أنمي

الهينتاي والإيتشي في الأنمي، لماذا يتحسس منهما العرب بشدة؟!

الأنمي يا عزيزي، وما أدراك ما الأنمي.

في الواقع، أنا أعتبر الأنمي من الصناعات الترفيهية التي استطاعت (وبسهولة شديدة) أن تتخطى صناعة السينما من حيث الزخم الشعبي، وفي بعض الأحيان أيضًا من حيث الأرباح المحلية والعالمية على حدٍ سواء. الأنمي هو صورة من صور الفن التي تجمع بين الصوت والحركة، والتي تميزها عن أي صورة أخرى هي القدرة على خلق أي شيء من العدم، ولا حدود لخيال الإنسان عند محاولة خلق شيء من العدم فعلًا.

لذلك هناك عشرات العشرات من الحبكات والقصص التي تقدمها صناعة الأنمي، ولا تستطيع صناعة السينما المساس بها حتى، نظرًا لعدم كونها قابلة للصنع فيزيائيًّا، أو لكون تكلفة صنعها ليست هيّنة مثل الأنمي. فيمكن صنع أنمي فانتازي بميزانية ربع مليون دولار للحلقة الواحدة (20 دقيقة)، بينما يتم صنع فيلم فانتازي بنفس القصة، وستكون تكلفة (الدقيقة) فيه تقريبًا ربع مليون دولار أيضًا.

وبترقي الأنمي في مراتب الإبداع، ظهرت تصنيفات كثيرة على السطح، تماثل تصنيفات السينما، وعلى رأسها الإيتشي والهينتاي والياوي واليوري، وغيرهم. كلها تصنيفات جنسية بدرجات، تقدم للجمهور جرعات من الإثارة الجسدية.

فالإيتشي هو الأقل حدة، ثم تأتي بعده تصنيفات مثل الشوجو-آي والشونين-آي، التي تقدم مزيجًا بين الجنس شبه الصريح والرومانسية المبالغ فيها، وأخيرًا لدينا الهينتاي والياوي واليوري، وهي صور الجنس الصريح.

اليوم سنسلط الضوء على بعض الأسباب، التي (ربما) هي ما تجعل العرب فعلًا متحسسين بشدة تجاه تلك التصنيفات.

الدين.. ربما؟!

كل شيء يمكن إرجاعه إلى العقيدة الأيدولوجية للمرء، فهي جملة المبادئ التي يتبعها في حياته، وتقوم برسم خارطة طريق له بشكلٍ ما.

في المجتمعات العربية، لا وجود للأيدولوجية الشخصية، بل الأيدولوجية اللاهوتية هي المتحكمة، أي الدين. وعندما يسيطر عليك دين ما، سيقوم بشلّ حركتك تمامًا، ويعمل على طمس شخصيتك، لتكون مسخًا في النهاية. والمسوخ بطبيعة الحال، يتسمون بحدة الطباع، الفظاظة، والعنف. وهذا ما نراه في المجتمعات العربية المحبة للأنمي، تجاه تلك التصنيفات.

هم يرون أن الحميمية الجسدية شيء يجب طمسه تمامًا ونبذه من المجتمع، فهو مدعاة لتدمير بنية الأسرة العربية، ويساعد على الانحلال الأخلاقي. لكن المثير للانتباه، أن تلك التصنيفات هي الأعلى مشاهدة ومتابعة في نفس المجتمعات التي تنبذها.

فتجد الذَكر الملتحي من هؤلاء يتشدق في مجموعات الأنمي بأن هذا الأنمي يا رفيقي يقع تحت تصنيف الإيتشي، إنه مليء بالأثداء المتقافزة، لنقم بعمل إبلاغ عن المنشور ثم نغلق المجموعة في وجه صاحبها، لندفع الانحلال دفعًا!

ونفس الذكر، بشحمه ولحمه، يفتح مواقع الأنمي المقرصنة للبحث عنه، ومشاهدته حتى النهاية. وهذا بدون شك يتبع القاعدة العرفية الشهيرة: “ما هو ممنوع، مرغوب”.

إذا منعت تصنيفات معينة بحجة أنها تطعن دينك طعنًا، بالطبع ستصير هي العملة الذهبية وسط أطنان من الفضة.

نفس الأمر حدث على مدار التاريخ في مليون أمر وأمر، وأبسط مثال هو محاولة منع الخمور في الولايات المتحدة الأمريكية، مما أسفر عن ظهور عصابات تهريب كثيرة لتلك المنتجات، وذلك شجع على تفشي الجريمة في البلاد، وأظهر أعتى مجرمي التاريخ على السطح: آل-كابوني.

والآن، هل تجد محل ترابط بين آل-كابوني، والشيوخ المحرمين لكل ما هو حميمي؟

النظرة المجتمعية

في بعض الحالات، قد لا يكون السبب مقترنًا بالدين، بل مقترنًا بالعادات والقواعد العرفية للمجتمع المحافظ نفسه.

فمثلًا من المفهوم نبذ المجتمع العربي لتصنيفات مثل الياوي، لأن أغلب الأديان تقول أن المثليين مكانهم في نيران الجحيم، ويتم تطبيق أحكام إعدام في حقهم بالفعل.

وبالرغم من أن هذا ضد حقوق الإنسان ويعتبر جريمة، إلا أن له نصّ ديني، فله منشأ وأصل، فبالتالي يمكن تبرير العنف، بنصوص عنيفة، فالحيوان يظل حيونًا مهما تحضَّر. لكن المزعج فعلًا وغير المفهوم، هو نبذ تصنيفات تقليدية للغاية، مثل الرومانسية، بحجة أن المجتمع لا يعترف بها.

فمثلًا إذا أتيت بأنمي رومانسي تقليدي للغاية بين ذكر وأنثى، ستجد بعض التعليقات في المجموعات تقول أن الرومانسية حرام، بحجة أنها تثير المرأة جنسيًّا، وفجأة تجد تلك التعليقات سحبتك في دوامة من الخراء الفكري، متحدثين عن الختان والشهوة، وذاكرين لآيات قرآنية في المنتصف، شيء مزعج فعلًا.

ما يقولونه غير مفهوم، لأن الأديان كلها فيها قصص حب في الأساس، بين ذكر وأنثى، وفيها نصوص جنسية صريحة، مما يجعل الدين سببًا في نبذ الرومانسية؛ أمرًا غير منطقيّ. فبالتالي السبب الحقيقي هنا هو العادات المجتمعية الضحلة، والتي ترى أن مجرد أن يكون المرء حنونًا تجاه شريكه، هذا يعتبر ضعفًا.

وهذا ينعكس بقوة في الأسرة العربية، تجد الذكر السلطوي جافًا في تعامله مع زوجته، ويقوم بممارسة الجنس معها بفتور شديد، مما يجعل العملية نفسها مملة للغاية، وهذا لأن مجتمع غذَّى بداخله فكرة أن المرأة مجرد وعاء جنسي.

ستقول لي كيف عرفت ذلك يا متحاذق؟

فقط انظر في الشوارع..

كيف لرجل لا يريد إمساك يد زوجته في الشارع، أن يصير حنونًا في السرير؟ رجل لا يريد أن يظهر ضعيفًا بأنه يتشارك “الحب” مع “زوجته”، هذا رجل لا تتوقع منه أي شيء. لذلك أنا أرى أن الأنمي (والفن عمومًا) مرآة للمجتمعات، فإذا تقبلها الناس بمختلف صنوفها، كان المجتمع متفتحًا وحضاريًّا، لكن إذا قام بإلقاء الأحكام بموجب العرف والدين، فالمجتمع مأساويّ تمامًا، ولن تفلح معه أي ثورة فكرية للأسف.

اليوري استثناء للقاعدة..

هنا يصبح الوضع كوميديًّا للغاية.

في عالم الأنمي، هناك تصنيف يُدعى (يوري)، وهو حب فتاة، لفتاة. نفس التصنيف موجود في مواقع الإباحية تحت مسمى Lesbian. وإذا نظرنا جيدًا لنسب المشاهدة العربية للمواقع الإباحية (ومنها بورن هب، الذي يقوم بنشر قائمة كل عام بنسب المشاهدة حسب البلد)، سنجد أن واحدًا من التصنيفات الأعلى مشاهدة، هو تصنيف Lesbian بالفعل.

فبالتالي الذكر الذي يحب مشاهدة الجنس بين أنثى وأنثى، إذا كان محبًا للأنمي، فبالتأكيد سيذهب لليوري، كانعكاس للذي يحبه في المواقع الأخرى. وهذا بالفعل ما يحدث، مما يدفعك للتساؤل، لماذا يفضلون اليوري ويكرهون الياوي؟

حسنًا، الإجابة واضحة، إنهم يحبون المرأة لأنها تثيرهم، واليوري يجسد لهم المتعة المضاعفة، مما يجعلهم يتخلون تمامًا عن أي أعراف ونصوص دينية، منساقين خلف الغريزة. بينما يكرهون الياوي لأن الذكر بالنسبة للغيريّ، لا يثيره.

وهنا يقعون في الفخّ: المرء لا يستطيع الهرب من طبيعته.

نحن نحب كل شيء قادر على إمتاعنا، ومجرد التنصل منه يخلق أطنانًا من العبء والمعاناة على المرء. ونستنتج من هذا أن الناس يكرهون أنميات الياوي، لأن أبطالها لا يثيرونهم جنسيًّا، بينما يحبون اليوري لأن بطلاتهم العكس بالضبط. مما يعني أن السبب الحقيقي ليس مرتبطًا بالعقيدة أو الخلفية الأيدولوجية، بقدر ما هو مرتبط بالرغبة الجنسية والانجذاب الهرموني فقط.

لأنه يا عزيزي.. في النهاية..

كل أديان العالم تتصدَّع أمام الجنس..

والآن، هل ترى أنني متحامل على الأديان؟ حسنًا، أنا لادينيّ في الأول والآخر، فهذا مبرر من طرفي.

لكن ما أدعوك لعمله هو الجلوس مع نفسك، والتدقيق في أطنان التصنيفات الخاصة بالأنمي، هل فعلًا تستطيع أن تعزل نفسك عن هذا العالم الأخّاذ؟ هل ترى أن الأديان بتلك القوة والجبروت اللذان يمنعانك من الاستمتاع بالحياة الجميلة من حولك؟ هل ترى فعلًا أن أنك تكره الياوي وتحب اليوري لأن دينك أمرك بنكح المرأة فقط، فبالتالي تجد اليوري جميلًا؟

فكر مليًا في الذي قلته، ربما تتفقه في الطبيعة البشرية بعض الشيء..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق