منوعات

فيلم The Insult (القضية رقم 23): تحفة فنية لبنانية

عندما يتحول اللاشيء إلى كل شيء

“شُيد البناء بالأحجار الصغيرة. صيغ الرداء المزركش بالخيوط الدقيقة. خُلقت الأعمال العظيمة بزخرٍ من الأفكار النحيفة. الطيور الهيفاء تُنقذ مئات الأميال من الأراضي الزراعية. الدود الخسيس من أهم أركان السلسلة الغذائية. اشتعلت الثورات بأفعال تعتبر حقيرة ودنيئة وضئيلة. كما قامت حروب هائلة بفائض من التخيُلات الجامحة، والنعرات المحلية المُصغرة التافهة. لذا ما يبدو صغيراً يطغى تأثيره على البسيطة أكثر مما تتخيل، فلا تستخف بالأفعال الصغيرة.”

كاتب المقال.

الأشياء الصغيرة يمكن أن تُحدث تأثير كبير، الأفعال الصغيرة يمكن تخلق مشاكل هائلة. إنها الإهانة، ليست السب والقذف على وجه الخصوص بل إهانة النفس والهوية الانتماء. هذا ما يتضح بهذا الفيلم الذي يعرض مشاكل متفاقمة بسرعة تطور الدودة إلى يرقة. يبسط الفيلم المفاهيم بشكل فضفاض يشحذ العقل بالأفكار ويثير العينين.

Imdb.com
Imdb.com

اضرب الوجه، حطمه، هشمه ولكن لا تطعنني في هويتي أو معتقداتي. هذا العمل الفني الممتاز يدور حول شخصين يعيشون في لبنان في نفس البلد بجنسيات مختلفة ومعتقدات مختلفة، أحدهم مسيحي والآخر مُسلم، أحدهم فلسطيني يسمى ياسر والأخر لبناني يسمى (طوني).

عندما كان الفلسطيني يمارس عمله بشكل طبيعي كمهندس مُشرف على العمال يُفَاجأ بسيل من المياه ينزلق على رأسه ينبع من مزراب شقة رجل لبناني، فيضطر أن يذهب ليعرض المساعدة في تصليح وجهة المزراب حتى لا يؤذي أحد آخر، لكنه قوبل بالرفض الشديد؛ لذا قرر الفلسطيني أن يقوم هو بتصليح المزراب بدون موافقة صاحب المنزل. ولكن بعد أن قام بتصليح اتجاه المزراب مرق اللبناني نحو الشرفة مُتسلّح بمطرقة وانهال بالضرب على الأنبوب حتى هشمه، ثار غضب الرجل الفلسطيني فسبه وأهانه ثم غادر المكان وهو حانق وغاضب على كل شيء.

Imdb.com
Imdb.com

عندها تتصاعد الاحداث ويهدد اللبناني برفع قضية على الفلسطيني التي ستُضع حياته على المحك لآنه لاجئ في لبنان نفسها. فيضر أن يرجع على مضضٍ للاعتذار ولكن…لا تضع القداحة على برميل الجاز. فقد انتهت مقابلة الاعتذار بعداوة واعتداء من قِبل الفلسطيني على اللبناني أودت إلى كسر اثنين من أضلاعه بعد أن تمنى موت السلالة الفلسطينية على يد شارون.

ومن هنا تتصور الأحداث للمحاكم والقضايا، وتتشابك وتتعقد الخيوط أكثر. المحاكم تجلب المحامين، والمحامين يستغلوا المواقف ويشعلونه، يحبون المماطلة والتباهي.

وهذا يجلب ذاك إلى أن وصلت قضية المزراب والشتيمة للإعلام. نفخ الأعلام في الصورة وأصبحت قضية موقف سياسي ــ مع أو ضد القضية الفلسطينية ــ حول القضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين.

Imdb.com
Imdb.com

فُتحت الأبواب على مصرعيها للذكريات الأليمة لكي تُلقي بكلمتها، وأنتقل الماضي إلى اليوم عبر الشاشات. استُرجعت الأيام الضالة الموحشة وبُعثت الحرب الأهلية اللبنانية على الشاشات حتى يتم دحض أدعاء هذا ومساندة ذاك، من ثم أخذت البلد بالانشقاق هذا فلسطيني مُسلم، وهذا مسيحي لبناني، فاشتعلت الحرب الأهلية وتطاير منها الشرر المُقدس. ولكن الشيء المؤكد أن الاثنين طالتهما نار الحرب

“إن الحرب التي تشنها الدولة، تفسد الناس في عام واحد أكثر مما تفسدهم ملايين من جرائم النهب والقتل التي يرتكبها الأفراد في ملايين السنين.”

ليو تولستوي.

كل هذا بسبب قضية مزراب!!؟ لا ليست حتى قضية مزراب أنها قضية شتيمة نسمعها في الشارع كل يوم! قضية ثلاث حروف فقط! هل تصدق هذا يا صديق؟ ماذا لحق بنا لكي تتصاعد أحداث هكذا مثل عود ثقاب يأكل نفسه بنفسه؟ لا تستخف بالأشياء الصغيرة يا صديقي. نحن شعوب العالم الثالث ننساق خلف القوة، نحدودب حتى تمتطي ظهورنا القوة والقوة تولد الفكرة. ونجن ننساق وراء الفكرة بقلة وعي وثقافة حتى تتصاعد الاحداث وتشتد الحبال لتجلب ماضٍ مُكدس بالدم والكراهية لحروب انطوت صفحتها منذ زمن بعيد. الحروب التي تلاشت من أرض الواقع ولكنها ما زالت حية وبقة داخل عقول الناس تمد جذورها داخل قلوبهم وتُنتج نبتة شيطانية سقيمة مُترعة بالحقد والعنصرية.

Imdb.com
Imdb.com

تستشري وتتفاقم مشكلات بسيطة ولكن القلوب العكرة والتمسك بالماضي الأليم تجعل أولاد الجنس والبلد الواحد يسفكون دماء بعضهم البعض. حتى يشعر الشخص أن الموقف يملكه ويتحكم به فيهيج ويصير لفكرته المُجحفة حتى تُباد الورود ويُزرع الشوك.

لم يكن للحرب يوماً جانب أنثوي، الحروب هي جُرم ولكن ولى وفات زمنه. ما زلنا نعاني منه كجُرمٍ بالتبعية يلتصق بقلوبنا المُرهفة لتصبح قاسية مثل الصوان. فتضع المقدمات وتلقى النتائج مُخيبة للآمال. الكل يرى نفسه مظلوم، الكل يرى في نفسه الصواب. الكل يعرض المساعدة بغرض طغيان مذهبه واتجاهاته على المذاهب والمُعتقدات الأخرى. لا نفكر في ماهية الفعل قبل ارتكاب الإثم. خوفك يدفعك نحو التعصب والتعصب يدفعك للموت.

في نهاية الفيلم وضعت فكرة لم أفكر في مثلها. أن القضية الفلسطينية تحوذ على كل التعاطف والمساعدة لدرجة لا تسمح للقضايا الأخرى التي تستحق المساعدة أن تتواجد على الساحة أصلاً. هل استحوذت القضية الفلسطينية على كل التعاطف، هل احتكرت القضية الفلسطينية كل المعاناة في الكون؟ كل المنظمات المتحدة والمُختصة والشعوب تتعاطف مع القضية الفلسطينية، ولكن إذا نظرنا للقضايا الأخرى سنرى أنها تنزوي في زاوية الغرفة.

Imdb.com
Imdb.com

أظن أن هذا ليس صحيح بشكل كامل. فكل القضايا لا تساوي شيئاً نسبتاً لوطن مُغتصب وشعب مُحطم ومُرحل، ورغم كل هذه المساعدات، لم يصل الفلسطينيين حتى إلى أدنى نسبة من مطالبهم، ولكن في الحقيقة أن قوة المشكلة وقوة طرحها على الساحة تضع القضايا الأخرى في مأزق كبير، هذا فكر مطروح يستحق التفكير.

الفيلم بشكل عام رائع وممتاز، وهو تحفة فنية حقيقة تستحق المنافسة على الأوسكار بجدارة بل والحصول عليه. السينما اللبنانية تُثري المحتوى العربي بشكل جيد جداً، وبالنظر للدول الأخرى مثل مصر لن تجد شيئاً في عظمة هذا الشيء من حيث التمثيل والتصوير والإخراج المُبهر والسيناريو العظيم في كتابته.

التمثيل كان مُبهر، فاق الامتياز بالنسبة لصناعة فيلم عربي، كانت نتائجه هائلة ومدوية على المستوى العالم. أحدث طفرة في السينما اللبنانية بدون مبالغة والدليل أن هذا أول فيلم لبناني يٌرشح للأوسكار وينافس عليه بقوة.

Imdb.com
Imdb.com

أداء الممثل عادل كرم بدور طوني حنا، أداء بديع مُبهر. استطاع أن يتجلى بعيون متوهجة تطق شرار وتنطوي على نوع من الماضي السقيم الذي يطارد تخيلاته وغضباته، ولكن إذا شُقت بطنه لخرج فتى صغير أليم يشع بالمحبة والضياء الإنساني.

استطاع الممثل بجدارة أن يصدر الوجه الخشبي للمشاهد وأن يقنعه بهذه الشخصية المُجحفة ولكن بعد أن تتفتح الملفات القديمة سيفاجأ المشاهد بماضٍ مُروع.

أدى الممثل كامل الباشا واحد من أفضل أدواره على الأطلاق، هو في الحقيقة فلسطيني الأصل والجنسية ويعتز بذلك جداً لذلك سترى هبوب رياح المشاعر المُزمجرة من صميم الأعاصير. وسترى انفجار بركان الغضب في غابة من الإنسانية الداخلية.

حقيقة كل شيء كان رائعاً، بل أكثر من ذلك. الإخراج يستحق الثناء والتصوير السينمائي كان ممتازاً. لا غبار على الأداء التمثيلي من جميع الأطراف. ولكن الكتابة هي الشيء الأكثر عظمة في هذا الفيلم.

Imdb.com
Imdb.com

“ليست مهمة الفن تقديم الشكل الخارجي للأشياء، وإنما تقديم المدلول الداخلي لها.”

أرسطو

الكلمات الأخيرة في هذا المقال لن تكون ثناء على الفيلم ولكن دعوة لجميع العرب على وجه الخصوص والعالم كله على وجه العموم لمشاهدة هذه التحفة الفنية. لكي نتعلم فن صنع فيلم حقيقي بدون ابتذال أو أفكار مُستهلكة تجلب المال ولكن لا تدفع المُجتمع للأمام. ولا ترمي الواقع بسهام الحقيقة. فلتحيا السينما الحقيقة والأفكار النبيلة المُساعدة والداعمة لبناء أوطان أكثر أماناً ومُدن أكثر تفاعلاً وسماحة وشعوب أكثر تثقفاً وحضارة. إذا كان الفن هو الجرار الذي يسحب المُجتمع إلى الامام. إذا كان هو المطر الذي يُنقي أرواحنا من أتربة الحياة فهذا هو.

“قد لا توجد أي طريقة أخرى لفهم الإنسان إلا من خلال الفن.”

نادين غورديمير

مقالات ذات صلة

إغلاق