حقائق

الحقيقة المظلمة وراء فيلم الأسد الملك

لا أستطيع القول أنّ (سيمبا) يبدو عادلاً في نظري على الإطلاق بل أجده أصبح مجرد ملكٍ ظالم آخر

الأسد الملك تلك القصة التي شاهدتها في طفولتي عشرات المرات، ما زلت أذكرها جيداً حتى اليوم بعد مرور العديد من السنوات، ذلك الفيلم اللطيف الذي يحكي لنا قصة الملك العادل الذي يتعرّض للقتل من قبل أخيه الشرير والذي يقوم بإقناع شبله الصغير أنّ موت والده كان خطأه ويطلب منه الرحيل والهرب قبل أن يكتشف أحدٌ آخر ما قام به، لسنواتٍ كنت أعتقد أنّ هذا الفيلم يحكي قصةً تقليديةً عن انتصار الخير على الشر، ولكن تعلمّت لاحقاً أنّ في هذه الحياة لا وجود لشرٍ مطلق فكل شرٍ يحوي بداخله على بعض الخير وكل خيرٍ يتضمّن بعض الشر أيضاً.

في هذا الفيلم بالتحديد لا أظن أنّنا سوف نحصل على استثناءٍ لتلك القاعدة، فبعد التدقيق جيداً سوف يتبيّن أنّ هناك العديد من الجوانب المظلمة المخفيّة ضمن هذه القصة، وهذه الجوانب لن تكشف لنا أسراراً لم نكن قد لاحظناها سابقاً، بل قد تبيّن لنا أنّ بعض الأشخاص ليسوا بالطيبة التي اعتقدناها.

الصورة النمطية التي ترسّخت في أذهان كل من شاهد هذا الفيلم كانت أنّ (سكار) هو الأسد الظالم الشرير والذي كان يسعى دوماً إلى الإساءة للجميع وسرقة السلطة والحكم من شقيقه العادل (موفاسا)، ولكن هل خطر لك في يومٍ من الأيام أنّنا كنّا على خطأ طوال هذه الفترة؟

الظلم منذ الطفولة

سكار و موفوسا فيلم الأسد الملك the lion king scar and mufasa
HelloGiggles

لا يخفى على أحدٍ أنّ نظام الحكم في سهول السافانا الأفريقية كان نظاماً ملكياً ينتقل من الملك إلى ولده من بعده، لذلك وعندما رزق الأسد الجد بولده الأوّل كان من المنطقي أنّه سوف يكون الحاكم التالي وحصل على اسم (موفاسا) والذي يعني الملك في اللغة السواحيلية.

المشكلة كانت أنّ (موفاسا) حظي بأخٍ أصغر منه، ذلك الشقيق الذي كان مقدّراً له ألّا يحصل على أي شيءٍ سوى الفضلات من حاكمه، والذي حصل على اسم (تاكا) وهذا الاسم يعني في السواحيلية التراب أو القمامة، أي أنّه منذ ولادته حُكم عليه بأنّه مجرد قمامةٍ أمام عظمة شقيقه الكبير، بالطبع فهذا الاسم لم يكن سينال إعجاب أيٍّ كان، لذلك قام هذا الشبل باستبداله باسم (سكار) بعد أن حصل على ذلك الندب على عينه في طفولته.

لكلٍّ منا مكانه في دائرة الحياة

الغزلان في فيلم الأسد الملك ذا ليون كينع The Lion King
animationsource.org

مع إشراق الشمس يبدأ الفيلم وتظهر لنا جموعٌ من الحيوانات التي تتجه نحو صخرة قطيع الأسود أو كما أُطلق عليها في النسخة العربية من الفيلم (صخرة العزة)، هذه الحيوانات كانت تتجه إلى ذلك المكان لتشهد مراسم تسمية ابن ملكهم والذي سوف يصبح في المستقبل حاكمهم الجديد، المثير للاهتمام أنّ الحيوانات التي كانت تتجه إلى ذلك المكان لم تقتصر على الضواري بل تضمّنت الكثير من آكلات العشب فيمكننا مشاهدة الغزلان والفيلة وغيرها من الطرائد التي تنحني أمام ولي العهد وتقدّم له الولاء علماً أنّه سوف يلتهمهم في يومٍ من الأيام.

