أنمي

ألف ناقص سبعة… لماذا طوكيو غول أفضل مانجا في تاريخ الصناعة؟!

حسنًا، لا تجزعوا، هذا المقال عبارة عن وجهة نظر شخصية من جهة، ونقدية-فنية من جهة أخرى. لذلك اليوم سأتحدث عن مانجا Tokyo Ghoul بلسان العاشق الولهان، وكذلك الناقد المحايد.

في الواقع، لا يمكن لأحد أن ينكر فضل هذه المانجا على الصناعة بشكلٍ عام. إنها المانجا الوحيدة تقريبًا من بعد Berserk التي تتعامل مع حياة الإنسان بسوداوية مفرطة، لكن بواقعية مفرطة أيضًا.

فبدلًا من التعامل مع كل شيء من حولنا بطابع فانتازيا الوحوش الضارية مثل المانجا سابقة الذكر، قرر مانجاكا طوكيو غول أن يجعل القتالات مبنية على البشر أنفسهم (بشكلٍ ما)، مما يعزز ارتباط القارئ مع الفكرة والمضمون.

تسوي إيشيدا هو العقل المدبر خلف هذه المانجا، والسارد الأول والأخير لأحداثها. وبالرغم من أننا لا نعلم الكثير عنه (مثل شكله أو محل سكنه حتى)، إلا أنه واحد من أشهر المانجاكا على ظهر الكوكب هذه الأيام، وعملت مانجته الأثيرة على أسر قلوب وعقول الملايين بسهولة.

اليوم نتحدث عن مانجا طوكيو غول بقلم العاشق الولهان، فاستعدوا لعبارات من الحب والتقديس.

الفكرة مكررة، لكن بعرض مختلف

فكرة المانجا معتادة ومكررة في ألف مانجا وعمل فني من قبلها، إنها فكرة انقسام الإنسان بين عالمين، أو قدرته على الاهتمام بجزء معين من شخصيته، في مقابل التخلي عن الجزء الآخر.

التوازن بشكلٍ عام هو المحور الرئيسي في مانجا طوكيو غول، وكأنك تتعامل مع الينغ واليانغ، قوتان متضاربتان لا يجب على كليهما التواجد بنفس الكمّ في نفس الكيان.

لكن المثير للاهتمام في طوكيو غول، أن الفكرة المكررة، حصلت لنفسها على قالب أقرب للشباب. هناك أعمال كثيرة ناقشت هذه الفكرة، مثل مانجا Vagabond وغيرها، كلها أعمال عبقرية، لكن هل هي قريبة من الشباب؟ المراهقين؟ حسنًا، لا يمكن الجزم بذلك.

وهنا تلمع طوكيو غول!

البطل هو كانيكي، فتى مراهق يعشق شرب القهوة والقراءة، إنه النوعية “الدحيحة” التي تجدها في كل فصل بالمقعد الأول، بينما يتم التنمر عليها دائمًا من قبل طلّاب المقعد الأخير. لكن مهلًا، هنا ليس الوضع هكذا، فأحد طلّاب المقعد الأخير “هيدي” هو صديقه الصدوق، وبدلًا من التنمر عليه، يساعده على اكتساب الأصدقاء وكسر الحاجز الجليدي الذي يفصله عن الناس، وعلى مدار أحداث المانجا، يدعمه بكل طريقة ممكنة.

البطل مشابه للقرّاء، وإذا كان القارئ غير محب للكتب أو للقهوة، فعلى أقل تقدير سيجد نفسه في سنٍ مشابهة للبطل نفسه، وبه حزن مشابه لحزنه، حتى وإن اختلفت الأسباب.

تخطي المانجاكا لحدود الألم

دائمًا ما توجد حدود لا يجب تخطيها في بعض الأعمال الفنية. فمثلًا لا يجب بالضرورة أن نقدم الاغتصاب المباشر تجاه الأطفال في المانجا، بينما يمكن الإيحاء بوجوده عبر رسم الظلال بطريقة معينة مثلًا، فبالتالي تصير المانجا محبوبة من قبل شريحة جمهور أكبر، وتزداد المبيعات.

لكن يبدو أن تسوي إيشيدا قرر أن يأخذ طوكيو غول إلى مستوى آخر تمامًا، متخطيًا كل معايير مجلة شونين جامب في طرح السوداوية والدماء في أعمالها. ولم يجعل كانيكي بائسًا فحسب، بل جعله المرآة السوداء التي لا ينعكس على سطحها أي شيء، بل تمتص كل ما يحتك بها من قريبٍ أو بعيد، مثل ثقبٍ أسود نتج عن انفجار نجم أحمر عملاق!

في الواقع، جعل المانجاكا كانيكي المادة الخام للسوداوية، وهذا بالرغم من كونه ما زال مراهقًا، وهذا يتنافى بشدة مع طابع الشونين الحماسي الذي تميزت به المجلة لسنين طويلة، وما زال حتى الآن بمثابة علامة تجارية لها في سوق المانجا اليابانية.

قد يعتقد البعض أن ما فعله إيشيدا دمّر المانجا، لكن الذي قام به لم يفعل أي شيء سوى رفع نسب مبيعاتها إلى الأعالي.

لفترةٍ من الفترات، نافست طوكيو غول أعمال مانجا عملاقة مثل ون بيس، مما جعلها في مصاف الأعمال الأعلى مبيعًا في تاريخ شونين جامب، حتى أن شركة VIZ الأمريكية تتغنى بها وتقوم بتقديم إصدارات خاصة للنسخة الإنجليزية منها، للعالم كله.

عدم اكتراث إيشيدا بحدود الألم والمعاناة لبطل عمله، جمع الناس حوله أكثر وأكثر، ودعمَّ موقف كانيكي في الأحداث، وأكسبته التعاطف الذي يحتاجه. هذا التعاطف ساعد الجمهور على تقبل جرعات السوداوية المتزايدة مع التقدم في الأحداث، حيث وقتها لم يكن البطل هو الشخص الكئيب فقط في الأحداث، بل تم صبغ كل شيء حوله بالكُدرة والسواد، حتى الشخصيات المساعدة التي لم يتوقع أحد أن تكون مهتمة بكانيكي إلى ذلك الحد فعلًا..

نحن نريد الحب، وهذا ما لعبت على أوتاره المانجا..

شئنا أم أبينا، في مرحلة ما من حياتنا، أردنا الحب بشدة. سواء كان ذلك الحب مستقبلًا من الأهل، الجيران، زملاء العمل، أو حتى من نشعر تجاههم بمشاعر رومانسية/جنسية فيّاضة. الحب جزء أساسي من حياة البشر، وصوره مختلفة باختلاف البشر أنفسهم، لكن المبدأ واحد: نحن لا نريد أن نموت وحيدين.

هذا المبدأ الإنساني المتأصل فينا جميعًا، لعبت طوكيو غول على أوتاره بشدة.

في بداية الأحداث، وجدنا أن كانيكي يسعى للاعتراف بمشاعره إلى ريز، ليفاجئ في النهاية أنها غولة، وهنا تتحطم أولى آماله بصخرة الواقع. بعدها نكتشف أن حياته في الماضي كانت سيئة كذلك، لم يتعامل مع والده قط، وأمه تركته وهو صغير للغاية.

وعند النظر لحاضره، سنجد أن هيدي – صديقه الوحيد – ربما يعامله بلطف فقط من باب الشفقة. وهذا ما استشعرناه في أكثر من موقف متقدم في القصة، حيث يرى كانيكي أن هيدي سيكرهه إذا علم أنه نصف غول، مما يسلط الضوء على شعور كانيكي الدفين بالدونية وقلة الحيلة، حتى من أقرب الناس إليه.

الحب يا صديقي.. الحب..

أنا شخصيًّا ما أريده في حياتي هو الحب، شريك يساندني ويتقبل اختلافي ويربت على كتفي، لأقبله في النهاية ونسير في الحياة متشابكين الأيادي، وحالمين بغدٍ أفضل. هذا ما أراده كانيكي، ما أريده أنا، وبالطبع.. هذا ما تريد أنت كذلك..

نحن وحيدون، طوكيو غول دهس الجرح بشدة حتى تقيَّح، وبِتنا نبكي من بعدها دون توقف. هذه قوة الفن، أن يجعلنا نبكي حتى النحيب، وندرك فعلًا أن هناك فجوات في حياتنا تحتاج إلى سدّ، أو على أقل تقدير؛ ترقيع.

تكامل العناصر الفنية

في عنوان المقال، قلت أن طوكيو غول هي أفضل مانجا في تاريخ اليابان بشكلٍ عام، وبالتأكيد لا يجب أن يكون هناك عمل كامل، إلا إذا كان كاملًا بحق. وفي الواقع، الكمال نفسه كلمة فضفاضة للغاية، يتخيل الناس أن الشيء الكامل هو عبارة عن كيان من العناصر المتراصّة بجانب بعضها البعض، بدون ترابط. لكن الكمال يكمن في “التكمال”، وهنا طوكيو غول تسيطر على الجميع.

هناك عشرات العشرات من العناصر الفنية المتكاملة في هذه المانجا، بداية من الصداقات القوية تارة والهشّة تارة، مرورًا بالصراعات النفسية بين تقبل الذات ونبذها، وصولًا إلى محاولة فهم العالم المعقد من حولنا، بينما يرفضنا في كل مرة حاولنا التقرب منه.

لن أستطيع حصر كل العناصر التكاملية في هذه المانجا العظيمة، لكن فعلًا أعدك بتجربة قراءة من أبدع وأقوى ما يكون. ستجد في هذه القصة الحزن، الفرح، البكاء، الضحك، الدفء، البرود، وكل شيء في المنتصف.

سواء كنت تبحث عن نفسك أو وجدتها بالفعل، ففي هذه المانجا سترى نفسًا تشعر معها بالألفة، بشكلٍ أو بآخر. فاقرأ جيدًا، إنك على وشك التعامل مع أفضل أعمال المانجا في التاريخ، ارتشفها ببطء وحذر، فلن تتسنى لك فرصة قراءة بنفس الشغف والاستعداد مرة أخرى!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق