حقائق

القلب الشجاع (ويليام والاس) بين الحقيقة والسينما

(ويليام والاس) لم يكن حقاً ذلك القلب الشجاع الذي أرادتنا هوليوود أن نصدقه

حياة (ويليام والاس) تجلّت لنا في فيلم Braveheart لكن…هل حقاً كان شجاعاً كما يظهره لنا الفيلم؟

في الفيلم الملحمي Braveheart الذي أخرجه وأنتجه ومثّل دور البطولة فيه (ميل غيبسون)، المحارب الاسكتلندي (ويليام والاس) يندفع إلى المعركة خلال حرب الاستقلال الأسكتلندية الأولى ويخرج – في أغلب الأوقات – منتصراً، صحيح أنّه فقد رأسه قبل أن يرى النّصر بأمّ عينه، لكن في النهاية حصل الأسكتلنديون على حرّيتهم.

رغم أنّ الفيلم هو عملٌ خيالي إلّا أنّ الفرضية راسخة في الحقيقة، شخصية (ويليام والاس) حقيقيةٌ بكلِّ تأكيد، مثلها مثل المعارك التي قاتل فيها، إلّا أنّه بالطبع قام (ميل غيبسون) بزخرفة القصة بعض الشيء.

في الفيلم يشهد (ويليام والاس) الشاب غزو ملك إنكلترا لاسكتلندا، وشنّه حرباً تتسبب بموت والده وأخيه فيمضي بقية حياته عازماً على الانتقام لهما وتحرير اسكتلندا من حكم ملك إنكلترا.

يقع في الحب، يقاتل في المعارك، يقع في حبِّ امرأةٍ أخرى، يقاتل في معارك أخرى، ويطلي وجهه باللون الأزرق، ولكن في النهاية، يتم أسره ويساق إلى التعذيب، حيث قال كلماته الأخيرة الملهمة قبل أن يُقطع رأسه وهو يصرخ بكلمة “الحرية” في الهواء.

فارس إسكتلندي يمشي ويجانبه اثنين من العساكر
صورة من فيلم Braveheart

في الواقع، لا نعرف كثيراً عن (ويليام والاس) الحقيقي، كل ما نعرفه عن حياته وعن حربه ضد إنكلترا يأتي من قصيدةٍ ملحميةٍ من أواخر القرن الخامس عشر للشاعر (هاري الأعمى).

يُعتقد أنّه قد ولِد حوالي عام 1270، عائلته قليلاً ما ذُكرت في القصيدة، ويُعتقد أنّه من طبقةٍ نبيلةٍ دُنيا.

القصيدة ترجع نسبه إلى (السير مالكوم)، رغم أنّ ختم (والاس) الشخصي يذكر أنّ اسم والده هو (آلان والاس)، ولكن تاريخياً يعتبر نص الأحداث الذي وضعه (هاري الأعمى) هو الأصح.

بدأت حرب الاستقلال الاسكتلندية الأولى عندما مات ملك اسكتلندا (اسكندر الثالث)، الذي كان حاكماً عادلاً ومسالماً في الفترة التي دخلت فيها البلاد مرحلةً من الاستقرار الاقتصادي.

أيّا يكن، بعد موته في حادثٍ على ظهر الحصان، دخلت البلاد في حالةٍ من الفوضى، ملك إنكلترا (إدوارد الأول) تقدّم باتجاه البلاد التي كانت دون قيادة، وقام بمواجهة العديد من الرجال الذين يدّعون أنّهم الأحق بها، فبدأ بإدارة البلاد بشكلٍ فعّال كي يحصل عليها لنفسه.

لكنّ الذين آمنوا بأنّ اسكتلندا يجب أن تحتفظ باستقلالها عن إنكلترا اجتمعوا للتخطيط لثورةٍ عسكرية، و(ويليام والاس) كان واحداً منهم، من المعتقد أنّه كان يمتلك نوعاً من التدريب العسكري الرسمي لأنّ حملته عام 1297 كانت ناجحة، كما أنّ ختمه بالإضافة إلى اسم أبيه يشيران إلى أنّه لديه خبرة في الرماية وهي مهارةٌ عسكرية، كما ساعده حجمه الضخم رغم أنّه لم يتم تحديده بدقّة، حيث تم وصفه بأنّه عملاق وعريض الوركين وقوي ومتماسك يدّعي (هاري الأعمى) أنّه كان تقريباً بطول 7 أقدام.

أول حركة ثورة قام بها (والاس) لم تكن كما أظهر الفيلم مدافعاً عن شرف زوجته، بل عندما قام باغتيال نقيب شرطة إنكلترا الأعلى، وبعد ذلك الهجوم انضم إلى مجموعةٍ من النبلاء الاسكتلنديين وقاموا بغزو قرية Scone، واحدة من عشرات حركات الثورة التي حصلت على مدّ اسكتلندا في ذلك الوقت.

مجموعة من الجنود يحملون عصي سميكة
صورة من فيلم Braveheart

في تلك الفترة، يتداخل الفيلم مع الواقع عندما قام (والاس) بقيادة رجاله إلى معركة جسر (ستيرلنغ).

خلال هذه المعركة، قاد الاسكتلنديون الجنود الإنكليز باتجاه جسر (ستيرلنغ)، وهو جسرٌ حجري ضيّق يمثّل الطريق الوحيد لعبور النهر، طبيعة هذا الجسر الضيقة لم تكن مألوفة لدى الإنكليز بينما كان الإسكتلنديون معتادين عليها، بسبب عدم قدرة الإنكليز على تصحيح هجومهم، نال الاسكتلنديون النّصر وقاموا بالقضاء على أغلبية الجيش أثناء محاولة العبور.

تمّت مكافأة (والاس) وصديقه قائد المعارك (آندرو موراي) بلقب “حراس مملكة إسكتلندا” عقب المعركة، رغم أنّ (آندرو) في النهاية مات متأثراً بجراحه التي أصابته في المعركة، وبعد عدة أشهر تم تعيين (والاس) فارساً.

في السنة التالية، وبعد أن شُفي من جراحه، أمر الملك (إدوارد) باجتياحٍ آخر لإسكتلندا، ولكن في هذه المرة، لم يكن الاسكتلنديون محظوظين جداً، حيث تم التفوق عليهم ولم يمتلكوا أي مفاجآتٍ معمارية في الخفاء، وقُتل الكثير من الرجال بسهام الرُّماة الإنكليز، رغم أنّ (والاس) تمكّن من الهروب دون خدش يذكر، إلّا أنّ سمعته العسكرية اهتزت.

رجل غاضب بوجه دامي
صورة من فيلم Braveheart

بعكس الفيلم، لم يتمكّن (والاس) من التغلب على تلك الضربة الثقيلة وانسحب من المعركة ليشفي جراحه وتخلى عن لقب “حارس المملكة”، وفي السنين التالية، شوهد فقط في بعض المناوشات العابرة ولم يتوجه أبداً إلى المعارك.

في النهاية، وبعد أن تمكّن من تفادي الأسر لمدة سبع سنين تقريباً، تم العثور عليه وتسليمه إلى الملك (إدوارد) من قِبل عميل اسكتلندي مزدوج، وبعد أن اقتِيد إلى قاعة (ويستمنستر)، تمّت محاكمته بتهم الخيانة والأعمال الوحشية ضد السكان، فكان رد (والاس) بأنّه ليس خائناً لأنّه لم يكن خاضعاً لحكم إنكلترا لكنّ المحكمة لم تهتم بذلك.

تمّت إدانته واقتِيد إلى برج لندن حيث تم تعليقه، سحبه، وتمزيقه. عملية قطع رأسه لم تكن مثيرةً للضجة على عكس ما أظهرته النسخة الهوليودية، وبعدها تم تعليق رأسه المطلي بالزفت بواسطة مسمارٍ كبير على جسر لندن.

إذاً ها هي ذا، على عكس شخصية المحارب الفاتنة، ذات الطابع الحربي، المدفوعة برغبة الانتقام، المطالبة بالحرية، والتي أظهرها لنا المخرج (ميل غيبسون)، (ويليام والاس) الحقيقي كان جباناً في النهاية، والذي تم إسقاطه في المعركة وإخفائه عن العالم فقط ليتم عرضه بعد موته كتحذيرٍ لكل من يتجرأ ويحذو حذوه.

مقالات ذات صلة

إغلاق