منوعات

مراجعة الفيلم الياباني Confession: انتقام، دمار، وضياع نفسي تام!

الكثير من الأفلام والأعمال الدرامية تناقش الغاية من الوجود. وشاهدنا أفلامًا وأعمالًا كثيرة ناقشت ذلك المفهوم من خلال وجهات نظر مُختلفة ومُتعددة. فبعض الأعمال تقول أن الغاية من الوجود هي إيجاد النفس، وأعمال أخرى تقول أنها إسعاد الآخرين، وأعمال أخرى مختلفة تمامًا تقول أنها انتقام مستمر ودائم من كل شيء وأي شيء، حتى الذات البشرية نفسها.

وتلك الأفلام التي تناقش مفهوم الانتقام كغاية من الحياة غالبًا ما تتم قولبة أحداثها بشكلٍ يدفع المُشاهد للتفكير والتأمل في كل حدث يتم بالفيلم، وحتى بعد نهايته كذلك. فالانتقام هنا يتم تقديمه على أنه مفهوم فلسفي ونفسي أكثر من كونه مجرد قتل ودماء متناثرة هنا وهناك. ومن أحد الأفلام التي ناقشت ذلك المفهوم بطريقة فلسفية وواقعية شديدة الألم والقوّة هو فيلم Confessions الياباني (باليابانية Kokuhaku)، والذي صدر في عام 2010 وترشّح لـ17 جائزة، وفاز بثمان منها. الآن هيا بنا نتحدث عن ذلك الفيلم الدرامي القوي قليلًا.

*المراجعة خالية من الحرق (Spoilers) تمامًا*

القصة

سيدة تجلس وسط طلبة أثناء صورة جماعية
المصدر: IMDB

تتمحور القصة حول المُعلمة الهادئة والرزينة Yuko Moriguchi. تلك المُعلمة التي تُدرّس لفصل من المشاغبين والأشقياء الذين يجعلونها مغلوبة على أمرها معهم، ولكونها تحب مهنة التدريس، فهي تتحمل. لكن في يوم من الأيام تُقرر أن تتوقف عن التدريس، وأنها يجب أن تقول ذلك للطلبة في آخر حصة تُعطيها لهم قبل أن ترحل.

فدخلت المُعلمة الفصل المليء بالضجيج والمُزاح والتنمر وكلهم يشربون عبوّات طازجة من اللبن الخاص بالطلبة. تتحدث المُعلمة قليلًا عن الحياة والغاية منها، وكذلك ماضيها مع زوجها الراجل مريض الإيدز، وكذلك طفلتها التي ماتت حديثًا. وبين هذا وذاك ذكرت أنها ستتركهم وهذا جعلهم يفرحون ويُهللون بشدة. وبينما هي تتحدث هكذا والجميع غير مُهتم وكلٌ في فلكه يسبح وحيدًا، فجأة تقول أن فتاتها المسكينة لم تمت موتة عادية، بل قُتِلَتْ!

وقالت أن التحقيقات قيدت القضية ضد مجهول، لكنها تعلم الفاعل، وستعاقبه وتجعل حياته جحيمًا وتُجبره على أن يتمنى الموت كيلا يعيش في ذلك الجحيم كل يوم. إن الفاعلان هما شخصان من هذا الفصل، ثم ذكرتهما بالاسم، ولم تكتفي بذلك فحسب. فقالت بعد ذلك أن الحليب الذي شرباه قد خلطت به دماءً من دماء زوجها الراحل المُصاب بالإيدز. فينتشر ذعر مستطير بين الطلبة لتبدأ رحلة المُعلمة (يوكو) في تعليم الأطفال قيمة الحياة عبر سلبها منهم قطعة قطعة.

ما المميز في هذا الفيلم؟

فتاة تسير بالمقدمة وفتى ينظر إليها
المصدر: IMDB

في الواقع عناصر الصياغة والبناء مميزة جدًا في هذا الفيلم. بداية من الشخصيات الموزونة وذات التصاعد الدرامي الممتاز، مرورًا بالإخراج القوي والرصين والسوداوي، ووصولًا إلى النهاية الحابسة للأنفاس بشدة، والكثير والكثير بالمنتصف. لكن من وجهة نظري توجد ثلاثة عناصر ونقاط رئيسية هي التي جعلت هذا الفيلم من القلائل الذين يحصلون على العلامة الكاملة لدي.

الرحلة الفلسفية الواقعية

فتى وفتاة يقبلان بعضهما البعض على الشاطئ
المصدر: IMDB

في هذا الفيلم بعدما تعرف الشخصيات أنه تم الإيقاع بها في مصيدة المرض عبر خدعة رخيصة، تبدأ في التوتر وفقدان الأعصاب بالكامل، مما يجعلها مُشوشة وتتخذ قرارات غير منطقية وعشوائية إلى أقصى حد. وذلك التشوّش يُدمر تعاملاتها الاجتماعية مع من حولها، وأيضًا يُهشّم البقايا المُتبقية من العقلانية بالشخصية نفسها. وفي النهاية يزداد لدى الشخصية الشعور بالذنب الذي يُترجم بعد ذلك إلى تخبطات حياتية شديدة وتقلبات نفسية عنيفة. وتلك التقلبات تساعد على تقويتها والزيادة من بأسها المُعلمة (يوكو) نفسها، وهذا بأقسى وأعنف الطرق غير المباشرة الممكنة.

بعد كل ذلك تجد الشخصية نفسها أمام مُتفرق طرق، وعندما تسلك طريقًا تجد نفسها مرة أخرى أمام تفترق طرق جديد. لترى الشخصية من أعلى أن حياتها كلها ما هي إلا عبارة عن مفترقات طرق لا تنتهي، لكنها تنبع من طريق واحد فقط اختارت أن تسلكه بإرادتها دون أن تُدرك تبعات هذا القرار على الإطلاق. الآن تسقط الشخصية في هاوية لا قرار لها من التساؤلات التي تبدأ كلها بـ(ماذا لو) وتنتهي دائمًا بالصراخ والنحيب والألم النفسي الشديد.

في النهاية نجد أن الغاية من الحياة هي أن نُقدر قيمة الحياة ذاتها، لا أن ننتقم أو نقتل أو نبحث عن غاية إنسانية أُخرى، بل أن نُقدر قيمة الحياة التي تم منحها لنا، وألّا نُسفّه من حيَوات الآخرين أو نسلبها منهم، فهذا يُدنِّس قداسة الوجود والكينونة، ومعه تصير الحياة جحيمًا مُتجسدًا لا محالة.

تمحور الحبكة حول المراهقين الحديثين

فتى يجلس وحيدًا بالظلام
المصدر: IMDB

الكثير من الأعمال الفنية تبني أحداثها بشكلٍ يتلائم مع كون الشخصيات القائمة بها كبيرة في السن، أو راشدة على أقل تقدير، فبالتالي تصير أفعالها منطقية وقابلة للدراسة والتحليل، مما يُكسب العمل الفني ثقلًا ويجعل له قيمة في ذهن الذي يُتابعه. لكن من وجهة نظري الأعمال التي تتمحور حول الأطفال الصغار أو الأشخاص الذين دخلوا مرحلة المراهقة حديثًا، هي أفضل الأعمال، فقط إذا تم تناولها بمنظور علمي صحيح.

أن تبني حبكة أبطالها من الأطفال والمراهقين أنت هنا بكل تأكيد تحتاج إلى مساعدة علم النفس وعلم النفس التربوي. فللأطفال مفاتيح كثيرة جدًا على عكس الراشدين والبالغين. فأقل شيء قد يُدمِّر أعصاب الطفل ويترك به جرحًا عميقًا قد لا يندمل حتى الممات. ويُمكن أيضًا أن يُغيّر هذا الشيء من مساره الحياتي بالكامل. فقد يُحيل القديس سافكًا، والناسك بين واقع وشرود.

الأطفال لا تستطيع التنبؤ بردود أفعالهم على الإطلاق، مما يجعلك كمُشاهد للفيلم جالسًا تُخمن ماذا ستفعل تلك الشخصيات وكيف ستتفاعل مع الأخبار والأحداث التي ترد إليها وتمر بها على الدوام؟ وفي النهاية تجد أن ردود الأفعال تلك تختلف عن الذي توقعته تمامًا، لتنبهر وتحب الفيلم أكثر وأكثر. فعندما تؤذي طفلًا على الصعيد النفسي وهو صغير، قد تكون النتيجة مأساوية عِند الكبر، فيمكن أن تتولد بداخله نزعة نحو الانتقام، أو نزعة نحو الموت وترك كل شيء يذهب ويرحل إلى الأبد.

انتقال الاعتراف من شخصٍ إلى آخر حتى ذروة الأحداث

فتى يأكل على طاولة
المصدر: IMDB

في الواقع الشيء الأكثر تميزًا هو فكرة الفيلم نفسها: الاعترافات. ففي الأعمال الأدبية يوجد نوع يُسمى (أدب الاعترافات)، وهذا اللون من الأدب يدوِّن من خلاله الكاتب اعترافات كاملة سواء لنفسه، أو لشخوص عمله. مما يُعطينا معرفة وإدراك أعمق لمبادئ ودوافع وأبعاد الشخصية التي نحن بصدد الاحتكاك بها خلال طيّات الأحداث. وهذا الفيلم أبدع فعلًا في نقل أدب الاعترافات من الصورة المكتوبة إلى الصورة المتحركة والتفاعلية والمؤججة للمشاعر والشجون.

استطاع كاتب السيناريو تقسيمه إلى خطوط مكانية وزمانية مُختلفة تتناسب وتتوافق مع كل شخصية على حِدى. ففي كل جزء اعترافي نرى القضية المطروحة بالفيلم من خلال منظور الشخصية صاحبة هذا الجزء المُعيّن، لنرى أنها مختلفة كثيرًا عن الشخصيات الأخرى. ونجد أن الدوافع قد تكون للبعض تافهة جدًا، لكن التَبِعات المترتبة عليها مهولة وقوية بشكلٍ لا تستطيع الشخصية تحمله.

والشيء الذي يدعو للدهشة ورفع القبعة للكاتب هو أن كل جزء توجد فيه بعض التلميحات والأشياء الصغيرة التي تقترن بالأجزاء الاعترافية الأخرى، والتي في النهاية سوف تتجمع وتتبلور في صورة نتيجة واحدة نهائية مؤلمة تجعلك تفتح فاهك على آخره وعيناك جاحظتان وتنظران إلى الكرامة الإنسانية تُبعثر، الآمال تُدحر، وقيمة الحياة تُدرك بأقسى وأقبح طريقة ممكنة. تلك النهاية المأساوية التي يستلمها المُخرج ليصنع منها مشهدًا خارقًا على صعيد الإخراج الفني القوي والحاد أراهن أنه سيصير من أبدع المشاهد الإخراجية التي ستروها في حياتكم.

الشخصيات

مُعلم يشرح على السبورة
المصدر: IMDB

الشيء الجيد هنا أن عدد الشخصيات ليس بالكبير على الإطلاق، فمحدودية الشخصيات من حيث العدد دائمًا ما تكون مفيدة بالنسبة لإعطاء كل شخصية القدر الكافي من الضوء أمام الكاميرا، كي يستطيع المُشاهد أن يدرسها بشكلٍ كامل ويستطيع فهمها والتفاعل معها على الصعيد المادي والمعنوي. لدينا هنا شخصيات رئيسية قليلة مثل المُعلمة، الجاني الأول، والجاني الثاني. وجميع الشخصيات الثانوية الأخرى أدوارها فعلًا ثانوية ولم تساعد على خطف الضوء من الشخصيات الرئيسية أبدًا، مما يجعلها منسوجة بشكل توافقي معهم بالفعل.

أما من ناحية نسج وصنع الشخصيات الرئيسية ذاتها. فأنا أرى أن المبادئ والدوافع التي تُغذي أفعال كل شخصية منهم هي جيدة وموزونة حقًا وتتناسب مع البيئة التي تواجدت فيها كل شخصية على حِدى. فالمُعلمة فقدت الزوج، ولم تتبقى لها إلا الفتاة، ففقدتها هي الأخرى، فسعت للانتقام لتُعلّم الأطفال معنى الحياة. والطفلان من الناحية الأخرى كان أحدهما يكره كونه موجودًا في عائلة غبية لا تقدر ذكائه، فقرر أن يُثبت قدراته العقلية عبر جريمة قتل، والآخر كان يُريد صديقًا لذلك حاول أن يحافظ عليه بمساعدته في تلك الجريمة.

أما بالنسبة للشخصيات الثانوية فلكل منها قصة جانبية أيضًا تم عرضها بشكلٍ لا يتعارض مع مساق الأحداث الأصلية، بل وأيضًا ساعدت الشخصيات الرئيسية على القيام بدورها بشكلٍ رائع. المُميّز هنا أن الشخصيات الثانوية بالرغم من أن لها عمقًا واضحًا، إلا أن الكاتب في النهاية جعلها تروسًا صغيرة تقف بجانب تروس أخرى كبيرة ضخمة تدور كل يوم لتُبقي هذه الحياة كما هي. وإذا فُقِدَ ترس أو اثنين، تستمر الحياة في العمل وإتلاف المزيد والمزيد من التروس، بينما تبحث التروس الكبيرة عن هدفها في تلك الحياة.

التمثيل

فتاة تنظر عبر الزجاج إلى اثنان يتحدثان
المصدر: IMDB

التمثيل حقًا على قدرٍ هائلٍ من الدقة والإتقان. فالدور الذي قامت به الفنانة Takako Matsu كالمُعلمة ليس بالدور السهل. فيجب عليها أن تتقمص الدور بالكامل وبطريقة تخوِّلها من النحيب، الضحك بهيستيريا، التحدث برزانة، الغوص في الحزن، والعديد من الحالات الشعورية والأفعال الأخرى التي تستلزم منها أن ترتدي عشرات الأقنعة خلف بعضها البعض لتُجسّد شخصية تلك المُعلمة التي جار عليها الزمن، وغيّر فيها من المبادئ والغايات ما لا تقدر على فعله أعتى الصدمات النفسية.

أما بالنسبة لدور المُمثل Yukito Nishii في دور Shuya Watanabe فالأداء كان مُحكمًا بالرغم من صغر سن المُمثل. فكان مُلزَمًا بتجسيد شخصية رعناء في البداية، لكن سرعان ما ترى الحياة بمنظور أسود ويبدأ الماضي ينهش فيها حتى يدفعها إلى الاكتئاب الشديد، ذلك الاكتئاب الذي يُحوِّر ويُحوِّل أعرافها وأهدافها كي تخدم شيئًا آخر، شيئ عميق ومدفون في أعماق قلب الشخصية وآن الأوان له أن يظهر أخيرًا. أما بالنسبة لدور المُمثل Kaoru Fujiwara في دور Naoki Shimomura فكان الأداء فيه جيدًا، فقد استطاع تجسيد آمارات الجنون والخلل العقلي بشكلٍ دقيق بالنسبة للمرحلة العمرية التي هو فيها، وهذا يتوافق مع معايير علم النفس بالنسبة للسلوك العدائي الناتج عن وسواس قهري مبني على صدمة نفسية شديدة.

ومن الناحية الأخرى نجد أن الأداء التمثيلي لباقي طاقم العمل كان جيدًا، فقد ساهم الأداء الخاص بهم بشكلٍ عام في رفع التقييم العام للفيلم عندي بالنسبة إلى خانة الأداء التمثيلي.

الإخراج

شخص يقف بجوار سيدة ليلقي عليها التعليمات
المصدر: IMDB

الفيلم من إخراج Tetsuya Nakashima، وقد أخرج العديد من الأفلام اليابانية الدرامية الأُخرى مثل The world of kanako أو Kawaki ، و Memories of Matsuko أو Kiraware Matsuko no isshô.

هذا الشخص حقًا يعشق الإخراج في الأماكن المُغلقة، فأسلوبه الإخراجي يعمد إلى استغلال الظلال وانعداء الإضاءة بشكلٍ كبير لترسيخ الحالة الشعورية النابعة من المشهد في قلب المُشاهد. وله العديد من المشاهد الإخراجية المُميزة خلال الفيلم. لكن المشهد الأعظم الذي جعلني أندهش هو مشهد النهاية. فمشهد النهاية دمج بين الرهبة، التشفي، الخوف، الارتعاد، الوعيد، وأيضًا الاستعلاء والتكبّر. هذا المشهد من حيث الزوايا الإخراجية، الحوار، والموسيقى التصويرية عبارة عن تحفة إخراجية نادرًا ما تتكرر.

الموسيقى:

أفضل شيء بالفيلم هو الموسيقى التصويرية والأغاني المُصاحبة للأحداث. فالآن أنا أكتب هذه الكلمات وأنا أستمع إلى أغنية Last Flowers من إنتاج Radiohead. وتلك هي الأغنية المُصاحبة لأحد الماشهد التي كانت تسير فيها المُعلمة وحيدة أسفل المطر وتتذكر كل شيء وتنتحب، لكن تقف بقوة لتُكمل سعيها نحو الانتقام. وملاحظة هامة، المقطع التالي هو مقطع الأغنية، لكن به حرق للفيلم بأكمله.

شاهد المقطع هنا

رأي شخصي

هذا الفيلم أيقونة سينمائية يابانية مُتجسدة ويجب على كل شخص مُحب للسينما بشكلٍ عام، وللحبكات الدرامية بشكلٍ خاص أن يُشاهده.

بإمكانك مشاهدة العرض التشويقي للفيلم هنا

مقالات ذات صلة

إغلاق