منوعات

شرح فيلم Birdman: حينما تمتزج الحقائق الوجودية مع التخيُلات الشبحية

لن تستطيع أن تصل لإجابة...لأن في كل إجابة ثمة تساؤل مطروح

الرجل الطائر BirdMan حلق فوق رؤوسنا، وضعضع أركان حقيقتنا، في فيلم من أفضل المعالجات السريالية على مر التاريخ السينمائي، أنه شيء غير حقيقي ولكنه داخل كل واحد منا.

الفيلم وبكومة من التخيلات البائسة يطل علينا بشخص محاصر من كل الجهات بنارٍ مستعرة. ممثل كان في وقتٍ ما عظيماً حين أنتهج البطولات الكاذبة والزيف الدرامي والمحتوى المثير للعيون على حد رؤيته. يُنعي نفسه ويآمل في مسرحيته القادمة، حتى يستعيد مجده مجدداً بعد عشرون عاماً على هجر رداء البطولة.

يبدأ الفيلم بمشهد سريالي خارق للطبيعة البشرية لرجل يطير أشبه بحكايات النينجا وأساطير الساموراي الخارقون. يُحلق في الهواء وهو ثابت على وضعه ومكانه. أراد المخرج أن يكشف عن الجانب الحالم من الشخصية، وهذا النوع من التخيلات ينعكس على حنين الشخصية للماضي، حينما كان بطلنا لا يشُق له غبار بين أقرانه. يُجلي الكاتب الجانب الوجداني ل(ريجان)، واشتياقه للمجد والقوة التي تستطيع العبث بكينونة الأشياء وزحزحتها.

رجل طائر ورجل يمشي في شارع واسع
الممثل (مايكل كيتون) من فيلم Birdman

ثم وبلكمة خُطافية في وجه المشاهد ينتقل المُخرج من جانب الخيال المصور إلى الواقع الأليم المرير، في البحث عن الذات، والبحث عن الشخص المناسب للتمثيل في المسرحية. لوهلة ستشعر أن (ريجان) يملك قوى خاصة وطاقة مستترة تحت عظامه، ولكن المُخرج سيتركك تائهاً بين هذا وذاك، مَن هو الحقيقي ومن هو الزائف.

روعة الحبكة الدرامية في خلط الأشياء ببعضها إلى حد دمج الواقع بالأحلام المُتخيلة، وخلط حقيقة الروح بالمرض المُتغلغل في النفوس، فالفيلم يخاطب النفس البشرية في بواطنها أكثر من القشرة الخارجية التي الهشة الملعونة بالتعفن.

ويطرح العديد من الأسئلة الفلسفية المهمة. هل أنت عبد للشهرة؟ هل تفعل الصواب؟ هل الطريق المُربح دائماً هو الصواب أم في الوجود شيئاً آخر؟

المخرج ومع طاقم العمل العظيم الذي طغى بقدرته على الشخصيات، يضربون العديد من أمثلة الشخوص الذي نواجهها في حيواتنا. الشخصية المتمسكة بمبادئها، الشخصية المستهترة بالوجود والشخوص والمكترثة فقط بجودها على المسرح، الشخصية الفاقدة لطاقة الحياة، الشخصية المنطوية في الظلام، والكثير من الانفعالات التي تعكس عقلية الكاتب والمُخرج على الذات.

المسرح الحلم البعيد، والواقع هو الحقيقة المُجحفة، والرجل الطائر هو الجانب السهل من الحياة، الشيء الذي لا يستطيع أحد سلبه منك، ولكن يجب أن تشرع في التخلص منه بإرادتك، لآن رجل زائف حتى لو عاش في واقع حقيقي.

الزيف يُخرج زيفاً…عندما جسد (ريجان) الرجل الطائر. كان مشهوراً ومحبوباً، ولكن سرعان ما انتهت حقبته وتناساه الجميع فقد الجميع يتذكر الرجل الطائر. البطل الذي يعيش في خيالهم. لقد شعر (ريجان) بالهشاشة والحزن، وأحس أن الجميع يتذكره كدمية تتحرك جامدة بلا روح، لذا فقد عقد العزم في إظهار موهبته الحقيقية في دراما حقيقية على مسرح حقيقي.

رجل يطير في الهواء

المسرحية كانت تعكس الأحداث الداخلية للفيلم، كانت تتحدث عن أهمية الحب، ومدى ارتباط الحزن بالوجود، ولكن في هذا السياق تتشابك العقد والخيوط من حوله بشكل يعقد الأمر، فيسترجع الحنين لنفسه القديمة من جهة، ويندم على عدم اهتمامه بابنته (سام) منذ صغرها، ويلوم نفسه داخلياً بدون صوت على إدمانها المخدرات، ويحاول مساعدتها في التعافي، ولكن المسرح بأخذ كل وقته.

