مراجعات أفلام

مراجعة فيلم Dunkirk

تاريخ الأصدار: 2017، مدة الفيلم: 106 دقيقة

الفيلم الذي أحدث ضجة وفرقعة نارية قبل نزوله، وغلّف نفسه بالعظمة عند نزوله، فقط لآنه من إخراج سيد الخيال العلمي والحبكة الملتوية (كريستوفر نولان)، ولكن في الحقيقة كان أقل أفلامه من حيث القصة، التي أخذتنا في رحلة نحو الحرب العالمية الثانية تحديداً عام 1940 بمدينة دانكيرك وفي مينائها على وجه الخصوص، الميناء الذي حوى بين جنباته عدد ثلاثمئة ألف جندي من قوة الحلفاء، كان هذا الميناء ملاذهم الأخير ودربهم الوحيدة نحو النجاة، ولكنه في الحقيقة كان حافة الجحيم المُستعر.

إعلان
صورة للفيلم والحقيقة بواقعة دانكيرك

القصة

كانت بطيئة في أكثر الأحيان، تعزف على أوتار الحدث الحقيقي بحذافيره، لم تخرج عن السياق إلا بقليل من الأحداث الجانبية المُتخيلة لكي تضفي بعض الإثارة على القصة الحقيقية، رغم أنه كان من الممكن أن تضاف بعض الخطوط الجانبية القصصية لكي تدعم الخط العريض للرواية وتضفي لها الكثير من الإثارة، ولكن (نولان) أصرّ أن يأخذ قالب الحادث المتحجر ويضعه في سياق أقل صلابة وتحجراً، وقد دارت القصة على ثلاث محاور في الجو والبحر والأرض.

الفيلم ببساطة يدور حول حدث من أكثر الأحداث صيتاً وشيوعاً بين خطوط التاريخ، بل كان سبباً رئيسياً لكتابة عدة صفحات في كتاب الحلفاء التاريخي؛ ثلاثمئة ألف جندي أو أكثر محاصرين في ميناء دانكيرك الميناء الوحيد الناجي من القوات النازية، ولكن بقي فقط أيام معدودة على غزو النسر النازي لهذا الميناء مثل الموانئ التي سبقتها.

صورة من فيلم دانكيرك

ثلاثمئة ألف جندي في الميدان، لا يملكون إلا انتظار موتهم بوجوهٍ متجهمة، وقلوب يائسة، وأفواه عبوسة، وتجري الأحداث نحو التأزم أكثر فأكثر فالسفن أهداف مكشوفة للقوات الجوية الألمانية، لذا لا سبيل للنجاة إلا عن طريق قوات جوية من جيوش الحلفاء تجابه القوات الجوية النازية، ولكن حتى بعد ذلك لن يستطيعوا النجاة بسبب عدد السفن الضئيل جداً بالمقارنة مع عدد الجنود، ولكن كيف تم إنقاذهم؟ هذا ما ستعرفه في الفيلم.

الممثلين (هاري ستايلز ـ انيورين بارنارد ـ فيون وايتهيد) بفيلم دانكيرك

السيناريو والحوار

من النقاط الضعيفة في هذا لفيلم أنه لم يعتمد على الحوار بشكل كبير، الحوار بشكل عام كان قاصر على جُمل قصيرة ثم صمتٍ مُطبق، إنما كان الفيلم يسد فجواته بالموسيقى التصويرية البارزة جداً وصوت الهواء والمدافع المجلجلة.

الأداء التمثيلي وتوزيع الأدوار

الأدوار كانت موزعة بالتساوي تقريباً، فيمكن أن نقول ان هذا الفيلم بطولة جماعية؛ جمع (نولان) بين الخبرة والشباب فوضع المخضرم (مارك رايلانس) بجانب الرائعين (توم هاردي) و (كيليان مورفي)، وكذلك أقحم المغني الشاب والممثل الواعد (هاري ستايلز) في أول أدواره السينمائية.

النجم (مارك رايلانس) بدور السيد داوسن

الأداء التمثيلي كان جيد عند معظم الممثلين، و(كيليان مورفي) كان رائعاً كالعادة وربما كان هو أفضل الممثلين في الفيلم، أما (توم هاردي) بموهبته العظيمة كان مقيداُ داخل كيان الشخصية بقيادة طائرة طوال الفيلم، و (مارك رايلانس) كان عظيماً كعادته، في آخر الأمر لم يقصّر الممثلين في شيء بل أدى كلً منهم دوره على أكمل وجه، ولكن الأدوار لم يكن بها شيء مثير يفجّر موهبة الممثلين، شيئاً أكثر عاطفية.

النجم (كيلين مورفي) بدرو الجندي

الشخصيات

الشخصيات هي ركيزة مهمة من ركائز أي فيلم مميز، ولكن للأسف ستشعر أن هناك شيء منقوص أو خفي لا تستطيع رؤيته، شيء إذا اختفى تختفي معه عمق الشخصيات وتصبح دمى جوفاء وشخوص متحجرة، وهذا هو خطأ (نولان) الكبير بجانب ضعف القصة، أنه إذا ضعفت القصة يمكن أن تدعمها الشخصيات وإذا غابت الشخصيات تربطها القصة ولكن للأسف كان هناك ضعف بَيِّن في بناء الشخصيات أدى إلى ملل ورتابة في الفيلم مقارنة بالتجارب الأخرى للمخرج، في النهاية لا نستطيع أن نُجزم بانهيار الشخصيات بشكل كامل أو افتقدت البعد النفسي والحقيقي بشكل تام.

النجم (توم هاردي) في كواليس تصوير فيلم دانكيرك

بالطبع لم تفتقد الشخصيات أصلها بل افتقدت أصالتها رغم محاولة الممثلين عبر التجسيد الجيد للشخصية تلافي السقطات والفجوات شبه المسدودة، ولكن تجسيد الشخوص يتموضع تأثيره على في كيان الشخوص ذاته ويعانقه حد الكمال، ولكن ماذا إذا كانت الشخصيات ذاتها لم تكن كاملة؟

صورة للمخرج (كريستوفور نولان) من كواليس تصوير فيلم دانكيرك

الإخراج

رائع جداً، فريد من نوعه، لم يستخدم المخرج خدع الجرافيك التخيلية كثيراً، بل كان يستخدم مؤديين حقيقيين ولو ذلك لم يكن كافياً يحضر عواميد من الخشب لكي يظهر المشهد بأكثر نسق واقعي ويصنع حدث ملموس نافذ نحو العين، فتجد المشاهد متقنة الزوايا جلية المعالم وهذا ليس غريباً على عبقري الخيال العلمي (نولان)، فما فعله في الأفلام السابقة يؤهله لهذه التجربة الفريدة، حيث الواقعية تتجسد أمام الكاميرا في أبدان يلثمها التراب وتغطيها الأسمال، استطاع (نولان) وبهذه الواقعية الفريدة أن يقدم لنا تحفة فنية من حيث الإخراج، يجب أن نقولها واضحة جلية أن (نولان) وبدون شك وصل إلى رؤية سامقة عبقرية منقطعة النظير في هذا المجال وهذا يدفعنا أن ننتظر بشغف مشاريعه القادمة.

إعلان

يجب ألا نغفل دور التصوير السينمائي الرائع تحت إشراف (نولان) لكي يُخرج هذه التحفة الفنية من حيث الإخراج والتصوير.

صورة للمخرج (كريستوفور نولان) من كواليس تصوير فيلم دانكيرك

الموسيقى التصويرية

الموسيقى التصويرية هي من تأليف العبقري الرائع (هانز تسيمر)، أستطاع وبنغماتٍ قَسِيَّة عَصِية معجونة بداء الحرب السقيم وتراب الحرب الغابر أن يفصح عن سيمفونية عسكرية بائسة ولكن ذات قلب ملئ بالقوة والصبر، الموسيقى التصويرية هي الأقرب للحدث من حيث التلاقي والاندماج، جسدت قوة الحرب وبؤسها وخوفها المفزع للقلوب وتضحيتها المُسفرة عن شعلة مضيئة وسط ظلامٍ حالك.

للصورة للمثل( فيون وايتهيد) من فيلم دانكيرك

معلومات لا تعرفها عن الفيلم

ــ حضر ثلاثين جندي حقيقي من ناجين موقعة دانكيرك العرض الخاص للفيلم، جميعهم كانوا في منتصف التسعين من العمر، وعندما سُئلوا عن رأيهم في الفيلم قالوا:

“إن هذا العمل السينمائي قد نقل الواقعة بدقة كبيرة ولكن صوت الموسيقى التصويرية كان أعلى من فرقعة القنابل آنذاك”.

ــ قطع المخرج (كريستوفر نولان) مع زوجته (إيما توماس”) وصديق لها المسافة من إنجلترا لمدينة دانكيرك في زورق صغير بنفس الطريقة التي عبر بها المدنيين آنذاك، وقد استغرق عبورهما تسعة عشر ساعة كاملة بسبب حالة الطقس.

ــ بعد ان تأكد (نولان من) مصادر موثوقة كم كانت الجنود عديمة الخبرة في هذه الواقعة قرر أن يجمع عدد من الممثلين الشباب غير المعروفين في مشاهد الشاطئ.

ــ صوت التكتكة الشهير في الموسيقى التصويرية الأصلية بالفيلم مأخوذ من إحدى ساعات المخرج (كريستوفر نولان)، وقد تم تسجيله وتعديله عبر العبقري (هانز تسيمر).

ــ استخدم الفيلم أكثر من خمسون زورقاً في التصوير.

ــ كان الجنود يرددون في الفيلم أن القوات الجوية الملكية تخلت عنهم، وتركوا القوات الجوية النازية ترميهم بالقنابل، ولكن الحقيقة التي لم تُذكر قط أن القوات الجوية الملكية كانت منشغلة في خوض القتالات الجوية بالفعل، ولم يمر على لاجئي دانكيرك إلا طائرات قليلة هي التي نجحت بالمرور من القوات الجوية، ولذلك لم يرى الجنود في الموقعة الكثير من القتالات الجوية.

صورة تجمع المخرج (كريستوفور نولان) بالممثلين (كيلين مورفي) و(هاري ستايلز)

في النهاية الفيلم رائع بكل ما تحمل الكلمة من معنى من حيث التفاصيل والإخراج الدقيق والتصوير السينمائي الفائق والموسيقى التصويرية الجميلة، ولكن افتقد الفيلم العاطفة التي تدفع المشاهد أن يبقى، التي تدفع المشاهد أن يبكي…العاطفة التي تقبض القلوب وتكسرها.

تضمن الفيلم عدة فجوات كان ينبغي ملؤها ببعض السيناريو والكثير من الإثارة والعاطفة، لذلك ربما يكون هذا الفيلم أول سقطات المخرج العظيم (نولان) ولكن على الأقل كانت سقطة رائعة.

إعلان

تقيمم موفيكتوبس