منوعات

مراجعة أنمي Death Note: هل يمكن للبشر أن يصبحوا آلهة؟

هل يمكن للبشر أن يصبحوا آلهة؟

في العادة عندما نقوم بتقديم مراجعة عمل فني ما للجمهور، فنحن نحاول لفت نظره إلى هذا العمل من أجل أن يعرف عنه معلومات أكثر، ويُكوّن قاعدة معرفية بسيطة عن الشيء الذي نطرحه عليه. وهذا بهدف أن يشرع بالبدء فيه، أو عدم الاقتراب منه على الإطلاق. لكن في حالة الأنمي الذي سنتحدث عنه اليوم، فهدف المراجعة لن يكون تسليط الضوء على أنمي مغمور لنحبب الناس فيه، فالناس بالفعل يعشقونه حتى الثمالة. لذلك مراجعة اليوم ستكون نقدية وحسّاسة بعض الشيء، حيث سنتعمق في لُبّ القضايا التي يناقشها الأنمي بشيء من التفصيل. اليوم سنتحدث عن أنمي Death Note يا سادة.

بالتأكيد أنتم سمعتم عنه، وقد يكون هو بالفعل أول محطة في حياتكم بالنسبة إلى استكشاف عالم صناعة الأنمي الواسع والمهول. فـDeath Note يُعتبر الأنمي الأساسي والمفتاحي الذي في الغالب يعمد كل محب للأنمي لترشيحه إلى الآخرين كي يحبوه مثله وألّا يقولوا أن الأنمي للأطفال. فهذا العمل الفني يخاطب العقل بشدة، حتى يبرهن للمُشاهد أن نسبة الذكاء التي يملكها لا تضاهي نسبة ذكاء الكاتب على الإطلاق، فمنذ الحلقة الأولى وحتى الحلقة الأخيرة، يستمر الكاتب في تحطيم التوقعات وخلق ثنيات وطيّات جديدة وملتوية بقصته حتى يجعل المُشاهد حائرًا ومنبهرًا بالكرّ والفرّ الجنائي الذي يحدث أمامه.

تم بث الأنمي في عام (2006)، وحصل على تقييم (8.67) على موقع MAL الشهير لتقييم أعمال الأنمي. وأيضًا مانجا (ديث نوت) تُعتبر أحد أعلى أعمال المانجا اليابانية مبيعًا حول العالم، وفي فترة وجودها كانت تحتل الصدارة دائمًا في عناوين الصحف المتخصصة بصناعة المانجا وبالتأكيد أيضًا تتربع على عروش أرفف المكتبات الكبيرة والطارحة لمجلداتها باستمرار. والجدير بالذكر أن مؤسسة VIZ الأمريكية والمتخصصة في نشر تلك السلسلة باللغة الإنجليزية، قد اهتمت بشدة بها، حيث أصدرت لها ثلاثة إصدارات مختلفة ومتنوعة وهم: السلسلة العادية في صورة 12 كتابًا، السلسلة (السوداء) – Black Edition، وهذا في صورة 6 كتب كل منهم يحمل بداخله كتابين معًا، وأخيرًا الكتاب التجميعي ومهول الحجم الذي يضم بداخله الـ12 مجلدًا بالكامل.

الآن وبعد أن تحدثنا عن (ديث نوت) بما فيه الكفاية كمُقدمة لتلك السلسلة العظيمة، دعونا ننتقل إلى صلب الموضوع ونبدأ في نقد ذلك العمل الفني من خلال منظار نقدي سليم.

*المراجعة خالية من الحرق (Spoilers) بالكامل، عدا في المواضع التي تم التنويه عن الحرق فيها*

القصة

رجل يستلم تفاحة من وحش أسود
المصدر: uBackground.com

عندما تكون فتى مرحلة الثانوية التي تسبق دخول الجامعة مباشرة، عادة ما تكون كل همومك في الحياة هي أن تجتاز تلك المرحلة الصعبة وتدخل جامعة مرموقة لتُسعد أهلك ومن يهتم بأمرك في هذه الحياة الصغيرة. لكن في الواقع يوجد أشخاص لا تكون تلك غاياتهم، فهم بالفعل على مستوى من الذكاء ونفاذ البصيرة مما يسمح لهم بتجاوز تلك العقبات في غمضة عين، فبالتالي يشعرون بالخواء التام. ذلك الخواء الذي يدفعم لترك الأهداف الشخصية والنظر إلى المجتمع، كيف يتفاعل الذين فيه مع بعضهم البعض، كيف يتم تطبيق العدالة، والأهم من كل ذلك، كيف لتلك الحياة أن تكون أفضل.

وأحد هؤلاء الفتية أصحاب الذكاء المتقد والمواهب العقلية الفذّة هو الشاب (ياغامي لايت). فهو الطالب الأول على مستوى اليابان وأحد أفضل الأشخاص الذين يمكن أن تقابلهم من حيث اللباقة والقدرة على الحديث بعقلانية ورزانة مفرطة. لكن من الناحية الأخرى أحيانًا ما تكون المظاهر خادعة بشكلٍ كبير فعلًا. فخلف تلك الواجهة الهادئة والنقية نجد شخصًا يمقت هذا المجتمع ويرى أنه مجتمع متعفن بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فهو يرى البشر متعفنين بنواياهم وشرورهم، المجتمع متعفنًا بتعفن قاطنيه، والوسيلة الوحيدة للتخلص من كل تلك الشرور هي عن طريق التخلّص من أصل تلك الشرور دون نقاش. فهو ضمنيًّا يكره حبس المجرمين، ويجد أن خلاص البشرية منهم ليس عن طريق كبت حريتهم عبر زجّهم بالسجن، بل عن طريق قتلهم والتخلّص منهم تمامًا عن هذه الأرض.

وبينما هو يحادث نفسه عن تعفّن هذا العالم كما هو الحال كل يوم، تسقط من السماء أمامه مفكرة على الأرض. بعد انتهاء الحصّة يذهب إليها ليجد أن عنوانها هو (مفكرة الموت). يفتحها ليجد أن بها تعليمات تقول أن أي شخص تتم كتابة اسمه في صفحات تلك المذكرة سوف يموت بسكتة قلبية بعد 40 ثانية بالضبط. هذا بالطبع كان بمثابة هراء تام بالنسبة إلى (لايت)، لكن بعد أن جرّب قواها بالصدفة وأثبتت فعاليتها. وجد إثر ذلك أنه هو مبعوث العدل والحق إلى هذا العالم، فبمساعدة (الشينيغامي) – أو إله الموت الآتي مع تلك المفكرة، نصّب (لايت) نفسه إلهًا لهذا العالم الجديد. عالم العدل والحق والصواب، حيث يكون هو الإله الذي يخشى منه كل المجرمين وأصحاب النفوس الخَربة.

لكن يجد أعتى المحققين على مستوى العالم (إل) أن تلك الوسيلة لتطبيق العدل هي في حد ذاتها ظلم شديد وشر، لذلك يسعى للقبض على (لايت) بكل ما أوتي من قوّة وحنكة وبأس. الآن تبدأ رحلة الكرّ والفرّ بين (إل) و(لايت). كل منهما يريد إيجاد والتخلص من الآخر، فهل سيجدان بعضهما البعض وتتحقق المآرب التي يحلمان بها؟ هذا ما ستعرفوه عند مشاهدة الأنمي.

ما عناصر القوّة في هذا الأنمي؟

وحش أسود بأجنحة سوداء رابض وخلفه القمر
المصدر: comingsoon.it

هذا الأنمي حقًا به العديد والعديد من نقاط القوّة التي وضعته في تلك المكانة العالية بالنسبة إلى سائر أعمال الأنمي في التاريخ. لكن لنكون منصفين ومختصرين لكل تلك العوامل، سوف نتحدث اليوم عن أهم وأبرز خمس نقاط جعلت لهذا الأنمي مكانة وقيمة وقامة عُليا في مجال صناعة الأنمي. وهي كالآتي:

1- مستوى ذكاء الكاتب الذي انعكس على جودة الحبكة

شخصان يقفان بجانب بعضهما البعض
المصدر: Wallpaper Abyss – Alpha Coders

مانجا (ديث نوت) هي عمل فني اشتراكي بين رسّام، وكاتب. لكن في الواقع الشخص الذي يرجع الفضل له في ارتقاء تلك المانجا لتلك المنزلة هو الكاتب والمؤلف (تسوجومي أوبا). فقد قام هذا الشخص بنسج حبكة متباشكة وذات منعطفات قويّة ومحورية على الدوام، بل وحرص على أن تكون حبكته مُغلّفة بالطابع البوليسي صعب المراس. فعلى عكس جميع الأعمال البوليسية الأخرى، فـ(ديث نوت) من تلك الأعمال التي أخذت المفهوم العام عن البوليسية وحورّت فيه تمامًا لخدمة غاية مختلفة. فمن المعروف عن تلك الحبكات أنها عبارة عن مجموعة شخصيات خيّرة، تُلاحق مجموعة أو شخص آخر شرير. وفي تلك الحبكات لا يكون الأمر شخصيًّا أو ذا عمق نفسي في الأغلب. لكن في هذا العمل الفني اتخذ الأمر مع الوقت منحنيات شخصية أدت إلى ظهور منعطفات غير متوقعة بالحبكة.

فبالتالي عندما ننقل محاور الحبكة من المحاور العامة للشخصيات كلها، إلى المحاور الخاصة لشخصيتين بعينهما، فنحن حقًا هنا نجعل الأمور شخصيًّة تمامًا، وشخصنة الوضع هنا أدت إلى دفع كل شخصية منهما إلى بذل كل الجهد والقوّة الممكنة من أجل تحقيق النصر، مهما كانت التكلفة أو الوسائل المبذولة في سبيل ذلك. في هذا الأنمي وضع الكاتب المطاردة بين (شخص) و(شخص). وكل واحد منهما لديه نسبة ذكاء عالية جدًا، وكل منهما يقدر على القيام بأبشع الجرائم دون أن يترك أثرًا له، بل وأن يقلب الطاولة على أصحابها في أي لحظة. لكن واحد منهما اختار طريق الحق، والآخر اختار طريق الباطل.

الآن في هذا الأنمي نحن نرى حرفيًّا شخصين يُمكن أن يُطلق على كل منهما (إله) بالنسبة إلى الدهاء والقدرة على الوصول للغاية عبر تسخير قدرات العقل. نحن هنا نشهد صراعات آلهة (الأوليمب) القديمة مرة أخرى على أرض الواقع، لكن مع وجود هويّات زائفة ومطاردات لا تنتهي. وبين هذا وذاك نجد أن الأحداث تتصاعد والحبكة تشرع في الالتواء شيئًا فشيئًا حتى نجد أنفسنا أمام أحداث مفجرة للعقول ومؤججة للمشاعر بشكلٍ لا يُمكن تخيله.

2- تجريد المفاهيم

شخص غامض يجلس على كرسي والظلام يحيطه من كل جانب
المصدر: pinterest.cl

قبل أن تُشاهد هذا الأنمي، أنت تدخل كالمادة الخام التي يمكن تصنيع أي شيء منها، وبعد أن تخرج من الأنمي سوف تكون قد كوّنت العديد من الأشياء الشخصية المختلفة التي تتوافق مع وجهة نظرك الجديدة للحياة. وفي هذه الحالة نحن بالتأكيد نقصد: المفاهيم الحياتية. فأنت قبل هذا الأنمي تدخل وأنت ترى الخير خيرًا، والشرّ شرًّا. فلا توجد قاعدة بينية بالمنتصف، ولا يُمكن لبشريّ أن يكون لديه الخير والشر كلاهما بداخله لكن بنسب مختلفة. فسياسة الأبيض النقي أو الأسود الداكن هي التي جعلت العقول مُغيّبة وخاضعة للواقع مهما كانت صفاته وأحواله. لكن في هذا الأنمي الأمر حقًا مختلف.

فهذا الأنمي يعمد إلى تجريد المفاهيم. حيث يأتي بالمفهوم الذي تم عمل هالة وضجّة وتحليلات كبيرة وكثيرة حوله، ثم يحاول بالتدريج تبسيطة وتجريده حتى يصبح لا شيء. لنجد في النهاية الأنمي أن كلمة (خير) وكلمة (شر) هما كلمتان لا معنى لهما على الإطلاق. فأي كلمات تؤدي نفس المعنى هي كلمات فضفاضة جدًا ولا تحوي بداخلها أي معنى يمكن تطبيقه على أرض الواقع. لماذا؟ لأن تلك المفاهيم دائمًا ما تتبع القاعدة المعرفية للشخص، لا القاعدة الأخلاقية. فالأخلاق في حد ذاتها تتبع منظور الفرد وقاعدته المعرفية في الحياة. وتلك القاعدة المعرفية أقصد بها التجارب والخبرات التي يقوم بها ويكتسبها في الحياة. فتلك هي التي تُكوّن وجهة نظره للحياة، والتي بناء عليها تتغير الدوافع، تتبدل الغايات، وتُبنى الأفعال من العدم.

ما الخير؟ الخير هو شرّ. ما الشر؟ الشرّ هو خير. ما الخير والشر من الأساس؟ لا شيء يا عزيزي، لا شيء على الإطلاق. فأنت تخرج من هذا الأنمي في الحلقة الأخيرة بكتلة من المشاعر المتضاربة والمختلطة بشدة، حتى تكاد تجزم أنك لوهلة لا تستطيع فهم لماذا تلك الشخصيات تفعل كل ذلك من البداية، ولماذا أنا كنت أتابع هذا اللأنمي في المقام الأول. لكن وبجلسة تأملية مع النفس، ستجد في الواقع أن المغزى الفعلي هو إيصال أن كل تلك المفاهيم لا يُحددها شيء أو قامة عُليا أو شيء على الإطلاق، فهي في النهاية تتبع ذائقة الإنسان ودوافعه وغاياته في الحياة، ولا شيء آخر على الإطلاق.

فلنفترض أنك ترى أن قتل المجرمين شيء سيء وسيُسبب الكثير من العواقب للمجتمع على المدى الطويل، لكن غيرك يرى أن قتلهم شيء جيد وسيكون مُفيدًا للمجتمع على المدى القريب والبعيد سويًّا. لكن هذا قبل أن تشاهدا هذا الأنمي، الآن بعد مشاهدته يُمكن لكل منكما أن يحتفظ بوجهة نظره بالفعل، لكن يقوم بالتعديل عليها بشكلٍ يتناسب مع المنظور الجديد الذي حصل عليه بالنسبة إلى هذه الحياة الصغيرة. فمثلًا يمكن للأول أن يقول أن قتل المجرمين شيء جيد فعلًا، لكن مع وضع معايير تؤكد على قتل الأشد فسادًا فقط، فيمكن للأقل فسادًا أن يتعظوا ويرجعوا إلى طريق الحق. ويمكن أن يقول الآخر أن قتل المجرمين شيء سيء فعلًا، فلا أحد يعلم أن يكون ذلك الشخص قد أُتهم ظلمًا بما قيل أنه اقترفه. فلذلك لا توجد قاعدة محددة للخير والشر، لكن توجد قاعدة واحدة للحياة: لا يوجد شيء ثابت في هذا الكون.

3- تقديم الشخصيات كقوالب متغيرة، وليست جامدة

شخص ينظر إلى الأمام بشر وخبث
المصدر: Wallpaper Cave

دائمًا ما يحاول الكتّاب الرصينون أن يجعلوا شخصياتهم متميزة ومتفردة على صعيد نفسها، وليس على صعيد العمل كله. لكن في بعض الأحيان قد يقع هؤلاء الكتاب في فخّ إذعان الشخصية لرغبة محبي العمل الفني. فعلى سبيل المثال يُمكن لمانجاكا ما أن تكون شخصياته تسير على نهج مُعيّن طوال الأحداث، وفجأة تحيد عن ذلك النهج، أو تحيد عن المصير الذي وضعه لها المانجاكا في المقام الأول. وبالتأكيد عند الحديث عن هذه النقطة تحضرني مانجا (الهجوم على العمالقة) لصاحبها، المانجاكا الياباني (آيساما). فتلك المانجا حققت شهرة واسعة وأصبحت من أكثر أعمال المانجا مبيعًا على مستوى اليابان وخارجها هذه الأيام، لذلك أصبح (آيساما) حريصًا بعض الشيء في قتل شخصياته أو فعل أشياء تغضب محبي المانجا، وهذا كيلا يخسرهم، ويخسر المبيعات نتيجة لذلك.

لكن في هذه المانجا، حرص الكاتب ألّا يفعل ذلك على صعيد الشخصيات بعينها وبالنسبة إلى نفسها. ففي الواقع فقد اتبّع رغبة استوديو الأنمي في تحريف النهاية (وهذا ما سنتحدث عنه بعد قليل في مراجعة اليوم)، لكنه اتبع رغباته الخاصة في البناء النفسي والتفاعلي لشخوص عمله. فقد صنع الشخصيات كيلا تكون ذات قوالب ثابتة ومُحددة كأنها مصبوبة من أسمنت غير قابل للتهشيم أو التكسير. فخلق الكاتب شخصياته بنوع من المرونة والتلقائية. فـ(إل) يحب أن يكون رقم واحد ويكره الهزيمة بشدة، لكن مع ذلك ليس سطوليًّا أو كارهًا للمتعارضين معه. و(لايت) يكره هذا العالم فبالتالي يفعل ما يفعل، لكن في نهاية الأحداث سنجد أن تغيّرات شديدة قد حدثت في شخصيته دون أن نشعر.

فلذلك أهم ما يُميّز هذا الأنمي أن شخصياته متزنة، لديها مرونة في ردود الأفعال، ويُمكن لها أن تتغير حسب التغيّرات التي تحدث حولها. وهذا حقًا يدل على أن الكاتب صنع تلك الشخصيات لتُحاكي الواقع، بل تُحاكي حياة كل مشاهد يتابع هذا العمل الفني. مما أعطى له قيمة عند المشاهدين، وقامة عند النقّاد الفنيين.

4- وجود موازين قوى قابلة للتغير والحيود عن النمط التقليدي

فتى ذو عيون ناعسة ينظر إلى جانبه
المصدر: Wallpapers High Quality

في الواقع موازين القوى هي من الأشياء التي تُعتبر هامة جدًا في صناعة الأنمي، وبالأخص في تلك الأنميات التي تهتم بالطابع البوليسي. فيجب أن تكون عوامل القوى المتمركزة حول كل شخصية رئيسية ومحورية، جيدة ومتناسبة مع الشخصية من جهة، ومع العوامل البيئية من جهة أخرى. فيمكن للأتباع أن يتغيروا من جانب إلى آخر مع مرور الوقت، وهذا تبعًا للإغراءات أو تغيّرات نفسية تحدث لمفاهيم تلك الشخصيات عن كلمة (خير) وكلمة (شر). وهذا الأنمي يُعتبر مثالًا جيدًا على تلك النقطة.

فـ(إل) لديه قوّة الشرطة بالكامل تعمل تحت إمرته، بل ووكالات الاستخبارات الأمنية كلها على مستوى العالم تنتظر منه إشارة صغيرة للبدء في أي شيء يأمر به، وفي الحال، هذه قوة مهولة أليس كذلك؟ ومن الناحية الأخرى لدى (لايت) إله الموت الذي يحوم حوله طوال الوقت، مع بعض الأتباع القليلين هنا وهناك الذي يعملون من أجله بالخفاء دون أن يُقابلوه فعلًا. في الواقع قد ترى أن جيش (إل) هو قوة غاشمة لا تستطيع قوة (لايت) أن تتصدى لها، فيمكن أن يعتبر البعض أن (لايت) في النهاية هو شخص وحيد مع قوّات تابعة قليلة. لكن في الواقع لا يجدر بنا الاستهانة بقوة الـ(شينيغامي)، خصوصًا أن إله الموت المرافق لـ(لايت) يحب المرح، وبناء على يساعده بشكلٍ لا تقدر قوّات الشرطة على القيام به على الإطلاق. لذلك موازين القوى جيدة بين الطرفين بكل تأكيد.

5- أبطال العمل ليسوا حقًا آلهة متجسدة على الأرض

شاب يمسك بمفكرة ويقف مادًا يده وفيها الكرة الأرضية وخلفه يوجد وحش
المصدر: WallsDesk.com

*هذا العنوان الفرعي به حرق شديد للأحداث، فلزم التنويه*

في هذا الأنمي الأبطال ليسوا آلهة على الأرض فعلًا.  ففي الكثير من أعمال الأنمي يحافظ الكاتب أشد الحفاظ على أبطال عمله الفني، وهذا لأن المتابعين قد تعلقوا بها من جهة، وأنه هو ذاته يخشى أنه لن يكون قادرًا على سد الفجوة التي سيركها موت الشخصية بالأحداث. فبعض أسباب ذلك الخوف ترجع إلى ضعف القريحة الفنية للكاتب نفسه، فبالتالي نجد الأبطال يعيشون على الدوام ويتغلبون على الجميع مهما كانت الظروف والأحوال، ولا يُعانون من النكبات أبدًا. وهنا يحضرني أنمي (يوغي-أوه) حيث البطل فيه لم يُعاني من أي هزيمة على الإطلاق طوال الحلقات الأصلية للأنمي.

لكم هذا الأنمي يموت الأبطال بكل بساطة، فلكي يُبرهن الكاتب ذلك، فقد جعل (لايت) ينتصر على (إل) ويجعله ميتًا. فبالرغم من الهالة القوية المنسوجة حول شخصية (إل)، فقد ماتت تلك الشخصية على كل حال وانتصر الشر. صحيح أنه بعد ذلك أعاد الكاتب (إل) في صورة الفتى الصغير (نير) ليبدأ معه منعطفًا جديدًا بالأحداث، لكن في النهاية قد مات (إل)، وهي حقيقة لا نستطيع نكرانها مهما قلنا ومهما تمنينا.

ما عناصر الضعف في هذا الأنمي؟

*هذا المقطع من المراجعة به حرق شديد للأحداث، فلزم التنويه*

1- مطّ القصة

شاب ذو جناحين يقف وينظر إلى الأمام بزهو وتكبر
المصدر: SF Wallpaper

أكثر شيء أكرهه في أنمي (ديث نوت) هو مطّ القصة. فعندما يمطّ الكاتب أحداث قصته، تتهاوى الحالة الشعورية النهائية التي كان سيحصل عليها المُتابع إذا كانت القصة محدودة الجوانب. ففي الأنمي هنا كانت نهاية المانجا التي في عقلية المؤلف هي أن يموت (إل) و (لايت) سويًّا وفي وقتٍ واحد، وهكذا تنتهي القصة بنهاية درامية قوية تعلَق في ذهن المُشاهِد للأبد. ويكون المغزى منها أن لا انتصر الحق، ولا الباطل. ونوعًا ما انتهت السلسلة بنهاية مفتوحة ضمنيًّا، حيث في هذه الحالة كان الكاتب ليترك المُشاهد يُحدد أي من الشخصين كان يستحق أن ينتصر على الآخر. لكن للأسف هذا لم يحدث.

ففي الأنمي مات (إل) بين يدي (لايت)، حيث ضحك الأخير بخبث لانتصاره، ثم شرع في ادّعاء الحزن على وفاة صديقه الوحيد في هذه الحياة. ثم أتى الكاتب بشخصية (نير)، الذي هو خليفة (إل) في هذه الحالة. ليُكمل هذا الفتى الصغيرة مسيرة المُحقق الذي سبقه، وليستطيع حصر (كيرا) في موضع مُحدد ليكشف هويته لأعز الناس إليه، ثم يموت (كيرا) أخيرًا مدرجًا بالدماء وناظرًا إلى الفراغ.

هذا المطّ لم يكن نيّة الكاتب الحقيقية، لكن مطّ الأحداث كان نتيجة ضغط من قبل استوديو (ماد هاوس) القائم على عمل الأنمي الخاص به في (2006). وهذا لأن الأنمي في ذلك الوقت كان مُحققًا لنسب مشاهدة عالية جدًا وكان الاستوديو يُريد أن يستمر الأنمي في العرض لأطول فترة ممكنة، لذلك طلب من الكاتب مطّ الأحداث ليستطيع الاستوديو عمل حلقات أخرى أكثر وأكثر.

2- جعل العنصر النسائي مشوِهًا للحبكة

وحش مرعب
المصدر: Getwallpapers.com

في الواقع أغلب الشخصيات منسوجة على قدر جيد جدًا من البراعة والرصانة، لكن من الناحية الأخرى توجد بعض الشخصيات التي لا يوجد لها دور محوري بالأحداث وأتت بالفعل كي تخدم عرضًا صغيرًا ما وترحل. هذا ليس سيئًا، لكن أن تكون الشخصيات ذات دوافع هزيلة وأن تكون الشخصيات ذاتها تافهة، هنا يجب أن أقول أن خلق تلك الشخصيات ما هو إلا استهزاء بقوّة الحبكة.

فالعنصر النسائي في هذا الأنمي سيء جدًا وجميع الفتيات والنساء أدوارهنّ مزرية للغاية. وهنا بالطبع يحضرني مثال (ميسا ميسا) صديقة (لايت) التي تفعل كل شيء من أجله كالبلهاء حرفيًّا. أو السيدة التي استغلها (لايت) فيما بعد بصفته (كيرا) كل يستطيع التنسيق بين خيوط أتباعه هنا وهناك. فمُجملًا كان العنصر النسائي سيئًا للغاية فعلًا.

الشخصيات

شخص يحمل مفكرة ويبتسم وبجانبه يوجد وحش وشخص آخر
المصدر: WallpaperSafari

لقد تحدثت عن الشخصيات الرئيسية بشيء من التفصيل بالأعلى، لهذا سوف أختصر حديثي هنا بعض الشيء. الشخصيات منسوجة ببراعة ولكل شخصية غاية وهدف، فلا توجد شخصيات أتت كي تشغل حيّز فراغ مُعيّن ثم تذهب دون فائدة أو مدلول أو دور في تغيير أحداث القصة نحو مسارٍ أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

وهذا بجانب أن الشخصيات على وجه العموم ذات تصاعد درامي ممتاز، وبعضها وصل إلى ذروته الخاصة التي هي صادمة جدًا، تلك الذروة التي جعلت الشخصيات تفعل أفعالًا غير مُتوقعة على الإطلاق، وذلك انطلاقًا من مبدأ أن الشخصيات يجب أن تتطور وتتصاعد دوافعها وأفكارها خلال أحداث العمل الفني، ولا يجب أن تبقى على وتيرة واحدة للأبد.

الرسم والتحريك

ثلاثة أشخاص يظهرون بجانب الصورة أمام خلفية بنية
المصدر: Hesed.info

الأنمي من رسم استوديو MadHouse، وهو الاستوديو الذي قام بعمل العديد من أعمال الأنمي المُكتسحة لعالم صناعة الأنمي لأعوام طويلة مثل أنمي Hunter x Hunter (2011)، Death Parade (2015)، وMonster (2004). وحقق نجاحات كثيرة جدًا على مستوى صناعة الأنمي بشكلٍ عام، وعلى مستواه الشخصي بشكلٍ خاص. فلديه الكثير من أعمال الأنمي التي تُغطي كل التصنيفات الفنية المعروفة، مما يجعله أحد الاستوديوهات الشاملة بشكلٍ كبير في عالم صناعة الأنمي.

الرسم متوسط بعض الشيء، والتحريك كذلك. لكن من ناحية الإخراج، قام الاستوديو فعلًا بمجهود جميل جدًا. المُخرج كان على قدرٍ كبير من الخبرة في عالم صناعة مشاهد الأنمي ذات الزوايا الإخراجية السينمائية. فلوهلة ما وأنا أشاهد إحدى الحلقات ذات الإخراج الخارق، خُيِّلَ لي أنني أشاهد مقطعًا من ثلاثية أفلام العرّاب. بالمُجمل قام الاستوديو بعمل رائع جدًا بخصوص إنتاج هذا الأنمي وإظهاره للنور بالطلّة المذهلة التي ظهر بها لنا.

الموسيقى والأغاني

المقطوعات الموسيقية في هذا الأنمي حقًا رائعة جدًا، وتُشعرك فعلًا بأن (لايت) هو إله وسيّد لهذه الأرض وفي يده الأمر والنهي وحياة كل إنسان على سطح هذا الكوكب. كما أنه توجد مقاطع مُقطّعة للقلوب ومؤججة للمشاعد بشدة، وأخرى تبعث على الحماس والرهبة. كما أن أغنية البداية للنصف الأول من الأنمي جميلة جدًا بالمقاييس الموسيقية، سواء على صعيد التوزيع الموسيقي، الكلمات، أو الصوت. ومن أفضل المقطوعات الموسيقية بالنسبة لي هي مقطوعة: Low of Solipsism، ويمكنكم سماعها من هنا.

رأي شخصي

أنمي Death Note يُعتبر أحد أقوى أعمال الأنمي منذ بداية الألفية الجديدة وحتى الآن. فهو مزيج بين الحبكة الرصينة، الموسيقى المذهلة، والإخراج العبقري. الآن بعد أن أوفيناه حقه وأزدنا قليلًا، اخبرونا ما رأيكم في هذا الأنمي وهل ترونه فعلًا يستحق تلك المكانة التي هو فيها؟ أم أنه لا يستحقها على الإطلاق؟

مقالات ذات صلة

إغلاق