا شاهدت الفيلم ستتفرس في دروب فلسفة المعرفة ومعضلاتها، ستشهد صراع بين الروتين الكوني والتمرد الثوري. ستعرف هل سيتخلى (داميَل) عن ميزته الكونية في الخلود ومعاصرة الزمن لكي يلمس الفتاة الأكروباتية (ماريون) التي جذبته إليها بفلسفتها العدمية عن الحياة وعيناها الصافيتين. لقد طُهي قلبه حتى ثمل من رائحة عشقه…

يجذب الفيلم انتباهنا إلى الأشياء الصغيرة في الحياة وقيمتها بحياتنا اليومية التي ربما تبدو مُنعدمة لآنها موجودة دائماً حولنا. ستعرف قيمة رؤية الألوان وشم رائحة القهوة وتذوق الطعام، ستعرف القيمة الحقيقية للشعور بالآخر وفهم مشاعره.

الفيلم من حيث الكتابة والأداء والتصوير

أداء تمثيلي ممتاز وخصوصاً مشهد الذروة في آخر الأحداث. تصوير سينمائي رائع يتميز بنسق معين وكادرات إبداعية تحافظ في نسقها على مستوى الرأس لكي يُظهر لك المشاهد بشكل رائع، وبعض المشاهد الرائعة التي تميزت بكادارات مرتفعة تنظر للأسفل لكي يصور لنا الرؤية المرتفعة للملاك.

الشيء الأكثر عظمة في هذا الفيلم هو الكتابة والسيناريو. هذا السيناريو من أعظم المسودات الفنية التي كُتبت على الإطلاق. كُتب السيناريو بواسطة (فين فيندر) و(وبيتر هاندكه). هذه الورقات الرائعة التي تحمل في باطنها الكثير من فلسفة الحياة وقيمة الأشياء الصغيرة في حياتنا. بالإضافة إلى ذلك تم بناء الشخصيات بشكل مميز يسمح لكل شخصية بالالتحام مع الأخرى بشكل يمثل كيان كامل متكامل.

واحدة من الأشياء الرائعة في هذا الفيلم هي عدم وجود الكثير من الشخصيان التي تتزاحم على المشاهد، لآن هذا الزحام يضعف العديد من الأعمال الفنية الجيدة، إنما هذا العمل يتميز بقلة الشخصيات الرئيسية، لذلك تم إعطاء كل شخصية المساحة الكاملة للظهور أمام الكاميرا وإظهار قوته التمثيلية وسطوته على الشخصية.

الموسيقى التصويرية هي واحدة من روائع هذا الفيلم، تناسب الحدث بشكل مُذهل. تُجسد الكأبة والسعادة معاً في قالب واحد. تجمع بين الإطار المكاني والحركي وتقوى المشاهد بقوة شاعرية رنانة في النفس والأُذُن…أنه لشيء رائع.

فيلم Wings Of Desire
فيلم Wings Of Desire

أفكار وإسقاطات

لقطة أخرى مميزة في الفيلم أن الأطفال فقط يستطيعون رؤية الملائكة. هذا يرتبط بشدة مع القصائد المتناثرة في الفيلم التي تبدأ بجملة *عندما كان الطفل طفلاً* وهي دعوة واضحة من الكاتب للناس أن يحملوا قلوب طفولتهم في جوفهم إلى الأبد.

ويدُل أيضاً أنه إذا تجرد الإنسان من السواد القاتم بكينونته وتخلص من البُغض والكره وترك الأشياء المادية وتفكر بشكل وجودي حر. سيكون طفلاً حراً. إذا هذه رسالة مخفية في الفيلم. إذا أردت أن تكون حراً فتخلص من مادية وبغضاء وتأثير الحياة عليك وفكر بشكل وجودي مثل طفل…عندها فقط سترى الملائكة وتشعر بهم حولك في كل مكان.

هناك إسقاطات أخرى ستعرفها عندما تشاهد الفيلم، مثل إشكالية السور الفاصل بين الشرق والغرب واتصالها بفكرة الملاك المُشتت بين العالمين، عالم الخلود المُنعم أم عالم الفناء الذي يلفح الوجوه بسخونة الحياة. حتى لو لم يظهر كذلك في الفيلم.

Sledujufilmy.cz
Sledujufilmy.cz

الاتصال الدائم بين الملاك (كاسيل) والعجوز (هومير) الذي لن تعرف لماذا هو موجود، ولكن من بين الترانيم الذي يرددها سيتضح أنه من رواة الحكاية ومن كاتبي نصوص التاريخ، مهما أبتعد الناس عن قراءة ما يكتب سيظل يكتب حتى النهاية، لآنهم يحتاجون لتاريخهم أكثر من أي شيء آخر. ربما هذا يربط بين الملاك (كاسيل) وبين العجوز(هومير) في منطقة معينة وهي نقطة مواصلة العمل إلى الأبد لأن العالم كما يحتاج البشر يحتاج الملائكة أيضاً.

“كأن الأمر يشبه وجهين لقطعة واحدة، لا تتوقف عن تقليبها في يدها. ولم يكن من شأن ما يظهر واضحاً في أحد الوجهين إلا أن يقوي الوجه الآخر. أن الحياة والموت يلتصقان ظهراً لظهر. فمن المستحيل أن نشعر أننا أحياء إذا لم نفكر أيضاً أننا سنموت يوماً، كما أننا لا نستطيع التفكير في موتنا، دون ان نُحس، وفي اللحظة نفسها، بالمعجزة الغريبة، معجزة كوننا على قيد الحياة.”

من رواية عالم صوفي

هذا الفيلم من نوع الفن النبيل الذي يتميز بالأصالة حيث يعرض الهواجس الدائرة في جوفنا بشكل بسيط رغم ما يحمله الفيلم من كميات هائلة من الفلسفة الكونية، ولكن في النهاية يبدو الفيلم ممتعاً رقيقاً لمشاهديه. يدور هذا العمل بمشاهديه في دروب الحياة، داخل عقول الناس، في هواجسهم المخيفة ونبضاتهم الفكرية المُبهجة.

الهمسات العابرة والأصوات المُقحمة على طول دقائق الفيلم. الاحتفاء بالحياة التي تتبدى تفاصيلها الدقيقة للناظرين شيئاً لا جدوى منه. الرغبة الحقيقية في الحياة والتمتع بدقائق الأمور من قِبل (داميَل) والصمت المطبق والسكون من قِبل (كاسيل). أنه فيلم حقيقي يستحق الرواج أكثر من أي فيلم آخر. أظن أن أي شخص سيشاهده سيضعه في قائمة أفضل عشر أفلام شاهدها على الأطلاق. وأنا شخصياً وضعته على رأس قائمتي.

الآن نترككم مع جزء من القصيدة التي ستسمعونها في الفيلم:

“عندما كان الطفل طفلاً

كان يسير مؤرجحاً يديه في الخواء

يود أن يصنع من الجدول نهر

ويود أن يقلب النهر إلى سيلٍ جارف

ويود أن يُفسح الفضاء للبركة الزهيدة حتى تصبح بحراً فضفاضاً

عندما كان الطفل طفلاً

لم يكن يفطن أنه طفلاً مادياً

كان كل شيء يبدو روحياً عاطفياً شاعرياً

كل الأرواح كانت روحاً واحدة رحبة تسع الجميع

عندما كان الطفل طفلاً

لم ينحاز لأحد

لم يكن لديه هوايات أو آراء حول الأشياء

لم يتصنع الضحك داخل أطار الصور

كان غالباً يجلس متشابك القدمين

أو ينطلق للركض

بخصلةٍ في شعره تُزين جبينه

عندما كان الطفل طفلاً

كان يقضي وقته في التساؤل

لماذا أنا نفسي، ولست أنت؟

لماذا أنا هنا، ولست هناك؟

متى بدأ الزمان؟ هل هناك حد للفضاء؟

ألسنا نحلم أننا نعيش تحت أشعة الشمس؟

أليس ما أسمع وأرى وأتنشق مجرد وهم لبقايا عالم آخر وُجَدَ قبل عالمنا؟

هل يوجد ما يسمى بالشر حقاً؟

لماذا لم أوجد قبل أن أولد؟ كيف لي يوماً ما أن أتغير عما أكونه الآن؟”

بيتر هاندكه ــ كاتب السيناريو / ترجمة كاتب المقال

لقراءة القصيدة كاملة باللغة الإنجليزية أضغط هنا

مقالات ذات صلة

إغلاق