قد يبدو الأمر غريباً أن يكون الحاكم العظيم العادل يلتهم رعاياه المحبين، وفي الحقيقة يلاحظ (سيمبا) هذا غرابة الأمر ويسأل والده:

“ولكن ألا نقوم بأكل الحيوانات؟”.

ولكن بالطبع كان (موفاسا) مستعداً لهذا السؤال ويخبره أنّنا جميعاً نملك مكاناً في دائرة الحياة وأنّ الأسود عندما تموت سوف تتحول أيضاً إلى نباتاتٍ وتقوم الحيوانات العاشبة بالتهامها، قد تبدو الإجابة منطقية ولكن أيضاً ولأجل الدقة العلمية فهذا يعني أنّ فرائس الأسود التي لا تُهضم تماماً سوف تتحول إلى فضلاتٍ تغذّي الأعشاب وبهذا سوف تتغذى هذه الحيوانات على بقايا إخوتهم الموتى.

ما المشكلة في هذه النظرية

الحيوانات الغلان وحمار الوحش والزرافات في فيلم الأسد الملك The Lion King
The Lion King Wiki – Fandom

في الفيلم لا يبدو أنّ أحداً من الحيوانات العاشبة لديه أيّ مشكلة في هذا الأمر، فجميع الحيوانات العاشبة قبلت أنّ لديها دوراً محدداً في هذه الحياة، فهي تتغذى على الأعشاب وتعلم أنّها سوف تكون طعاماً للأسود يوماً ما في حين أنّ الأسود تقوم بتناول هذه الحيوانات وتبرر الأمر بأنّها سوف تُصبح عشباً في النهاية، هذا النمط من الحكم ليس نمطاً حديث المنشأ فقد تبنّاه (أفلاطون) منذ القدم ودافع عنه قائلاً أنّ جميع الأشخاص يجب عليهم أن يتقبلوا دورهم في هذه الحياة.

لكن لم يكن الجميع مؤيداً لهذا الرأي، فوفقاً للفيلسوف Karl Popper هذا الطرح والذي يُطلق عليه Holism أو الكلانية حيث أنّ مصلحة المجتمع أكثر أهميةً من مصالح الفرد الشخصية كان مسؤولاً عن جميع الفظائع التي حصلت في العالم، وأنّ مصالح المجتمع تتحدد باستخدام بعض القوانين التي لا يُقبل الجدل في صحتها سواء كانت نقاء الأعراق أو العادات والتقاليد على سبيل المثال.

يقول (بوبر) بالنسبة إلى (أفلاطون) أن يحافظ الفرد على دوره في المجتمع يساوي الفضيلة، وحتى يوضّح الأمر ببساطةٍ أكبر يقوم بتشبيه المجتمع بساعةٍ ميكانيكية كبيرة ويصبح في هذه الحالة الهدف من حياة الفرد أن يكون محض مسنن ممتاز في آلية المجتمع، بالطبع فكل فردٍ هو مسنن مختلفٌ عن الآخر وله دورٌ خاصٌ به ولكن حفاظ الفرد على مكانه ودوره في الحياة سوف يعود بالنفع على الجميع وفي ذات الوقت يمثّل فضيلة الكُليّة وهو ما يعني أنّهم سوف يحيون جميعاً في تناغمٍ تام، هذا التناغم في المجتمع هو ما أطلق عليه (أفلاطون) العدالة.

غضب الضباع

الضباع في الأسد الملك The Lion King
lionking.wikia.com

في الفيلم يبدو بوضوح أنّ الضباع لم تكن راضيةً عن دورها في الحياة، فهم كانوا في أسفل السلسلة الغذائية ومحرمين من دخول أراضي المملكة، قد تسأل نفسك ما الذي يجعل حيواناتٍ تتغذى على اللحوم في أسفل السلسلة؟ في الحقيقة لست واثقاً من السبب، ولكن ربما يكون السبب في ذلك يعود لكون هذه الحيوانات تتغذى على بقايا الحيوانات التي اصطادها الغير وهذا ما يجعلهم بكلماتٍ أخرى عمال النظافة للحيوانات المفترسة.

