منوعات

تحفة كورية ستفجر عقلك: إليك فيلم The Call!

السينما العالمية كل يوم تقوم بإبهار الجميع وتقول في وجه السينما الهوليودية: “الآن زماننا!”.
وبالفعل، أبرز السينمات الأجنبية التي ناطحت هيوليوود رأسًا برأس، هي السينما الكورية. حيث قدمت مؤخرًا فيلم Parasite الأيقوني الذي فاز بالأوسكار، وكان النقلة النوعية للسينما العالمية في سنته. وكذلك أفلام أخرى كثيرة صدرت في الصناعة مثل Forgotten (والذي لدينا له مراجعة بالفعل على موفيكتوبس بالمناسبة)، وغيره من الأعمال القوية.

يبدو أن قائمة الأعمال الكورية الممتازة سوف تزيد واحدًا لديكم بعد الحديث عن فيلم The Call. الفيلم الصادر في 2020، واستطاع أن يحصل لنفسه على مكانة كبيرة ضمن أعمال نيتفليكس الأصلية.

إذًا، ماذا يخبئ لنا هذا الفيلم “المفجر للعقول” في جعبته يا ترى؟

*المراجعة خالية من الحرق – Spoilers*

القصة

يتحدث الفيلم عن فتاة شابة قررت أن تعود إلى موطنها الأصلي، مزيلة الغبار عن المنزل الذي صار مهجورًا منذ أن توفي والدها وهي صغيرة. تركها في سنٍ صغيرة، بسبب حادث مؤلم، جعلها حزينة ومكلومة طيلة حياتها، ولم تستطيع والدتها أن تسامح نفسها لتسببها في ذلك الحادث، ولذلك عزلت نفسها في مشفى بنفس البلد التي توفي فيها زوجها.

الآن قررت الفتاة العودة، لكن يبدو أن صديق العائلة (وصاحب مزرعة الفراولة التي بالجوار) لم يستطع أن يعرف منها السبب الفعلي للعودة. هل تريد بيع البيت؟ تأجيره؟ أخذ أشياء منه بعينها ثم تركه مرة أخرى وترك الأم نفسها لتتعفن وتدفنها المشفى، عقابًا لها على ما اقترفته وهي شابة تجاه والدها؟ في الواقع، لا أحد يعلم.

لكن كل شيء يتغير والنوايا تبدأ في الظهور مباشرة بعد أن اكتشفت الفتاة وجود هاتفٍ قديمٍ في المنزل، هاتف يرن كل ليلة بطريقة غريبة ولمدة قصيرة، ولا تجيب من الناحية الأخرى إلا فتاة تطلب النجدة، فأمها تريد حرقها والتخلص منها!

لاحقًا يتدارك كلاهما أن الهاتف ما هو إلا أداة تربط الماضي بالحاضر، والفتاة الجالسة في الماضي، يمكن لها أن تعمل على تغيير حاضر الفتاة الأخرى، لكن السؤال هنا، هل يمكن للترابط الوثيق بين الماضي والحاضر، أن يتحول فجأة لوسيلة ابتزاز لما قد يحدث في المستقبل؟

الفيلم بالكامل مبني على الخداع، المناورة، والقدرة على التصرف بالشكل الصحيح، في الوقت الصحيح. وفعلًا مليء بالمنعطفات الدرامية الممتازة، وبلا شك هو بعيد كل البعد عن تصنيف الرعب، فيمكن أن يراه المراهقون بدون مشاكل، هذا بالطبع إذا استطاعوا فهم التركيبة الزمنية المتشعبة للأحداث من الأساس.

ما يميز The Call

الفيلم يقدم قصة قد تعتقد في البداية أنها منتمية إلى أفلام الحلقات المفرغة – Loops، مثل فيلم Triangle وأقرانه، لكن الأمر ليس هكذا على الإطلاق. أجل، يمكن أن توجد بعض عناصر الاتصال بين محاور القصة، لتوحي بأننا في حلقة مفرغة أحداثها تتكرر في نفس المكان (مهما اختلف الزمان)، لكن يأتي المؤلف ويصفعنا على وجوهنا، ويقول أن الحلقات المفرغة يمكن أن يتم كسرها باللعب على أوتار الزمن، تمامًا مثل أنمي Steins Gate المعروف.

لوهلة يمكن التيقن أن الماضي توقف عن التأثير في الحاضر، وأن كل شيء جميل ورائع، لكن سرعان ما ينهال علينا الواقع بمطرقة شرور الإنسان، ونجد أن كل شيء يمكن أن يصير مأساويًّا في لحظة. ستخرج من الفيلم باعتقاد راسخ أن البشر مهما كانوا مريحين في البداية، سيأتي عليهم يوم ويكونوا فيه وحوشًا كاسرة، كل هذا فقط من أجل الاستمرار في العيش بالطريقة التي تروق لهم، حتى وإن كان فيها أذى للآخرين.

ببساطة، يجب إسقاط الفيلم على حياتنا الواقعية. خلال القصة، قامت فتاة الماضي بتشويه حياة فتاة الحاضر تمامًا، كل هذا لكي تحافظ على نفسها من الوقوع في براثن السجن، السجن الذي تستحقه ويجب أن تناله فعلًا. هذا شيء يفعله معظم الناس في المجتمعات العربية هذه الأيام، يمكن لهم تدمير حياة الآخرين بالكامل، فقط ليتحاشوا ظلمة السجون، وفي المقابل يتم تدمير البريء والصالح والجيِّد.

الإنسان قادر على التدمير والتخريب، مثلما هو قادر على الإصلاح والإعمار بالضبط؛ هذه هي رسالة الفيلم على ما أعتقد.

الشخصيات

هنا نأتي للمشكلة الوحيدة في الفيلم بالنسبة لي، البناء الفني.

الأعمال الجيدة تكون مبنية بالكامل جيدًا، بداية من الشخصيات الرئيسية، مرورًا بالثانوية، وصولًا للثالثة (الشخصيات التي لا تظهر إلا في مشهد واحد مثلًا). والحبكة الجيدة يتم إيجادها عنه إحداث توازن ملحوظ بين كل تلك الشخصيات، وذلك عن طريق خلق خلفيات تاريخية مناسبة لكل شخصية، وتوظيفها بطريقة لا تدفع المشاهد للاعتقاد أن الثانوية صارت رئيسية، أو العكس.

لكن المشكلة أن هذا الأمر حتى لم يحدث هنا، فلم أجد إلا تسطيحًا متعمدًا لكل الشخصيات، إلا فتاة الحاضر وفتاة الماضي فقط. وكأن الكاتب يقول للناس أنه يجب التركيز على الشخصية 1 و 2 فقط، أما الباقون فلا فائدة لهم، فكلهم بيادق في رقعة كبيرة لا توجد فيها إلا ملكتين. التسطيح لم يكن في مصلحة القصة على الإطلاق، فبالرغم من أهمية بعض الشخصيات الثانوية (مثل الأب والأم)، إلا أنه لم تتم تولية أي ذرة اهتمام لهما على الصعيد النفسي أو التركيبي، فقط كان لهما دور سطحي في حياة البطلة، وانتهى الأمر.

أما بالنسبة للفتاتين، فالبناء احترافيّ للغاية، ولا غبار عليه في الواقع. كل ردود الأفعال متناسبة مع البناء المطروح مسبقًا، مما جعل الفيلم كله واقعيًّا، وكأن كل هذا يحدث فعلًا.
أليست السينما في الأساس “قوية” فقط إذا أقنعت المشاهد أن ما يحدث بداخل الشاشة؛ حقيقة لا يمكن التشكيك فيها؟!

التمثيل

بالرغم من كون الفيلم يعتبر بداية لمعظم الممثلين، إلا أنها بداية قوية بحق!

التمثيل بالمجمل احترافيّ، كل الممثلين قاموا بأداء أدوارهم باحترافية، خصوصًا الفتاتين. لكن أقولها وأكررها مرة أخرى، السيناريو ظلم الشخصيات الثانوية بالكامل.

التمثيل الاحترافي المقدم من أغلب أفراد طاقم العمل، كان ليثمر أكثر من ذلك بكثير إذا كان السيناريو داعمًا للشخصيات بالقدر الكافي، لكن هذا لم يحدث، فبالتالي لم نرَ في الصورة العامة إلا البطلتين فقط للأسف.

لكن بوجهة نظر نقدية بحتة، هناك الكثير من المواهب الثقيلة جدًا في فيلم The Call بدون شك.

الإخراج

آه، هنا الشغف!

العين التي أخرجت هذه المشاهد، لم تتغذ في حياتها إلا على المشاهد المفتوحة والعمق البصري المحبب لي شخصيًّا. الكادرات والزوايا كلها بديعة بحق.

الفيلم بالكامل يوحي لك أن كل شيء يجب أن يتم تصويره في أماكن مغلقة، وهذه حقيقة، معظم المشاهد في أماكن مغلقة فعلًا، لكن الشعور العام يوحي لك بأن كل شيء في أماكن مفتوحة، وهنا تكمل عبقرية الإخراج.

اعتمدت العين الإخراجية هنا على إدراج مشاهد مفتوحة وعريضة ومتساوية الأنصاف، بين المشاهد المغلقة والعشوائية. تلك المشاهد لكونها تتناقض بشدة مع المشاهد المغلقة من حيث التركيب والنزعة، فتعلق بذهن المشاهد لفترة طويلة، وتكون هي التي يخرج بها كمَشاهد أيقونية بعد الانتهاء من المشاهدة.

يمكن القول أن الإخراج هنا متأثر بمارتن سكورسيزي من جهة (المشاهد الواسعة)، وستانلي كوبريك من جهة أخرى (المشاهد ذات الأنصاف المتساوية = السيميترية).

الموسيقى

فيلم The Call قدم تجربة موسيقية مختلفة بعض الشيء.

بدلًا من تقديم موسيقى درامية وقاسية، أو حالمة ورقيقة، اعتمد على طرح مزيج بين الروك والميتال، متخليًا تمامًا عن القانون العرفي للموسيقى الغامضة لأفلام الرعب.

بنسبة كبيرة، إذا عملنا على مقارنة المقطوعات الموسيقية هنا مع أفلام سينمائية حديثة، فسنجد أن الإلهام كان سلسلة أفلام John Wick، فهي التي تعمد على إدراج الموسيقى الملحمية في معظم المشاهد لضمان التأثير.

كما أن الموسيقى لم تكن روك وميتال فقط، بل هناك لمسات من البيانو الذي يوحي بالغموض من حينٍ لآخر، وصدحت تلك المقطوعات بالتحديد في المشاهد التي تُكشف أوراق اللعب في السيناريو؛ ورقة، ورقة.

رأي شخصي

فيلم The Call تحفة كورية يجب أن تشاهدها على الفور، عمل فني قادر على تغيير نظرتك للحياة من حولك، وكفيل بتعليمك درسًا لن تنساه. هناك بعض السقطات الفنية هنا وهناك، إلا أن التجربة ككل تشفع لكل النواقص فيها. والفيلم حقًا يستحق منك مشاهدة ثانية بعد الأولى، لوجود نقاط يمكن ربطها ببعضها البعض عند التدقيق فيها للمرة الثانية، وبالتالي الوصول لصورة أعمق للحبكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق