منوعات

مراجعة فيلم The Greatest Showman

تاريخ الأصدار: عام 2017، مدة الفيلم: 105 دقيقة

“أعظم الفنون هو ما يسعد الناس، هو الفن النبيل.”

B.T.Barnum

الأفلام الغنائية ورغم نُدرتها ستظل أفضل الأفلام تعبيراً عن الواقع بحُلوه ومُره. الكلمات والنغمات الموسيقية ذات الوقع المستطاب على القلوب، والترانيم الغنائية ذات الوقع الساحر على الآذان؛ تتحد جميعها في بوتقة ذهبية لتندمج في كينونة واحدة وترتفع لأكثر مواضع المتعة الإنسانية اغتباطاً. الفيلم الغنائي يجسد ما لا تتفوه به الكلمات الجامدة ولا الصور المحبوسة ولا حتى مقاطع الفيديو المُعدة لوصف الموجودات.

إعلان
الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم) مع فريق عروض السيرك

الفيلم الذي نحن في صدد التحدث عنه بإسهاب هو فيلم من أعظم الأفلام الغنائية التي تمت صناعتها على الإطلاق، يحتوي على جميع العناصر المراد توافرها في عمل فني لكي يأخذ مكانه في قائمة الأفضل، لذا كان من الأفضل أن نقوم بمراجعة شاملة لهذا الفيلم.

الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم) مع (فيليب كارلايل) الذي يقوم بدوره الممثل (زاك إيفرون)

القصة

القصة هي السيرة الذاتية لمنظم العروض الأول من نوعه (بي تي بارنوم) مضافة لها بعض الخطوط الجانبية التي تدعم الخطوط العريضة للقصة.

القصة تسير على نحو متسارع، عبارة عن قفزات رشيقة تلاحق بعضها البعض -أظن أن هذا تابع لمدة الفيلم بشكل لا يسمح بمد القصة لأطرافها- فمن هذا إلى ذاك ومن فشل إلى نجاح ومن سكون إلى صخب وصراخ حيث أن القصة تميزت بارتفاع النسق في أغلب أجزائها، وهذه سمت الأفلام الموسيقية.

إعلان

تحذير: الفقرة التالية تحتوي على حرق لقصة الفيلم، إذا لم تشاهد الفيلم يمكنك أن تجتاز الفقرات التالية وتُكمل المراجعة من بداية عنوان السيناريو.

لممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم) مع ابنتيه (كارولينا وهيلين بارنوم) والتي تقوم بدورهما الطفلتان (أوستين جونسون ــ وكاميرون سيلي)

ابنة (بارنوم) 1: أعتقد أن لديك الكثير من الأشياء المتحجرة (الميتة ـ بلا روح) في متحفك يا أبي.

(بارنوم): أليس كذلك.

ابنة (بارنوم) 2: إنها على حق، تحتاج شيء على قيد الحياة (شيء مثير).

(بارنوم) الفتى الصغير المُعدم ذا الطموح الجسيم، ابن لترزي فقير يشق طريقه نحو النجاح بعد موت والده، لكي يكتسب احترام أهل الفتاة التي يحبها، وتتطور القصة من نجاح إلى فشل ومن فشل إلى نجاح، حيث يقوم (بارنوم) في أول الأمر بعمل متحف للأشياء الغريبة ولكنه لم ينجح في جذب انتباه الناس لفكرته، يصاب بالإحباط ولكنه لم يستسلم للهزيمة.

فكر (بارنوم) في أكثر الأشياء غرابة في المجتمع آنذاك، طبع إعلان يطلب فيه كل ذا موهبة غريبة أو يتميز بشيء جنوني غير مألوف، ببساطة كان يطلب المنبوذين من مجتمعهم، المطموسين في الظلام والمستترين خلف الأسوار خوفاً من مجتمعهم، الأشخاص الممقوتين من المجتمع بسبب اختلافهم عنه، فجعلهم هذا الاختلاف قوم يعيشون في الظلام.

الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم)

يأتي (بارنوم) بأغرب فريق عرفه العالم، لكي يُكوّن عروضه الأولية التي جذبت الناس من أول وهلة، حيث صنع “فريق الهراء” كما كانت تسميه الصحافة وأطلقت عليه “السيرك”، فأصبح سيرك الهراء، وبجانب هذا تجد حوارات داخلية عديدة وقصص جانبية إذا كانت رومانسية او في صميم الموضوع، يناقش فيها العمل على هيئة اسقاطات العنصرية التي كانت جارية في هذه الحقبة واختلاف الطبقات من حيث الهيبة والاحترام.

إعلان

الصحفي: أسف، ولكني لا أستطيع أن أدعو هذا بالفن.

(بارنوم): بالطبع، هذا ليس فناً.

الصحفي: ولكن جمع أشخاص بألوان وأحجام وأشكال متباينة معك على منصة واحدة وتقديمهم للناس بشكل متساوي في كل شيء، ناقد آخر غيري ربما يدعو هذا بقداس الإنسانية.

(بارنوم): كنت لأحب ذلك.

وتناقش أيضاً كيف كان يخاف الناس من المجهول ويرتعبون من كل جديد، وكيف يتحول الإنسان بداخله من شخص عطوف طيب إلى شخص أناني محب لنفسه ولاهث وراء حلمه فحسب تاركاً مساعديه ورائه، مثل شخص يصعد السلم وحينما يصعد درجة تنكسر تحت قدمه لكي يصعد بدون رجعه، ولكن كان عليه أن يسقط في أعمق جوبٍ ويهوا في فوهة النار المستعرة حيث تمخضت أحلامه هناك وانكسرت أساريره المعلقة في سحاب السماء وما تبعه من نحيب يقطع أوتار القلوب، لكي يرى الحقيقة مرة أخرى في قرارة نفسه وينجح في تأويل الأمور في نصابها الصحيح، ليبصر أن هناك بعض الأشخاص يرون فيك حلمهم، تغدو قلوبهم معلقة بك أملاً أن تُخرجهم من الظلام إلى النور ولكنك لا ترى ذلك وصعدت سلمك مُنزهاً لتتركهم خلفك لذا كان عليك السقوط.

الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم) مع فريق عروض السيرك

المشهد الافتتاحي

ينقلك من أعلى نقطة ويلقيك في أعمق جُوب، يرفع توقعاتك للسقف ثم ينزلك في السرداب، يرفع النسق لذروة الأحداث ثم يرجعك إلى نقطة الصفر، كل هذا في دقيقة واحدة، المشهد الافتتاحي وكالعادة يبدأ بأغنية تخطف الأنظار وتشعل الأفئدة وتسف عن فرز الأدرنالين بشكل صاخب.

يبدأ الفيلم بالأغنية التي ترفعك نحو السماء فترى كل شيء جميل في عروض معدة والجميع يقوم بعروضه سعيد لتقول لنفسك: “أهذا كل شيء؟” ثم تنتقل الأحداث من السرعة والحماس إلى الحزن حيث كل شيء يدور في عقل الفتى الذي تعرقله الحياة بنضوبها أمام عينه، وتكسره الدنيا بفقرها المدقع.

الممثلة (كيلا سيتل) في دور (ليتي لوتز)

السيناريو

السيناريو كان رائع ومميز، استطاع الكاتب أن يُسّير تيار القصة بسهولة ورفق.

إعلان

الموسيقى التصويرية والأغاني

هذا هو أفضل جزء في الفيلم، الموسيقى التصويرية والأغاني تم تأليفهما بواسطة المبدعان (جستن بول) و (بينج باسيك) الحائزان على الأوسكار العام الماضي بجدارة عن الفيلم الغنائي الآخر (La La Land)، الموسيقى والأغاني لا تحتاج إلى الكثير من الشرح الوصفي أو السرد الدقيق لآنها ببساطة لا تستطيع أن توصف بالكلمات، لقد أبدع الأثنان في تأليف ملحمة غنائية أسطورية، الكلمات دقيقة مارقة إلى هدفها والموسيقى ترانيم عزبة تنتقل سجالاً بين القوة والتراخي المحبوب.

الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم) مع الممثلة (ميشيل ويليامز) في دور (شيرتي بارنوم)

الموسيقى هي إبداع يتجسد في جزيئات الهواء وفي الهالات المحيطة بالإنسان لكي يرتقي لحياة أفضل، وفي هذا الفيلم كانت الموسيقى والغناء هم العامل الأساسي لوصول الرسالة إلى المشاهد وقد نجحوا في ذلك عن جدارة واستحقاق بواسطة المؤلفين الرائعين.

أختار المؤلفان أن ينسجا نوعاً جديداً من الموسيقى في الفيلم الغنائي بعيداً عن نسق الموسيقى والأغاني الكلاسيكية المعتادة في الأفلام الغنائية، فأدخلوا أغاني من نوع موسيقى البوب والهيب هوب وهذا جديد عن الأفلام الغنائية.

لقد وضع الاثنان نفسيهما في ترشيحات الأوسكار لأفضل أغنية بجدارة (أغنية This Is Me) والتي في رأيي المتواضع هي أفضل الأغاني لهذا العام من حيث الأداء الصوتي والموسيقى والكلمات، بل أفضل بكثير من الأغنية التي فازت بالأوسكار -أغنية Remember Me من فيلم CoCo- ولكن الأغنية فازت بالجولدن جلوب عن جدارة فربما خرجوا بشيء من الذهب.

الممثل (سام همفري) في دور (توم سومب) مع الممثل (هيو جاكمان) في دور (بارنوم)

الأزياء

مبهجة جميلة الألوان، ناطقة من على الأجساد، وقد كانت الأزياء والملابس عامل رئيسي في نجاح هذا الفيلم حيث جسدت كل شخص في قالبه الصحيح، وساعدت الممثلين في أداء الشخصيات بشكل متميز، واستطاعت إقناع المشاهد بهذه الحقبة.

الممثلين

لا أستطيع أن أمسك عقدة واحدة وأهمل الحبل كله، او أشرب من كأس وأهمل باقي الكؤوس، لذا لن أمسك شخصية من الشخصيات وأحللها، فقد الكان العرض كله رائعاً مميزاً حتى الأدوار الثانوية كانت ممتازة وتم تأديتها بعناية؛ لذا أنا أرى جميع الممثلين كانوا رائعين، ومنهم من فاق التوقعات ولكنهم في المُجمل كانوا رائعين.

الممثلة (زيندايا) في دور (آنا ويلر) مع (فيليب كارلايل) الذي يقوم بدوره الممثل (زاك إيفرون)

(هيو جاكمان) لا غبار عليه فهو الأفضل وأظن أنه قد نقل هذا النوع من الأفلام نقلة نوعية وقشط الغبار المكوم على صندوق الموسيقى لكي ينبعث هذا النوع من الأفلام من جديد، وقد ساعد نجاح أفلامه في تشجيع المنتجين على أخذ الخطوة الحقيقية نحو إنتاج العديد من هذه الأفلام.

هناك نقطة لا يجب ان أغفلها، إنها (زيندايا)! (زيندايا) الرائعة ذات الموهبة المتوهجة، أداء رائع منها فاق التوقعات وينبئ عن ممثلة شابة واعدة قادمة بقوة في مجال التمثيل والأداء الحركي الإيقاعي المتجسد في هذا الفيلم.

الممثلة (زيندايا) في دور (آنا ويلر) مع (فيليب كارلايل) الذي يقوم بدوره الممثل (زاك إيفرون)

الإخراج والتصوير السينمائي

رائع في كل شيء، فالإخراج كان بمثابة حقيبة الحاوي التي تجتمع بها جميع الألاعيب والخدع والمواهب الخفية، وقد تميز المخرج وطاقم العمل بالدقة والابتهاج فأستطاع أن يُخرج كل مقطع من هذا الفيلم بشكل مثير متوهج.

الممثلة (ريبيكا فيرغسون) في دور المطربة (جيني ليند)

رأي كاتب المقال:

هذا الفيلم هو من الأفلام التي تجلس أمامها وتحملق في الشاشة إلى ما لا نهاية من الدقائق، يكتنفُك بين جنباته ويستوقد ناراً متأججة بداخل فؤادك حتى ينتهي فتنطفئ داخلك تاركة فجوة غنائياُ عذبة التجاويف. يفعل هذا الفيلم بك كل الأفاعيل ويحيلك إلى عالمٍ كنت ترنو بعينيك فتجده بعيداُ عن المنال.

الممثل (هيو جاكمان) والممثل (زاك إيفرون) مع المخرج (مايكل غراسي)

نجح (بارنوم) أن يغير مجتمع بأكمله ويفرض احترامه قسرياً عليهم. أستطاع أن يغير وعيهم بأنفسهم ومجتمعهم، أستطاع أن يمحي العنصرية أو حتى أن يزحزحها بضع خطوات نحو الجحيم، أستطاع ان يرى هذا الزيف الكوني المتراكم فوق العقول فأجحفها وجعلها بليدة، ليأتي هو ويحطم جدار العادات.

أكثر الصدمات التي لحقت بي في حفل الأوسكار هو أن فيلم في حجم وإنتاج وأبداع The Greatest) Showman) لم يظفر بأيٍّ من جوائز الأوسكار، بل والأكثر من ذلك أنه لم يرشح إلا لجائزة أفضل أغنية فحسب ولم يحصل عليها. هذا الفيلم ببساطة كان يستحق الترشح لأفضل فيلم عن جدارة، لذلك أظن ان من الظلم أن يمر مرور الكرام دون أن يحصل على أي شيء.

(فيليب كارلايل) الذي يقوم بدوره الممثل (زاك إيفرون) مع فريق عروض السيرك

مميزات الفيلم:

ــ أداء رائع من جميع الممثلين.

ــ موسيقي تصويرة وأغاني ممتازة.

ــ قصة وسيناريو ممتازين.

ــ ملابس وأزياء ممتازة.

ــ تصوير سينمائي ممتاز.

ــ استعراضات مبهرة.

الممثلة (زيندايا) في دور (آنا ويلر) مع (فيليب كارلايل) الذي يقوم بدوره الممثل (زاك إيفرون)

ما يؤخذ على الفيلم:

ــ لا شيء تقريباً، ولكني أظن أنه كان يمكن للفيلم أن يأخذ عدد أكبر من الدقائق.

ــ الفيلم لم يظهر كل حياة (بي.تي.بارنوم).

ــ تسارع الأحداث وعدم اتساع الفيلم بدقائقه المحدودة للقصة بكاملها.

صورة مجمعة بكواليس تصوير الفيلم

أشياء لا تعرفها عن الفيلم:

ــ قرأ (هيو جاكمان) الكثير من الكتب حول (بي.تي.بارنوم) قبل أن يؤدي الدور.

ــ قامت (زيندايا) بكل الحركات الخطرة والبهلوانية من التأرجح إلى الرقص بنفسها وبدون مساعدة أو دوبلير.

ــ لقد عمل (بي.تي.بارنوم) في عدة مجالات قبل أن يدخل مجال العروض ومنها أعمال اليناصيب وغيرها.

ــ الممثل (سام همفري) الذي أدي شخصية القزم (توم سومب) في الحقيقة طوله 127سم ولكن الشخصية الحقيقية للقزم (توم سومب) كانت تملك من الطول 103سم، لذا كان على الممثل (سام همفري) أن يمشي على ركبتيه طول الفيلم.

ــ هذا الفيلم كان من أحلام (هيو جاكمان) منذ عام 2009.

ــ تمت كتابة شخصية (جيني ليند) لكي تشبه (آنا هيثواي).

ــ شخصية (جيني ليند) والممثلة التي تقوم بها (رابيكا فيرجسون) كلاهما وُلدا في السويد مدينة ستوكهولم.

ــ لقد عرض الفيلم أن (بي.تي.بارنوم) بدأ في عمل عروض السيرك وهو في سن صغير، ولكن في الحقيقة لقد بدأ عمل السيرك بعد سن ال60، وأيضاً السيرك لم يبدأ إلا بعد خمس سنوات من حرق المتحف.

فيلم عندما تنتهي منه ستريد معاودة مشاهدته مرة أخرى!

مقالات ذات صلة

إغلاق