الآن عدم رضاهم لم يتم التعبير عنه بالكلمات وحدها، فهم ساهموا في التخلص من الحاكم (موفاسا) وساعدوا (سكار) على الوصول للسلطة، ولكن وعلى عكس شقيقه لم يكن (سكار) منفرداً بالسلطة فقد كان قطيع الضباع يشاركه في الحكم أي أنّ النظام الملكي تحوّل إلى الديموقراطية.

الديموقراطية بنظر (أفلاطون) تنتج عن تخلي الأفراد عن أدوارهم المرسومة لهم وتمنح السلطة للأشخاص الذين لا يمتلكون الحق في الحصول عليها كالفقراء والحمقى والمنفيين من الأرض وهي تكافئ في مفهومها الفوضى، إن كنت تتعجب من كون (أفلاطون) كان يعارض الديموقراطية فيذكرك (بوبر) أنّ أفلاطون كان يبدو معجباً بأسلوب الحكم في (اسبارطا) والذي كان حكماً دكتاتورياً عسكرياً.

لكن هل كان النظام ديموقراطياً حقا؟

الأسد سكار وأمامه جيش الضباع الشرير وأغنية كن جاهزاً Be Prepared في فيلم الأسد الملك The Lion King
Business Insider

لنكن واقعيين (سكار) والضباع لم يحققوا مجتمعاً ديموقراطياً ولكنّهم حققوا المساواة، حيث أنّ الحكم الجديد جعل لكلٍّ من الأسود والضباع الحق في التجوّل والصيد في المملكة، وفي المرحلة التالية أصبح (سكار) الحاكم الجديد وحقق هدفه الأساسي وهذا ما يجعله في نظر (أفلاطون) طاغية، وهو ما كان بنظره أسوأ أنواع البشر فهو مستعدٌ لتدمير التناغم والقيام بكل ما يجب القيام به للوصول إلى أهدافه الشخصية.

دمار المجتمع مع وصول الطاغية للحكم

الأسد الشرير سكار Scar في فيلم ذا ليون كينغ الأسد الملك The Lion King
telegraph.co.uk

لاحظنا طبعاً أنّ سهول المملكة أصبحت خاليةً من الأعشاب وأنّ الأنهار جفّت بعد وصول (سكار) للسلطة وهو ما شكّل دماراً للمجتمع، عندما نفكر في الأمر بمنطقية فلا يمكن أن يكون (سكار) مسؤولاً عن الجفاف الذي يصيب سهول السافانا في أفريقيا ولكن الحجة كانت جاهزة، الجفاف كان نتيجة قيام (سكار) بتدمير قوانين الطبيعة وكسر دائرة الحياة والإخلال بالتوازن.

عندما نفكّر جيداً فهذه الحجة سوف تظهر في كل مرةٍ تقوم فيها بالاعتراض ضمن أيّ نظامٍ ديكتاتوري أو ذو حكمٍ عسكري حيث تجعلهم الحجة يبدون وكأنّهم لا يرغبون بالسلطة لأنفسهم بل يهتمون فقط بالحفاظ على التناغم.

بالطبع للوصول إلى التناغم من جديد كان يتوجب على (سيمبا) العودة من جديد وأخذ دوره في دائرة الحياة، بعد أن شعر (سيمبا) بالندم يعود من جديد ويحارب عمّه ويقضي عليه، وكالسحر بمجرد موت (سكار) تبدأ الأمطار بالهطول من جديد ويعود الغطاء الأخضر من الأعشاب ليغطي الأراضي مرةً أخرى وترجع قطعان الحيوانات من جديد لوطنها إلى قدرها المحتوم بالموت كطرائد للأسود فقط.

القوة هي الأساس

معركة سيمبا وسكار Simba and Scar Battle أسدان يتقاتلان في فيلم الأسد الملك The Lion King
Tes

أحد الأفكار الأخرى التي يطرحها الفيلم هي أنّ الذكاء لا دور له وأنّ القوة المفرطة هي المعيار الأساسي والمهم في الحكم، هذه الفكرة تبدو واضحةً منذ البداية حين يأتي (موفاسا) ليسأل شقيقه عن سبب غيابه عن مراسم تسمية مولوده الجديد حين يقول (سكار) أنّه يمتلك نصيب الأسد من الذكاء ولكنّه يفتقر إلى القوة الغاشمة، أيضاً يتّضح الأمر في النهاية حين تقوم جميع إناث القطيع بالإضافة إلى الضباع بانتظار الفائز في المعركة لمعرفة ملكهم القادم.

السلطة التي تباركها الآلهة

القرد الحكيم رافيقي Rafiki يحمل سيمبا وهو صغير في فيلم الأسد الملك The Lion King
Wallpapers13.com

شخصية (رافيكي) ذلك القرد العالِم بكل الأسرار تظهر منذ البداية حيث يقوم برفع (سيمبا) عالياً في السماء أمام جميع الحيوانات ليتمكن الجميع من مشاهدة حاكمهم الجديد، عندما يقوم برفعه نلاحظ أنّ الغيوم التي تملأ السماء تبتعد لتتيح لأشعة الشمس الوصول إلى ولي العهد وكأنّها مباركةٌ من السماء وإعلانٌ بأحقيته المستقبلية للسلطة.

أيضاً وعندما يدرك (رافيكي) أنّ (سيمبا) ما زال حياً يسارع إلى البحث عنه وإقناعه بأنّ قدره هو أن يكون حاكماً يجلس على العرش فهو ليس خياراً له بل واجبٌ عليه، في الحقيقة لا يتوقف دوره هنا على الاقناع وأداء مراسم الولادة فهو أيضاً يشارك في المعركة بكلّ قوته لمصلحة الملك.

ملكٌ عادل أم مجرد ظالمٍ آخر

سيمبا يقف على الصخرة في الجزء الثاني من قيلم الأسد الملك The Lion King 2: Simba's Pride
Jarvisrama99 – DeviantArt

أثناء المعركة يبدو أنّ (سيمبا) يظهر بمظهر الشخص الرحيم والملك العطوف، فهو لا يبدو عليه بأنّه يرغب في قتل عمّه حتى بعد أن أدرك أنّ (سكار) كان من قتل والده، لكن وعندما نشاهد الجزء الثاني من الأسد الملك نعلم جيداً أنّ (سيمبا) قام بعدها بنفي جميع الإناث اللواتي كنّ يتبعنّ (سكار) بالإضافة إلى الشبل الصغير الذي لم يكن له أيّ ذنبٍ فيما حصل إلى أرضٍ بعيدةٍ خاليةٍ من الطعام والماء ليتضوّروا جوعاً هناك.

لا أستطيع القول أنّ (سيمبا) يبدو عادلاً في نظري بهذا التصرف على الإطلاق بل أجده أصبح مجرد ملكٍ ظالم آخر ولكنّ الظلم في هذه المرّة كان موجهاً نحو أشخاصٍ آخرين.

قد يجادل البعض أنّ (سيمبا) منح (كوفو) فرصةً أخرى وسامحه وهذا ما يجعله عادلاً، ولكن لنفكر بالأمر فهو لم يقم بهذا التصرف إلّا بعد أن أدرك أنّ (كوفو) قام بإنقاذ ابنته الحبيبة من الموت، إذ أنّه رفض عودته بشكلٍ قاطعٍ قبلها وهاجمه لمجرد أنّه ابن (سكار).

في النهاية لا أدري إن كان علي الاعتذار لقيامي بإفساد ذكرياتك عن فيلمك العائلي القديم أم لا ولكن يجب عليّ أن أسأل الآن ما هو رأيك بعد أن أتممت القراءة، هل ما زلت تعتقد أنّ (سيمبا) ووالده (موفاسا) كانا حاكمين عادلين أم أنّ لديك رأياً مختلفاً الآن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق