منوعات

فيلم Phantom Thread: نغوص في بحار الألم لكي نشعر بفقاقيع الحب

“إذا أحببت حتى تألم قلبك، فلن يكون هناك المزيد من الألم، فقط المزيد من الحب.”

الأم تريزا

فيلم Phantom Thread هو ذاك النوع من الأفلام التي ترفعها للسماء أو تحُطَّها أسفل سافلين، إما أن تعطيها الخمس نجمات أو لا شيء، أما ان تعشقها وتنسج لها أشعاراً بخيوط فولاذية، أو تكتشف أن تلك الخيوط المارقة هي خيوط وهمية مجرد أشباح تطارد تصوراتك المُتخيلة.

منذ قديم الأزل، والإنسان يُعاني لكشف المُستتر خلف علاقات الغرام والحُب، يسعى دائماً لفهم ميكانيكا العلاقات الرومانسية وفلسفة الانجذاب المكنون لاستنباط شيئاُ ينير دروب الهائمين خلف أسوار عاشقيهم، ولكن في الحقيقة العلاقات العاطفية هي من أكثر الأشياء المُبهمة، غامضة إلى حد السواد، حتى دارسي كيمياء العقل والنفس لم يصلوا لنتيجة نهائية أو حل شافي للقلوب.

Imdb.com
Imdb.com

في هذه التحفة الفنية ــ وعندما أقول تحفة فنية فأنا أعني ذلك وبشدة ــ سترى واحدة من القصص المُستترة في نفوس أصحابها، المحبوسة بين أسوار قلوب أُناس لا نعرفهم، غريبة تارة ومتوهجة تارة أخرى، بغيضة ومقيته ولكنها تنطوي على شيء ما، مُتحجرة كقناع فولاذي ولكنها لينة أشبه بعلكة.

تدور أحداث الفيلم في عام 1950 عقب الحرب العالمية الثانية، حول مصمم أزياء مشهور يُدعى (رينولدز وودكوك)، ذا صيت وسُمعة هائلة. يصنع الفساتين لسيدات الطبقات العليا مثل الملوك والأميرات والممثلين وغيرهم من عِليَة القوم. ولكن يواجه (رينولدز) مُعضلة تناقضية هائلة تنغص عليه حياته، وهي عدم الرضا عما يصنعه بأهدابه الذهبية ويشرف عليه بوجهه المُتجهم.

يُنصح (وودكوك) من قِبل أخته (سيريل) أن يذهب لضواحي المدينة ليأخذ قسطاً من الراحة ليعاود نشاطه مُجدداً، فينزل إلى مطعم بالبلدة وترشق عيناه جسدها السامق الملفوف، ووجها الهادئ وعودها المُنزوي وكتفيها الشبه عريضين، فترمقه بنظرة ضاحكة متوهجة خالية من سواد الحياة…لقد كانت النادلة.

يعرض عليها أن تأكل معه، ثم وفي هذه اللحظة ينضح (وودكوك) عن حقيقته! لم يستطع يوماً أن يفصل شغف الفنان بالنجاح والعمل عن خيوط العاطفة الشبحية، فانطلق آخذاً إياها إلى منزله…بل آخذا هذه المسكينة إلى جحيم مُستعر وصرامة متصلبة.

Imdb.com
Imdb.com

أخذها للمنزل وبعد عدة كلمات أصبحت دُمية مُستهلكة بين يدين بارعتين، آلة بمواصفات قياسية هو فقط من يملك عصى التحكم، ولكن ثمة مشكلة عويصة. فقد أُسرت الفتاة بخيوط الحُب الوهمية، واتبعت دربه المفروش بخيوط من ذهب ولكنها لا تلبث ان تتحول إلى أشواك مرصوصة…لآنها ببساطة خيوط وهمية، فبدأت الجولات بالتتابع فتارة يسقط من التعب فيرجع لها ويعشقها ومن ثَمَّ تَبعث فيه القوة فيرجع ويتلاشى خيلاؤه وحبه لها.

ولكن هل يمكن أن تتحول الخيوط الوهمية إلى حبلٍ مُستحكم الحلقات حازٍم العُقد، هل يُمكن للفتاة أن تخرج من عباءة الآلة إلى عرش المُتحكم بها؟ هل يمكن أن تتمسك بعواطف قانية، وقلوبٍ متحجرة دامية، فقط لآنها تحبهم؟ هل تريده أن يمرض كثيراً حتى يعود لها؟ ولكن كيف؟

القلوب هنا تعيسة دامية. قلب يستغرق في سماء الحب الفضفاضة المُزينة بالرقة ولكن مع رحابة السماء لا تجد لها مكان بين ملائكة الحب المُحلقة. فتقرر صنع مكانها بنفسها. والقلب الأخر مُستهلك في عمله ملفوف في خيوط حريرية لا تُرضيه فيُستهلك أكثر وأكثر حتى ينفجر قلبه المحقون بالأسى. فيضطر للرجوع. أحتاج للمرض حتى يشعر بالحب، لذا ستعطيه ما يريد. هذا الفيلم بصدد عرض امرأة استطاعت التكيف مع غطرسة النجاح وجمود العمل وقساوة القلب.

Imdb.com
Imdb.com

النهاية هي نهاية غير متوقعة ملتوية، معوجة أشبه بدودة أو ثعبان ينقض على فريسته الضخمة. صدر لنا المُخرج في الثلثين الأولين من الفيلم علاقة (وودكوك) بعمله وب(ألما) ولكن في النصف الثالث يضرب على رؤوسنا بالصولجان السحري. فيقلب كل شيء.

الفيلم يناقش الجانب الأكثر قتامة في حياة كل منا، وهي القدرة على التعايش، وكيف يهيمن الرجل بنجاحه وشغفه على المرأة مكسورة الجناح، فتجد الشخصية الرئيسية (وودكوك) رجل يعيش بدخل عالمه الخاص، لا يريد الخروج من هالته، يخاف الجديد والمتداول ــ وهذا كان واضحاً في المشهد الضي يعترض فيه على كلمة (شيك ـ Chic).

يريد صانع الأزياء من الناس جميعاً أن يبقوا داخل هالته، ينصاعوا لكينونته، وينقادوا تحت رايته، فلا يستطيع شخص مضايقته أو الاعتراض عليه، أو حتى ممارسة شيء يحبه مادام يصب في قالب غريب عنه.

رجل كثير الانزعاج قليل الكلام، كان يعاني كثيراً بدون كلام، كان يحتاج إلى شيئاً ما لا يستطيع أحد أن يعطيه له ما دام قوياُ يستطيع النفور، حتى جاءت الفتاة الجميلة (آلما) كانت معاناتها تنبثق من معاناة (رينولدز وودكوك) ذاته، لقد كانت هي عاطفة النساء المتوهجة في مقابل شغف الفنان الناجح، الذي لا يفقه شيء في الحياة غير العمل فقط، كان نجاحه في العمل بالنسبة له كل شيء أما بالنسبة ل(آلما) فهو لا شيء.

يناقش الفيلم العلاقة العاطفية من وجهة نظر مختلفة وهش كيفية التعايش مع كائن غريب أشبه بإنسان ولكنه آلة، ولكن تبقى ذرة إنسانية بداخل هذا القلب، تطغى عليه عندما يمرض ويسقم، وتخير قواه فيحتاج وبغريزته أن يحب شخصاُ ما، يشعر أنه قد عانى من الوحدة طوال حياته وقد آن الأوان ان يتلاقى قلبان.

أعجبني أن المخرج لم يُدخل الكاميرات غرفت النوم، فأبقى الطابع الجنسي غامضاً مبهماً، وأعجبني أيضاً اهتمام الكاتب ــ هو المخرج نفسه ــ بالحبكة، وخاصة الانقلابات الدرامية في آخر الامر.

وأعجبني ان الْتَجَأَ المُخرج للممثلة الرئيسية لكي تقوم بدور الراوي وتكشف بعض الجوانب المُستترة بين طيات القصة، أعجبني ظهور صنعة البطل بشكل واضح وجلي للمشاهد، وكيف كان متعصب لصنعته وعمله.

Imdb.com
Imdb.com

ببساطة هذا الفيلم يناقش العلاقة الأكثر غرابة، علاقة السُقم للحب والرخاء للبغض، علاقة تُطّوَّع فيها المرأة مُهجة الرجل لكي تستطيع التعايش بينما يعيش الرجل بمنطق داخلي خاص به لا يرتبط باعتبارات تعايش مع من حوله…هو رومانسية فريدة من نوعها، رومانسية من نوع آخر…فيلم رائع. وإضفاء طابع الخرافات والأحلام الذي كان يعاني منها البطل كان له تأثير كبير على شخصية البطل ووحدته ومعاناته الصامتة.

الإخراج عظيم…هادئ…فاتن، نجح المُخرج العظيم (بول توماس أندرسون) في بث خفايا حكمته في تلك القصة، كل أطار وكل مشهد في هذا الفيلم يحتوي على شيئاً ما ربما ليس الكلمات إنما يحتوي على ألوان وأناقة منقطعة النظير، يحتوي على وجوهٍ عميقة وعيون مارقة، يحتوي على صفاءٍ إسفنجي.

أظهر المُخرج رؤيته العميقة وبلاغة بصيرته المهيبة، وخصوصاُ انه من كتب القصة، لذلك وبحنكة معهودة استطاع أن يوّفق بين كياني القصة الداخلية والإخراج المكاني، دون أن يقع في فخ التقرير أو السأم المبالغ فيه والعرض الرتيب. رغم أن بعض النقاد عابوا على الفيلم بعض الفجوات الرتيبة التي تتخلل الفيلم وبعض المشاهد التي يمكن الاستغناء عنها. ولكن في الحقيقة أن أي مشهد حتى لو لم يكن ذا فائدة فهو رائع من حيث الكادرات والألوان وأناقة الأزياء ــ التي حصدت الاوسكار والبافتا ــ بشكل مثير للعين ومُهدئ للنفس.

Imdb.com
Imdb.com

الموسيقى التصويرية مناسبة لهذا العمل بشكل عظيم، والموسيقى هي من عوامل خروج هذه التحفة الغير معهودة على هذه الشاكلة ذات الحضور الطاغي رغم وجود فضاء شاغر وفجوات كبيرة ولكن الموسيقى وتعبيرات الممثلين استطاعوا بجدارة سد فجوات القصة وقد أبدع (جوني حرينوود) في هذا…لذلك لن تشعر بالخواء أو الوحدة على الأطلاق.

قد أبدع الممثلين في أدوارهم، ولكن الشخصيتين الرئيسيتين في القصة هم الأعظم بالفعل، ف(دانيل دي لويس) العظيم كالعادة عظيم، استطاع ولأول مرة أن يستخدم لهجته الحقيقية وطبعها على كيان الشخصية، لكي يضفي عليها رونقه الخاص، وبمجهود ممثل مُحنك استطاع أن يُدخل كل أبعاد الشخصية بجسده ويطّوعها لإرادته، وثمة شيء يحب التحدث عنه هو قسمات وجه هذا الممثل البارع الذي يتحول لحرباء متلونة تفعل ما تشاء وتطغى بحضورها على الفيلم.

هناك جزء آخر يجب أن نأخذه في الاعتبار وهي الممثلة والموهبة الفذة الصاعدة (فيكي كرايبس) التي استطاعت أن تقدم أفضل الأدوار في مسيرتها الصغيرة، ويخال لي إنها طغت على العظيم (دانيل دي لويس) نفسه.

تعابير وجه هذه الفتاة خارق. ذات وجه هادئ مثير للراحة ولكنها استطاعت أن تقدم عرض داخلي صغير بوجهها فقط. الصمت المُطبق على الفيلم، وحديث العيون اللامعة في قتامة اللحظة السوداوية، لقد برعت في ذلك.

Imdb.com
Imdb.com

أشياء لم تكن تعرفها عن الفيلم:

  • ميزانية الفيلم 35 مليون دولار.
  • خطرت فكرة هذا الفيلم على المخرج (بول توماس أندرسون) عندما مَرِض في فراشه ورمقته زوجته بنظرة حانية أدرك بعدها إنها لم تفعل ذلك منذ زمن، عندها خطرت له الفكرة.
  • الجملة المفضلة بالنسبة للمخرج (بول توماس أندرسون) في الفيلم هي:
    “سيخرج الشاي، ولكن مقاطعتك لأفكاري لن تخرج، ستبقى معي هنا”
  • استعداداً للدور، شاهد العظيم (دانيل دي لويس) عدة مقاطع محفوظة لبيوت الأزياء وعروضها في هذه الحقبة، وتعلم أيضاً الخياطة حتى يتقن دوره بشكل أكثر حرفية.
  • لم تقابل الممثلة (فيكي كرايبس) الممثل (دانيل دي لويس) حتى يوم التصوير الأول.
  • لأن (دانيل دي لويس) يتعمق في تقمص الشخصية، تم إصدار تعليمات للممثلة (فيكي كرايبس) بعد مناداته إلى باسم الشخصية (رينولدز)
  • هذه أول مرة يستخدم فيها (دانيل دي لويس) لهجته الحقيقية في فيلم، منذ فيلم Stars and Bars.
  • لأسف هذا آخر فيلم للممثل العظيم (دانيل دي لويس) وقد أعلن اعتزاله نهائياً عن التمثيل.
  • قامت علاقة صداقة قوية بين (دانيل دي لويس) والممثلة (ليزلي مانفيل) التي تقوم بشخصية أخته في الفيلم، على مدار 6 أشهر حتى يُخرجوا الدور بأفضل صورة.
  • اسم البطل في الفيلم (رينولز وودكوك) تم اقتراحه على سبيل الدعابة من الممثل (دانيل دي لويس)، وعند سماع المخرج لهذا الاسم أخرج قهقهة ضحك مرتفعة للغاية ووضعه في النص.

في النهاية هذا الفيلم يشبه في طبيعته نوعية الأفلام الكلاسيكية التي تتميز بنسق منخفض بعض الشيء. ولكن هذا الفيلم ذا الطبيعة الرقيقة الشيطانية يحمل في داخله الكثير من المعاني التي تضرب مكامن المشاعر الساخطة والمُرهفة بداخلك، يعصف بقلبك مع الانقلاب الدرامي الحاد في نهاية الفيلم، يعكس تخيلاتك ويضرم النار في عقلك.

الفيلم وإن كان آخر أفلام العبقري (دي لويس) فقد استطاع الاختيار بحكمةٍ بالغةٍ الدور الذي يُنهي فيه حياته، لآن ثمة شيء في هذا العمل وخصوصاً شخصية (وود كوك) لم تراه إلا هنا، متميز بطباع وصفات مختلفة تماماً عن نوعية الأفلام التي تُنتجها (هوليوود) الآن. لذا أنصح بالمُشاهدة بشدة لكي نُعطي هذه التحفة حقها الحقيقي.

مقالات ذات صلة

إغلاق