منوعات

هاري بوتر: لماذا يُعد فارس الأطفال وقدوة البالغين؟

هناك أعمال فنية كثيرة على مر التاريخ صنعت البشر المتحضرين في الصورة التي هم عليها الآن. لكن تبقى سلسلة أعمال واحدة هي الأبرز بين كل تلك الأعمال الصانعة للحضارة: سلسلة ( هاري بوتر ) الخالدة. فالحضارات تُبنى بفضل أفرادها، وكلما كان الأفراد ذوي مبادئ وقيم، كلما كانت الحضارة الناتجة عن ذلك تستحق أن يُطلق عليها حضارة فعلًا.

اليوم سنتحدث عن شخصية خيالية في سلسلة روايات فانتازية كانت موجهة للأطفال، ثم صارت أسطورة متجسدة تسلب لب وعقل الكبير قبل الصغير. فاليوم سنتحدث عن (هاري بوتر) وكيف له أن أصبح فارس الأطفال وقُدوة البالغين، وليس على الصعيد الشخصي فقط، بل أيضًا على الصعيد الفني والروائي أيضًا.

تطور الشخصية في هاري بوتر

1- البداية

هاري بوتر يبتسم
المصدر: Nerdist

تبدأ سلسلة روايات (هاري بوتر) بالفتى الصغير الذي تعتلي جبهته ندبة على شكل برق مُميزة للغاية. يسكن في بيت خالجته صاحبة الرقبة الطويلة والفضولية وزوجها البدين والمتسلط، ذلك بجانب أبنها المُدلل الذي يستمتع بشدة عند التنمر على (هاري) من حين لآخر. الانطباع الأول الذي تأخذه عن (هاري) هو أنه طفل لا يستحق بكل تأكيد الوضع المأساوي الذي وُضِع فيه على الإطلاق.

(رولينج) -المؤلفة- قصدت أن تجعل (هاري) في ذلك الموقف للفت الأنظار إلى المعاملة الأسرية المتدنية التي يحصل عليها الكثير من الأطفال بعدما تحدث حوادث مؤسفة لأهلهم. لكن تشاء الأقدار أن يكتشف (هاري) أن لديه مستقبلًا واعدًا ليكون ساحرًا مرموقًا ويبتعد عن ذلك المنزل القميء.

وتلك رسالة أخرى بأن الأمل موجود، والأمل ينبع من الذات وحدها، لأن في الرواية القدرات والطاقات السحرية تولد مع الفرد، ولا يتم اكتسابها. الآن يبدأ (هاري) رحلته في مدرسة السحر، الآن يبدأ (هاري) بالتحوّل!

(هاري) في هذه اللحظات لا يدري إذا كان حقًا يستحق تلك الهبة والمنحة من الأساس أم أن هناك شخصًا آخر ببقعة ما بالعالم يستحقها أكثر منه. لحظة التشوّش تلك منطقية جدًا حتى وإن كانت لا تبدو على قسمات (هاري) ذاته. فتخيّل معي الآن أنني أُقدم لك طوق النجاة من كل آلامك وأحزانك، بالتأكيد سوف تفرح وتتشبث به في ثوانٍ كي تفوز بحياتك.

لكن من الناحية الأخرى وبعد مرور الوقت سوف تستشعر الخوف والرهبة مما أنت مُقبل عليه. هذا التشوّش وعدم التركيز هو ما يخلق الشخصية القادرة على التعامل بشكلٍ غير متوقع على الإطلاق مع الظروف والبيئة التي توضع فيها مع الوقت، تلك الشخصية المؤججة للخيال. وهنا نصطحب (هاري) ليدخل المرحلة التالية من مراحل تطور شخصيته: مرحلة التحوّل الدرامي الملحمية.

2- التحوّل الدرامي

هاري بوتر يبعد الديمبيدورز عند البحيرة
المصدر: Hypable

بعدما يدخل (هاري) المدرسة عابرًا لأبوابها الضخمة ومارًا بين أروقتها الغريبة، يبدأ في تفهم قيمة نفسه وأنه منذ هذه اللحظة لك يكون ذات الشخص الضعيف والهشّ الذي كان عليه تحت القمع الأسري من عائلة خالته. التحوّلات الدرامية التي تخللت حياة (هاري) كثيرة، وكل تحوّل منها يكشف جانبًا من شخصيته، وعليه نكتشف جوانب خفية من شخصياتنا.

فوقعت لـ(هاري) العديد من المآسي والآلام النفسية التي بسببها بكينا حتى النحيب، وعليه اكتشفنا أننا لسنا من نتصنعهم كل يوم. كل تلك الأقنعة التي نرتديها كل يوم، كل تلك المشاعر المزيفة، وكل تلك الآراء التعسفية، ما هي إلا غطاء نحاول به إخفاء نقاء نفوسنا. فالنقي في هذا المجتمع تتم معاملته كالحثالة والذي لا ينتمي.

لكن احزروا ماذا؟ مهما كذبتم على الناس، لن تكذبوا على قلوبكم. وهذه هي الغاية من تلك التحوّلات الدرامية، أن تكتشفوا أنفسكم وتحاولوا نزع كل تلك الأقنعة، وأن تجبروا المجتمع على أن يتقبلكم كما أنتم. كما فعل (هاري) وحاول ونجح في جعل المجتمع السحري يعترف كمنافس لسيد الظلام راسًا برأس، معروفًا بالطفل الذي عاش!

في تلك المرحلة الدرامية المؤلمة ينتقل (هاري) من العنفوان والحماس إلى الرزانة والهدوء، والأهم هو أن هذا يحدث بالتدريج. فقبلها كان (هاري) مُجرد فتى سعيد ومُبتهج بأنه أخيرًا سوف يترك هذا المنزل الذي دمّر طفولته وحطّم أحلامه، ليذهب حرفيًّا إلى أرض الأحلام، حيث يكون الشخص الذي يريد أن يكونه.

لكن بمجرد أن يدخل تلك المدرسة ويحتك بالطلبة والمُدرسين والأسرار والخبايا المتوارية خلف مبانيها الضخمة وحوائطها السميكة، يكتشف أن العالم ليس كما توقع، وأن الحياة مليئة بالمخاطر وعلى الإنسان أن يُجابهها مع الوقت.

وكذلك حياة (هاري) في هذه المرحلة يشوبها الكثير من التوجس الممتزج بالحزن العفوي. فهو دائمًا ما يفتقد والديه ويشعر بأنهما إذا كانا هنا لما كان كل هذا حدث له ولكان الآن يعيش بينهما في أمان وسلام ويحتضنهما كل يوم أيضًا. وبجانب هذا الحزن نجد الكثير من الألغاز والغوامض التي تحوم حول (هاري بوتر، الطفل الذي عاش). وفي النهاية نزع اللثام عنها خلال الحبكة يزرع الريبة والخوف والتوجس في قلب (هاري)، ومن ثم في قلوبنا نحن.

تلك المرحلة لا تُحدد فقط من هو (هاري بوتر) المستقبلي، بل أيضًا تُحدد مصائرنا نحن. فنحن نُماثل (هاري) في جميع حالاته ودائمًا ما نستطيع أن نجد إسقاطًا من حياته على حياتنا بشكلٍ أو بآخر. وفي النهاية كل هذا يصب في مرحلة نهائية وأخيرة، المرحلة التي نواجه فيها مخاوفنا ونجد فيها ذواتنا الحقيقية: مرحلة الذروة.

3- الذروة

هاري بوتر يبارز فولديمورت
المصدر: ERR Menu

ذروة شخصية (هاري) هي عبقرية بحق. ففي كل الأجزاء تزيد (رولينج) من نزعتها نحو توجيه الرواية للبالغين أكثر، وللأطفال الذين كبروا معها منذ الرواية الأولى وصاروا في عمر (هاري) حتى الرواية الأخيرة. فقد تحول (هاري) من الفتى المرح الذي يبحث عن السعادة في كل حدب وصوب بأرجاء مدرسة السحر، إلى ساحر حقيقي يطارده المجتمع السحري كله وتقع على عاتقه مهمة نفي سيد الظلام من هذا العالم مهما تكلّف الأمر من شخوص تُفقد، أو دماء تُهدر.

في هذه المرحلة نجد أن كل الخطوات التي قام بها (هاري) حتى الآن ساهمت بشكلٍ قوي في تكوين شخصيته وتحديد نمط وطريقة وآلية تفكيره. سواء كان ذلك التفكير تجاه نفسه، تجاه من يحب، أو حتى تجاه الهدف الأسمى والنهائي الذي يسعى إليه. أن نرى (هاري) يتخلى عن كل شيء من أجل تحقيق هدف واحد، هذا حقًا ما أدعوه بالتصاعد الدرامي المُحكم والموزون إلى أقصى حد.

(هاري) دائمًا ما يحب الأصدقاء والأقارب من العالم السحري، ولديه الكثير من العلاقات التي لا يمكن ببساطة أن تُمحى. لكن مع ذلك أول فكرة واتته هي أن يدوس على قلبه ويحبس مشاعره في ركن بعيد من روحه، ثم يذهب في رحلة مجهولة النتيجة بهدف تخليص العالم من الشر الأعظم الذي لا يستطيع أحد التخلّص منه غيره. أجل، فقد رافقه (رون) و(هيرماوني)، لكن كانت أول فكرة لديه أن يذهب وحيدًا.

هنا نجد أن (هاري) حصر العالم كله في شخصين فقط: هو، و(فولديمورت). فنقل ساحة القتال من الجانب الخيّر بجميع طوائفه ضد الجانب الشرير بجميع قوّاته، وجعلها فقط مُتمثلة بين فرد وفرد. تلك النقلة من الهدف العام إلى الهدف الخاص، تُبرهن حقًا على أن (هاري) تطور وأصبحت قراراته أنانية أكثر، فبالتالي غير عقلانية بعض الشيء. وهذا ما ثبتت صحته خلال الأحداث.

أيضًا ذروة شخصية (هاري) برهنت أن الإنسان لا يجب أن يكون سعيدًا بالرغم من الظروف الظاهرية التي تستطيع جعله سعيدًا. ف(هاري) لديه خزانه بأسمه في بنك جرينجوتس، ولديه حب الأصدقاء، المعلمين، وكل شخص يمكن أن يساعده على تخطي المِحن بسهولة. لكن بالرغم من كل ذلك تثقل كاهله المهمة المصيرية التي يجب أن ينفذها ويبذل من أجل تحقيقها كل غالٍ ونفيس.

تلك الذروة جعلته يستسلم للواقع كما هو، وأنه سيموت راضيًا عن أن جوده لم تذهب سُدى، فهو في النهاية بذل ما في وسعه، والآن حان الوقت كي يُقابل الذين فقدهم، وافتقدوه. لكن مع ذلك القدر مدّه بالأمل بعد اليأس وجعله يكمل رحلته نحو الخلاص بروح مشتعلة وحماس مُتأجج.

وتلك التركيبة الدرامية تُعطي درسًا للقرّاء بأن الحياة مهما ضاقت بك ودفعتك نحو الانتحار والعدمية، فدائمًا هناك مخرج لم تكن لتتوقع وجوده من الأساس، وذلك المخرج يمكن أن يأتيك عن طريق أبعد الناس عنك.

العناصر الفنية التربوية بداخل هاري بوتر

1- الإسقاط الحياتي من (رولينج) على (هاري)

الديميندورز يحاوطون قلعة هوجورتس
المصدر: Serinletici

حتى الآن كنا نتحدث عن شخصية (هاري) نفسها ومراحل تطورها والرسائل الخفية خلف كل مرحلة منهم. الآن يجب أن نتحدث عن الإنتاج الفني نفسه الخاص بـ(رولينج).

(رولينج) قامت بالكثير من الإسقاطات النفسية والواقعية بين طيات الأحداث، وصبغت العديد من المواقف بخبراتها الحياتية السابقة ومشاكلها وكيف لها أن تغلبت عليها لتصير ما هي عليه الآن. من الإسقاطات المُلهمة حقًا هو إسقاط الديمينتورات والشيكولاتة. فـ(رولينج) تعرضت للطلاق وقاست مرّ الحياة مبكرًا، وذلك دفعها لفترات متتابعة من الاكتئاب والحزن.

لكن دائمًا ما كانت تكافح الاكتئاب بالشيكولاتة. فحينما كان (هاري) يُلقي تعويذة الباتروناس على الديمنتور تتملكه حالة من التوتر والخواء. وذلك بسبب التأثير السلبي للديمنتور، لأنه يمتص روحك بالتدريج، وهذا ما يفعله الاكتئاب بالضبط. فلعلاج ذلك كان يُعطيه البروفيسور (لوبين) قطعة شيكولاتة للتخفيف من الضغط النفسي الواقع عليه جرّاء ذلك الموقف، وهذا ما تحاول (رولينج) إيصاله: الراحة النفسية يمكن أن تتمثل في أبسط وأصغر الأشياء.

وإذا تركنا جانبًا الإسقاطات الخاصة، سنجد أن الإسقاطات العامة لا تُحصى ولا تُعد فعلًا. ففي بداية القصة نجد أن حياة (هاري) ذاتها في ذلك المنزل المتهدم إلى إسقاط مباشر على الواقع الأليم الذي يعيشه آلاف بل ملايين الأطفال حول العالم. وفي بعض الأحيان لا يُعانون فقط من المُعاملة السيئة والتنمر، بل أيضًا من الاعتداء الجنسي والتدمير النفسي الشديد والمؤذي.

ومع التقدم في الأحداث نجد أن تفاعلات (هاري) مع الشخصيات الأخرى بها العديد من الإسقاطات المباشرة أيضًا. فهي هنا تُسقط على الواقع نصائحًا مُغلفة برداء الأدب لتجعل حياة القُرّاء أفضل. سواء كان ذلك القارئ رب أسرة، فيحاول إصلاح أحوال أسرته. أو طفلًا/شابًا، فيستطيع الاستمتاع بحياته بالكامل والتعامل مع المشاكل التي تقابله بمرونة وذكاء.

2- مبدأ الأربعة منازل وفن تقبل الآخر

المنازل الأربعة بسلسلة هاري بوتر
المصدر: deephousesamples.club

بالتأكيد خَلق (رولينج) لفكرة المنازل الأربعة له غاية وهدف مهم جدًا. فكل منزل من الأربعة لديه صفات وخصائص خاصة به وحده وتميزه دونًا عن غيره. وذلك يدفع بنا لترسيخ مبدأ الاعتراف بالآخر وتقبل الآراء المختلفة. وذلك يتمثل بشكل واضح أثناء تجمع جميع المنازل للوليمة الكُبرى في بداية العام. فكل المنازل تتراص بجانب بعضها البعض في البهو الكبير ليتناولوا الطعام دون تفرقة أو تعنّت.

مبدأ المنازل الأربعة يجعل من (هاري بوتر) قصة عابرة للأجيال أيضًا. فبغض النظر عن أن الحبكة بأكملها تجذب الكبير والصغير على حدٍ سواء، إلا أن مبدأ المنازل الأربعة على وجه الخصوص لديه مدلول خاص وفريد.

المنازل الأربعة تُرسّخ بداخل الصغير أن المُساواة بين البشر المختلفين أمر مهم، وأن تقبل الآراء المُختلفة يجعلك شخصًا محبوبًا وسعيدًا في حياتك المستقبلية. ومن الناحية الأخرى تُرسخ بداخل الكبير أن الحياة بالرغم من أنها جارت عليه وصفعته كثيرًا وكثيرًا دون هوادة، إلا أنها أيضًا مليئة بالبشر الذين يمكن أن تتحقق معهم الراحة النفسية عن طريق تطبيق مبدأ تقبل الآخر والمُساواة بين الجميع.

3- الأشرار ليس بالضرورة أن يكونوا كذلك

سنايب يحتضن ليلي وهاري بالخلفية يبكي
المصدر: REWIND.sk

الأفلام والروايات عندما تطرح شخصية شريرة ما فهي تركز بشدة على أنها شريرة بشكلٍ لا نزاع عليه. وأنها دائمًا ما تفعل الأفاعيل لتُعيق تقدم الشخصية الخيّرة بالأحداث. وهذا ما أظهرته (رولينج) على مدار الأحداث في شخصية “البروفيسور (سنايب)”. لكن الصدمة الصاعقة تأتي في النهاية عندما تكتشف أن هذه الشخصية التي كنت تمقتها حتى النخاع، ما هي إلا شعلة تضيء الطريق للبطل لكنه كان غير مبصر بالدرجة الكافية ليلاحظها. الماضي الذي نسجته( رولينج) لـ(سنايب) حقًا يستحق الإشادة والتقدير. وهنا يجب أن أذكر دون شك المشهد الأسطوري لموت (سنايب) بين يدي (هاري) في الأفلام بعدما أدى رسالته تجاه ليلي وحمى ولدها حتى لحظته الأخيرة. أداء رائع جدًا من الفنان القدير الراحل (آلان ريكمان)، وحوار شجيّ ومُتقن من الكاتبة المبدعة (رولينج).

الآن أُريد أن أتحدث بعض الشيء عن شخصية (سنايب) بشكلٍ مُنفرد وتفصيلي بعض الشيء. من وجهة نظري شخصية (سنايب) هي من أكثر الشخصيات عبقرية في النسج بالنسبة إلى سائر شخصيات العمل الفني كله. فتلك الشخصية بمعايير الجذب الفني لديها كاريزما خارقة، غامضة، حادة الطباع، ولا تستطيع تحديد انتماء واضح لها. وهذا كله يجعلها شخصية لا يمكن توقعها، فبالتالي شخصية جاذبة.

يحضرني الآن موقف طريف يخص شخصية (سنايب). فبينما كان فريق عمل سلسلة الأفلام يجتمع بداخل غرفة التحضير، دخل الفنان (جاري أولدمان) المُمثل لشخصية (سيريوس بلاك) وهو يحمل الكتاب الجديد من (هاري بوتر) بين يديه وقائلًا: “انظروا إلى الذي فعلته تلك العاهرة في الكتاب الجديد، لقد قتلتني!”. لكن من الناحية الأخرى يظهر آلان ريكمان دون تأثّر، فقالوا له ألا تريد أن تُعقب أو تحتج؟ بخصوص شخصيتك على الأقل أيضًا ذات المصير المجهول تلك؟ قال ببساطة: “أنا أعلم ما لا تعلمون”.

ورد الفعل الساكن هذا كان نتيجة قول (رولينج) لـ(آلان) أن شخصيته سوف تموت في النهاية وبنفس التفاصيل التي حدثت بالفعل مُستقبلًا بسلسلة الأفلام. فهو المُمثل الوحيد الذي عرف مصير شخصيته قبل أن يُصدر الكتاب الأخير بالأسواق حتى. فبالتالي كان أداء (آلان ريكمان) عبقريًّا ومناسبًا بشدة للحقيقة الخفية التي يعلمها عن مصير شخصيته بالأحداث. فحقًا ذلك الترابط بعيد المدى وذو النظرة المستقبلية هو شيء يستحق الثناء دون شك.

النهاية والعبرة العُظمى من هاري بوتر

مقطع من رواية هاري بوتر الجزء الأخير
المصدر: الرواية الأصلية – الجزء الأخير

هنا لا أقصد النهاية التي صنعها الفيلم لا، فنهاية الفيلم مُزرية تمامًا بالنسبة للروايات. ففي مشهد النهاية قبل ما أن يتبارز (فولدمورت) و(هاري) المبارزة الأخيرة، دار بينهما حوار نفسي مباشر مهول في حضور أبرز شخصيات السلسلة على مقربة منهم. ذلك المشهد تملكت (هاري) فيه شجاعة غير عادية وهو يُخاطب سيد الظلام بـ”ريدل”. قائلًا له أن (سنايب) لم يكن له من البداية، وكل شيء اعتقد أنه كان يحدث من أجله، فكان يحدث من أجل القضاء عليه بالتدريج، لا لنصرته.

وأن دمبلدور كان رجلًا حكيمًا وشجاعًا بقدر كافٍ ألا يُجرّب الأسحار السوداء التي قام بها ريدل وبسببها يتفاخر ويزهو. كلمات ناخرة للروح قالها (هاري) لـ(فولدمورت) حتى باتت يد الأخير ترتعش وهي تُمسك عصا إلدر. تلك العصا التي قام (فولدمورت) من أجلها بفعل الأفاعيل، لكن الآن بالرغم من أنها بين يديه، فهي لا تنتمي له، بل لـ(هاري)!

لك أن تتخيل الصدمة النفسية الشديدة التي وجد (فولديمورت) نفسه فيها بتلك اللحظة. كل ذلك الجبروت والعنفوان ينهار في لحظة واحدة تكشف الحقيقة وتُذلَل الذات أمام نفسها وتجعلها أحقر من أحقر شيء كانت تستحقره من قبل. هنا كلما يقول (هاري) كلمة، تتصدع بداخل (فولديمورت) قصور وحصون منيعة من الكبرياء المُطلق.

ذلك المشهد يُجسد المعكوس الواضح للتصاعد الدرامي، فهذا هو التدهور الدرامي. والتدهور هنا ليس مُتدرجًا كما الحال في التصاعد، بل هنا هو فجائي وحاد جدًا. مما يدفع صاحبه إلى حافة الجنون ويجعله يفعل أشيائًا عشوائية وعفوية وغير مترابطة أو مدروسة على الإطلاق. وهذا هو الذي دفع (فولديمورت) المتهشم داخليًّا بتوجيه عصاه ناحية (هاري) لآخر مرة في حياته.

أما بالنسبة (لهاري)، فمشهد النهاية ذلك يلخص حياة البشر حرفيًّا. فمهما كانت مخاوفك تتربص بك من كل جانب، يتحتم عليك في النهاية أن تواجهها مهما حدث. وتلك المواجهة يجب أن تكون فيها شجاعًا لتسترد ما هو لك: الكرامة، الإباء، وعزة النفس!

وفي الختام

(هاري بوتر) بات فارس الأطفال وقُدوة البالغين بحق. فيرى فيه الأطفال الخصال التي ستجعل منهم أُناس رائعين مثله، وقدوة للبالغين في تصرفه النهائي مع عائلة خالته التي كثيرًا ما جارت عليه وأشعرته بأنه لا ينتمي وكان يجب عليه أن يموت وألّا يولد من الأساس. سلسلة روايات قوية، ومجموعة خبرات ومواقف مُكدسة ومدببة نحو الهدف دون جدال.

مقالات ذات صلة

إغلاق