وهناك مشهد بين الأب وابنته وهي ترشقه بالحقيقة أنه إنسان لا نفع له ولا أحد يعرفه، وتترجم هذا من وجهة نظر حديثة حيث لا يملك (ريجان) أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي التي تربطه بالعالم الخارجي، فهو غير موجود.

تخبره صديقته بالمسرح أنها حامل، رغم أنها علاقة عابرة أو صد للروتين ولكن هذا ما حدث. وتتواجد زوجته وتحاول تشجيعه من جهة أخرى رغم انفصالهما. وعلى ناحية أخرى تجد الناقدة المتعنتة التي تكرهه بشدة.

الشيء الغريب والرائع في الفيلم هو أنه غير متوقع. يقفز (ريجان) من السطح، تظن أنه مات!! أنتظر إنه يطير! مثل فراشة تبعث عواصف في مكان آخر. ثم يواصل تحليقه حتى المسرح ويدخل به، فتجد سائق سيارة أجرة يطالبه بالأجرة إذن فهو يتخيل.

عندما بدل المسدسات، وضرب نفسه في نهاية المسرحية ظننت أنه مات بالفعل، ولكنه فقط تأذى على مستوى الأنف من شرارة المسدس فقط.

رجل يمسك بسدس موجه نحو رأسه
الممثل (مايكل كيتون) من فيلم Birdman

الرجل الطائر الذي يلاحقه يسكن داخل (ريجان) ويجعله يفعل أشياء غريبة ويعطيه قدرات خاصة، وهذا يعني أنه مريض.

النهاية غريبة وموجعة للرأس بشكل كبير، حيث ذهب للحمام، وجد الرجل الطائر هناك، ثم قفز من النافذة في مشهد غريب الأطوار. حتى دخلت ابنته فوجدته يطير في الخارج. وهذا شيء غريب، هل هو فعلاً يطير؟ وهذا يفتح الكثير من الاحتمالات، هل الفتاة مريضة نفسية مثل أباها؟ هل الفتاة تتخيل والدها؟ هل (ريجان) ميت في الأساس؟ وهذا كله مبني على تخيلات الفتاة؟ هل تعرضت الفتاة لصدمةٍ ما؟ هل (ريجان) مجنون؟ هل نحن مجانين؟ هذا احتمال مرعب في الأساس، هل (ريجان) ميت؟ وهذه روحه أم ماذا؟

هناك احتمالات وأفكار أخرى تدعو للتأمل، فقد صُوّر الموت عدة مرات. تشعر انه يُحاصر الكاتب من كل اتجاه. لأول مرة في حياتي أشعر بشخص يسعى للموت وليس العكس. في نهاية المسرحية يموت البطل بطلقة مُسدس، حاول (ريجان) الموت منذ سنوات عندما أخبر زوجته بذلك…أنه ألقا بنفسه في البحر ولكن قناديل المياه لم تتركه، ثم مرة أخرى حين قفز (ريجان) من فوق المبنى المرتفع ولكنه حلق في السماء أشبه بعصفور مُغرد حُر. وفي النهاية عندما قفز من فوق النافذة.

فتاة تنظر للأعلى بوجه ضاحك
الممثلة (أيما ستون) في دور (سام) من فيلم Birdman

مشهد الطيور وهي تنهش في لحوم مجهولة، أو جثامين ميته، مشهد فلسفي يحتاج للتوضيح…هل يتغذى الأخرون علينا هل نتغذى على أوهام أحلامنا؟ مَن نحن…الطيور أم الجُثث؟ وهنا تظهر عبقرية الفيلم في رمزية كيانه، والذي يترجمها كلّ على مزاجه وعلى قدر فهمه.

المخرج استطاع أن يدمج الواقع والخيال بشكل عبقري رمزي مُتفلسف، لن تعرف إذا كان هذا واقع وجودي ملموس أم خيال مريض شبحي. اختلاط الحقيقة بالخيال هو ما يميز هذا الفيلم. لربما تشعر بالغباء وأنك لا تفهم أي شيء ولكن في النهاية المُخرج سيأخذ ما يريده…وهو التساؤل…التساؤل عن حقيقة الحياة.

الكثير من التساؤلات، والكثير من الانقلابات الدرامية، والكثير من كل شيء في هذا العمل السينمائي.

يعطينا الفيلم درساً في الحياة وفي معتقداتها. حيث يعرض فكرة التمسك بشيء وعدم تركه لآنه حقيقي بالفعل. ليس كل ما تراه حقيقي، ربما تكون روح محلقة في سماء الوجود. ربما نكون مجانين وربما نكون متخيلين، في آخر الأمر الفيلم هو تحفة فنية حقيقية.

مقالات ذات صلة

إغلاق