منوعات

فيلم The Circle: مُعضلة استفحال وتفشّي التكنولوجيا في حياتنا

نواصل الاستغراق في بحر التكنولوجيا حتى استوحشت أنفسنا العالم الحقيقي

“كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً”.

سقراط

ما هي أكثر معضلاتنا الحياتية؟ ما هي أكبر مشكلاتنا؟ أليست الجهل؟ أليست انعدام التواصل؟ أليست المجهود الضائع وعدم الوصول للنتائج؟ ولكن ماذا لو وُجِدَ شيء يوحدنا جميعاً؟ يُسير أمورنا وينور عقولنا يربط أوصالنا…أليس هذا هو المستقبل؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي لُغز عَصي على الفهم.

ماذا لو أوجدنا المُستحيل بالتكنولوجيا واستطعنا بالقوة المصورة أن نربط مجتمعنا في دائرة مُحكمة الغلق تؤهل الإنسان دفع حياته إلى الأمام بدون أن ينبس ببنت كلمة أو يحرك قدميه من المقعد الدوار.

Imdb.com
Imdb.com

في هذا الفيلم المطموس كالعادة بين عدد كبير من الأفلام التي تُنتجها هوليوود سنوياً تتضح لنا صورة ترتكن على ذواتنا، وتتفاقم مع مرور الزمن. مَن منا ليس لديه حاسوب؟ من منا لا يحمل الهاتف النقال؟ من منا لا يرتبط مع الاخرين بوسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية والبريد الإلكتروني والمكالمات المُصورة!

الفيلم ذا النزعة الفلسفة المعاصرة يصور هذه المأساة المُضحكة المُبكية، ببساطة نحن مُحاصرون! محاصرون من كل جانب حتى تحول تسخير واستعباد التكنولوجيا أمراً أكثر خطورة مما نتصور، لقد تحول العبد إلى إله يسيطر على ذواتنا يسرق لحظاتنا الثمينة في هذه الحياة يراقبنا بعين إلهية ويبصق على وجوهنا من خلال ألواح زجاجية.

لقد استعبدتنا التكنولوجيا، هذه هي الفكرة المراد توضيحها من الفيلم الذي يدور حول فتاة تحصل على وظيفة في شركة الدائرة The Circle أكبر شركة تكنولوجيا في العالم التي قامت بتطوير البرمجيات حتى توصلت إلى صنع كاميرا بحجم عقلة الأصبع مزودة ببرنامج يسمى SeeChange توضع في أي مكان. ويمكن لأي شخص أن يلصقها على صدره ويبدأ حياته اليومية بشكل عادي، ولكن الشيء الفريد من نوعه أن رؤية هذه الكاميرات مُتاحة لكل شخص يستعمل خدمة الدائرة ــ هؤلاء يقدرون بالملايين ــ هل تستوعب ما أقول! هذا يعني أنك أصبحت تملك ملايين العيون أو تملكك هي.

Imdb.com
Imdb.com

ثم تطورت البرامج لكي تستحوذ على جانب أكثر من كينونة الإنسانية. فأصبحت تستطيع وبمساعدة الأشخاص الحاملين للكاميرا أن يعثروا على أي شخص في العالم. هذا ينطبق على الخارجين عن القانون أيضاً. يطاردوهم بمخالب التكنولوجيا المتبلورة المُشعة. يقتحموا حيواتهم. يصادروا حقوقهم الشرعية بالاختفاء والعزلة. يحبسونهم في قفص زجاجي ويضرمون النار عليهم من فوهات كاميراتهم.

ثم تطورت التكنولوجيا أكثر. صُنع السوار العجيب الذي من خلاله تستطيع أن تدفع فواتيرك وتطلب الطعام وتصوت في الانتخابات وغيرها من الأمور التي تيسر الحياة أكثر. وبينما نستغرق أكثر في التكنولوجيا تستحوذ هي علينا أكثر وتستعبدنا.

لقد أصبحت تملك ذواتنا وإرادتنا. شعب كامل موضوع في سوار فضي. إذا غاب عن الشبكة غابت حياته. أضحى الإنسان افتراضياً ينتمي ويتواصل مع أشياء افتراضية وهمية وتخيلات مُتجذرة تشُد النفس أكثر نحو بحر الشاشات المُضيئة.

كل شيء أضبح مُباح. بريدك الإلكتروني ورسائلك النصية وصورك الخاصة حتى غرفت نومك وعائلتك. كل هذا باسم الحرية والديموقراطية ومشاركة الخبرات النفسية والبشرية بأسهل طريقة ممكنة. ولكننا نغض البصر عن أكثر من هذا.

بناءً على ذلك انفلتت قراراتنا من بين أيدينا وتسللت إرادتنا من ذواتنا في أيادي أشخاص أخرى يتحكمون في الشبكة من الخارج. يخفون ما يشاءون ويبيعون ما يشاءون من المعلومات. لقد أضبح العالم مثال للفوضى الإلكترونية فإذا انطفأ حاسوبك فقد مُت افتراضياً بشكل مؤقت. إذا انخفضت بطاريتك فأحذر يا صديق أنت على وشك الموت تحتاج إلى بعض الطاقة فلتضع رأسك في كُبس الكهرباء.

Imdb.com
Imdb.com

ماذا نحن بصانعين؟ في عالم تحكمه الشاشات وشعاره (أشحن بطاريتك باستمرار، حتى لا تغيب عن الوعي)، لقد فقدنا القدرة على صنع القرار، تم التلصص على حقوقنا وحرياتنا، تم التحكم بقراراتنا وغسيل أدمغتنا، تم التلاعب بإرادتنا الحرة إلى حد الديكتاتورية الإلكترونية.

من وراء هذه الشاشات؟ شخص أو عدة أشخاص يغوصون في كراسيهم الجلدية يملكون يد الإله في الأرض يستطيعون معرفة كل شيء ويحصنون أنفسهم، يملكون كل المعلومات ويتاجرون بكل النصوص ولكن نصوصهم محفوظة، نحن أعطيناهم ذواتنا، نحن استعبدنا أنفسنا بحثاُ عن الراحة.

ثم بعد سيطرت هذه الأفكار على حيز كبير من الفيلم. وبعد حادث مأسوي يودي بحيات شخص مُقرب للفتاة تقرر قلب الطاولة على الحيتان. فتكشف سرهم وتُظهر حقائقهم ورسائلهم السرية المليئة بالنفاق والكذب. وتنطلق بحثاً عن ضوء الحياة مرة أخرى. الحياة الحقيقية التي ترى فيها شجرة فتعدو نحوها فتجدها نفسها شجرة وليست هواء مُحمل بالمشاعر الكاذبة.

التكنولوجيا هي سلاح خطر، إذا جزعت نفسك إليها واستغرقت في أغوارها حتى انعزلت عن العالم الحقيقي. ربما نهرب إليها للبعد عن الحقائق المُقلقة المُقلقلة لذواتنا في العالم الخارجي. فالعالم الآن هو شيء قاسي جداً. ولكن أنت إنسان من لحمٍ ودمٍ وليس من عدة شفرات ولغات برمجية عظيمة في نتاجها المعرفي ولكن ضع حد لبياتك التكنولوجي وأفتح عينيك على العالم الحقيقي.

Imdb.com
Imdb.com

الفيلم ذاته ورغم فكرته الفلسفة ولكن لم يكن جيداُ جداً، (توم هانكس) كان عظيم كالعادة. ولكن (إيما واتسون) لم تكن رائعة ربما بسبب الدور الذي لم يحتوي على الكثير من العاطفة المُحركة للشخصية، ولكن الفيلم بشكل عام كان جيد، السيناريو كان سيئاً وهذا ما أضعف الفيلم جداً في وجه النقاد.

ولكن الفيلم سيجعلك تُفكر في مدى تعاملك مع التكنولوجيا وخاصة مواقع التواص الاجتماعي بما تأكله من الوقت اليومي من حيات الإنسان. وستجعلك تُفكر أنه ليس في كل الحلات المشاركة هي شيء جيد فربما هو تسلط على حياة شخصٍ آخر.

هذه الرسالة الموجهة من نافذة سينمائية عظيمة كهوليوود يذكرنا بالعصر الذهبي لسينما الأمريكية حين نَبضت قلوب السينما بالأفكار المُلهمة والأعمال المؤثرة في كينونة الناس، لآن السينما ليست شيء جامد، مُبتذل أو مُستهلك بقوم على جمع المال والاستغراق في نسف الأدمغة المُفكرة. السينما منذ القدم وهي صندوق الدُنيا لِمَن لا حياة له. شاشة كبيرة لمشاركة الخبرات والخيالات الجامحة المفيدة في بناء عقول تضُج بالأفكار.

في النهاية الفيلم يُشيد كالبناء، يجب أن تبني له أساس جيد حتى تستخرج كيان مُتماسك مُستحكم، والأساس في الفن هو الفكرة. لذا يجب أن نفكر في الفترة القادمة في تقديم محتوى مفيد يساعدنا على فهم أنفسنا ورؤية الموجودات حولنا بعين أخرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق