منوعات

مراجعة فيلم Hostiles

تاريخ الأصدار: عام 2018، مدة الفيلم: 134 دقيقة

الصراع بين البشر لأسباب عنصرية، صراع مُتأصل ومُتجذر في قلوب الجنس البشري، رغم أنه لم يولد به، لم يختر لونه أو شكله أو اسمه، فقط عندما تتفتح عينيه لكي يصارع أيادي الحياة الممدودة على عنقه، يصارعها بيديه الضامرتين الصغيرتين، في هذا الوقت فقط يستطيع أن يقرر ما هو الأفضل له.

الممثل (كريستيان بيل) في دور (جوزيف بلوكر)

فيلم Hostiles الذي نحن في صدد مراجعته، هو تحفة فنية، قصة إنسانية تظهر الروح الطاهرة للإنسان بجانب الكيان الدنيء في رواق البشرية، هذه الحقبة الزمنية المليئة بنفوس مكسورة وشهيق حاد وأنين صامت وقلوب مُعذبة بفعل فقد الأحِبَاء.

إنها قصة سوداوية مشحونة بالمشاعر المغطاة بغطاء أدبي مُحكم منحوت بأهداب ذهبية، فهي قصة عميقة التأثير، قاسية المشاهد، مثيرة للتفكر والتأمل حول كيفية وصولنا لهذه النقطة، كيف كانت الحقب الماضية مليئة بالآلام والجثث الشوهاء، والقتل العمد فقط لأهداف مقيته خالية من الصحة، أو لإرضاء شهوة القتل الدنيئة، أو لسيادة جنس بشري على الآخر.

الممثل (كريستيان بيل) في دور (جوزيف بلوكر) في مقابل الممثل (ويس ستودي) في دور (يلو هوك)

القصة

يأخذنا الفيلم لفترة مشحونة بالنزاعات العرقية العنصرية الهائلة، حيث البقاء للأقوى، في عام 1892 هذا العام القاتم التي تدور فيه القصة وبعد حوالي عشرين عاماً من الحرب على سكان أمريكا الأصليين، يجد (جوزيف بلوكر) بطل الحرب وكابتن القوات الأمريكية نفسه في مأزق نفسي كبير قبل أن يكون مؤلم جسديا.

جواب قادم من رئيس الولايات المتحدة ذاته، يوصي فيه بالأفراج عن القائد الملقب (يلو هوك – الصقر الأصفر) ويُسند إليه مهمة إيصاله إلى موطنه القديم، ولكن ما هذا؟ (يلو هوك) هذا قد قتل أصدقاء (جوزيف بلوكر) قديمًا وهذا ذنب لا يُغتفر بالنسبة لبطل حربي.

يصارع (جوزيف) ذاته، وبعد محاولات كثيرة تتصارع فيها ذكريات مؤلمة جامحة مع أوامر عسكرية صارمة، ولكن في آخر الأمر يخنع القائد للأوامر لكي يشرع في بداية رحلة ستغير حياته إلى الأبد.

الممثلة (روزاموند بايك) في دور (السيدة كويد)

في بداية الرحلة يقابل امرأة مكسورة النفس خاوية القوة وتقبض على شيئاً ما في داخلها لا تريد أن تنساه أو تتركه ورائها، سيأخذها في طريقه ويكمل.

تتوالى الأحداث في سياق بطيء نسبياً ولكن ليس مُملاً على الأطلاق، ويلقى القائد (جوزيف) بعد عدة نزاعات طلب من صديق قديم لكي يسلم مسجون إلى السجن في طريقه، لكن أحذر ماذا؟ هذا المسجون صديق قديم، وشاهد على معارك دامية بجانب (جوزيف).

يعمل هذا الجندي المحكوم عليه بالإعدام بمثابة الشيطان المُسوس في كينونة البطل، وفي تضرع واستكانة يحاول أقناعه بتحرير هذا الشخص والانقلاب على المٌهمة، يُمهد بالكلمات الطريق ويذكره بالماضي، وكيف كان إنساناً مستوحشاً دامياً بلا قلب، ببساطة بدأ هذا الشخص وبصنع لفظية مُتجذرة في خيال البطل أن يبدأ نوع من الابتزاز العاطفي.

مُندفعاً بذكرياته الجامحة ضد هؤلاء السكان، وبتضرعات رفيق السلاح القديم سوف يقوم (جوزيف) بفعل!!…هذا ما ستعرفه عند مشاهدة هذه التحفة الفنية.

الممثل (كريستيان بيل) في دور (جوزيف بلوكر)

الأداء والممثلين

أداء ممتاز كالعادة من (كريستيان بيل)، هذا المشخصاتي الرائع الذي يختار أدواره بعناية فائقة، يطُل علينا هذه المرة بشارب مُنبعج كبير كمقشة يغطى أنفه الصغير نسبياً، يجسد دور بطل الحرب (جوزيف) الجندي الذي قضى حياته كلها يحارب السكان الأصليين.

خرج من عباءة الشخصية المُتحجرة وجعلها مرنة مثل عجينة يشكلها على الهيئة المناسبة، وهذا ليس غريباً على ممثل بارز مثل (كريستيان بيل)، فقد أكسب الشخصية العاطفة المناسبة لكي تظهر جلية من لحمٍ ودمٍ وأظن انه سيترشح لجائزة الأوسكار عن هذا الدور وربما يحصل عليها.

صورة من فيلم hostiles

الممثلة الرائعة (روزاموند بايك) استطاعت وبجدارة أن تُكّمل القصة ببراعة، وعلى الرغم من طبيعتها الهادئة كان نحيبها دون صوت وبُكائها دون دموع، كانت رائعة.

أداء رائعة وكئيب من الممثل (روري كوكران) ذا اللحية الغزيرة، استطاع هذا الممثل أن يصور كل مشاعر الكآبة والقتامة ويجسدها في شخصية فرعية ولكنها مهمة جداً، لآنها انعكاس لمشاعر داخلية قوية ودامية في هذه الحقبة الوحشية، هذا الوجه الهادئ المُعاتب لنفسه والفاقد للهدف المارق في الحياة سوف يُذهلك.

الممثل (روري كوكران) في دور (توماس ميتز)

السيناريو والحوار

السيناريو قديم مكتوب على يد الكاتب (دونالد أي. ستيوارت) وتم تعديله بواسطة المُخرج (سكوت كوبر)، السيناريو لم يكن طويلاً نسبتاً إلى حجم الفيلم الكبير، ولكنه كان كافي ليكون حجر أساس هذه القصة المُجسدة بأهداب نسجت ملحمة تبدو واقعية وتُعبر بشكل كبير عن هذا الزمان الفج، مُسبرة لأغوار المجهول المٌسفر عن واقع حقيقي مُلثم عن العيون.

المُخرج (سكوت كوبر) مع الممثل (كريستيان بيل)

الإخراج

الإخراج هو الشيء الأكثر صعوبة في صناعة السينما، حيث يجب توافر مناخ معين وظروف معينة لخروج الفيلم بهذه الصورة السوداوية القاتمة، استطاع المُخرج وبصنعة فكرية معجونة بموهبة تصويرية أن يُخرج لنا تحفة فنية واقعية عاطفية رائعة ذات نزعة سوداوية قاتمة.

صورة من فيلم hostiles

رأى كاتب المراجعة

الفيلم من وجهة نظري سوداوي قاتم، ولكن بجانب ذلك استطيع أن أضعه في عدة قوائم، منهم ذات الموضوع والهدف الواحد، أو حتى في قائمة أفلام الرحلات، فنحن نرى الخلفيات دائماً في تغير وتشكل مثل حرباءة متلونة، فتجد خلفية خضراء مُزهزهة، أو صحراء صفراء فاقعة، أو صخر جبلي قاتم، وهذه النقطة تُحسب للمُخرج لاختياره الرشيد لمواقع التصوير.

هذا العمل لا ينطوي على قصة حقيقية، ولكنها واقعية إلى حدٍ ما، ويمكن البرهنة على مدى صوابيتها إذا رجعنا لدفاتر تاريخ هذه الحقبة الدامية الموحشة ولكنك عندما تقلب في الدفاتر بشكل أكثر تفصيلاً ستجد أشياء مختلفة هنا وهُناك، ولكن في آخر الأمر استطاع المُخرج أن يُطوع النص لصالح هدفه هو فقط.

هذا الفيلم هو تُحفة فنية على مستوى الكيان الكامل المُتكامل، صناعة سينمائية مُتقنة متوهجة في عالم السينما الواقعية، ربما تخلله بعض الفجوات التي تُبطئ من نسق الفيلم ولكن على السياق العام فهو فيلم رائع يجمع كل مقومات الفيلم الجيد.

(بين فوستر) في دور (تشارلز ويلز)

الفيلم يجسد معاناة أبطال الفيلم النفسية والمكابدة الداخلية بمشقة هائلة لكي يتحملوا وحشة هذه الحياة الغير آدمية على الإطلاق، حيث جسد هذا العمل السينمائي المعاناة الداخلية لهذه الأنفُس ضد معتقدات ربما هي السائدة ولكنها مُجحفة وخاطئة، وقد صاغ الممثل (كريستيان بيل) المكابدة وعناء النفس في الصمت الهائل، واستطاع أن يُظهر هذا في تصوير واضح القسمات أخّاذ التعابير المُحركة، فأضحى أشبه بكيان هائل مُفعم بالعواطف الزخمة يقاتل بكل جهده حتى ينتصر الخير في كينونته.

شخصية (توماس ميتز) كانت جيدة من ناجية الاداء الفني كما ذكرنا سابقاً ولكن إذا واجهنا الفيلم ككيان كامل سنرى أن شخصيته لم تكن ذات مغزى كبير في الفيلم، ولم تساعد على تقدم الفيلم خطوة للأمام، أو على انقلابات الحبكة الدرامية، لذا إذا أخرجناها من الفيلم لم تشعر بها.

ومن الاخطاء التي أقصدها أنه عندما كان يصاب شخصٍ ذا بشرة سوداء في هذه الحقبة كان يُعامل معاملة الكلاب ليس النُبلاء الأوفياء، ولكنك ستجد عكس ذلك في هذا الفيلم، لذلك أقولها مرة ثانية استطاع المُخرج أن يُطوع القصة لصالحه.

ربما يكون للفيلم جانب سياسي مُستتر عن أعين العامة، جانب سياسي يُظهر الأمريكيين كأبطال ونُبلاء في مُقابل كائنات موحشة شوهاء، وهذا ستلاحظه في الفيلم أيضاً، ولكن الفيلم كمُجمل هو شيء ممتاز.

صورة من فيلم hostiles

أشياء لا تعرفها عن الفيلم:

ــ كشفت الممثلة (روزاموند بايك) في لقاء صحفي:

“أنا وكريستيان بالكاد نتحدث داخل التصوير أو خارجه، فقد قرر كريستيان أن يبقي المسافة المطلوبة بيننا، وشخصياتنا في الفيلم شبه مُختلة ولكن هناك تواصل عميق غير مرئي يحدث بيننا دون كلام”

ــ ميزانية الفيلم حوالي 40 مليون دولار.

ــ كان من المفترض أن يعمل الممثلين (روزاموند بايك) و (كريستيان بيل) في فيلم The Deep Blue Good-By ولكن إصابة قدم الممثل (كريستيان بيل) أوقفت المشروع تماماً.

ــ الممثل الوحيد الذي خضع لتجربة أداء في هذا الفيلم هو (تيموثي شالاميت).

مقالات ذات صلة

إغلاق