منوعات

لماذا يعتبر فيلم TENET أحد أسوأ أفلام نولان

فيلم TENET هو أحد أشهر أفلام المخرج كريستوفار نولان بشكلٍ عام، لكن بالرغم من شهرته الطاغية، إلا أن هناك الكثير من السقطات التي لا تُغتفر فيه، والتي جعلته بالنسبة للبعض واحدًا من أسوأ أفلام المخرج، بل واحد من أسوأ الأفلام التي تناولت مفهوم التلاعب بالوقت والزمن في صناعة السينما مجملًا.

لكن قبل بدء الحديث عن الفيلم، لا يمكن أبدًا أن ننكر فضله الكبير على الصناعة في 2020. بينما العالم كله كان جالسًا في المنزل، مرتعدًا من فكرة الذهاب لصالة العرض حتى، أتى هذا الفيلم ليدفع الناس دفعًا إلى الصالات، مرجعًا الحيوية من جديد لشباك التذاكر العالمي، ومثبتًا أن الفن لن يستطيع الواقع أن يوقفه أبدًا. قامت السينمات بمراعاة قواعد السلامة والتباعد والتعقيم، وهذا نتج عنه معدل مبيعات متزايد للتذاكر طوال فترة العرض، بالتزامن من معدل إصابات أقل.

أجل، الفيلم حقق نجاحًا كبيرًا على مستوى العالم، وهذا في الواقع لا يُثبت أنه جيد فعلًا، بل الحقيقة أنه كان المتنفس الأول للجمهور العطش لأي شيء يُعرض في الشاشة الكبيرة على يد مخرج له أعمال جيدة في السابق بالفعل.

اليوم نحاول – بشيء من الإيجاز – أن نسلط الضوء على الأسباب والعوامل التي جعلت فيلم TENET الشهير، أسوأ الأفلام في مسيرة نولان، وأحد أكبر سقطات السينما في آخر 20 سنة.

تهميش الشخصيات المساندة

عند النظر إلى فيلم TENET كمجرد قصة عادية، يمكن أن نغفر للسيناريو تهميشه للشخصيات الثانوية كلها تقريبًا، وكأنها فقط بيادق دورها الأوحد هو مساعدة البطل ودفع القصة للأمام. لكن في الواقع هذا فيلم مصنوع بختم كريستوفار نولان السينمائي، وهذا الختم في العادة لا يقوم بتهميش الشخصيات الثانوية أبدًا، وهنا لدينا وقفة.

البطل هو (الجوكر) الوحيد في القصة، هو الذي يقوم بكل شيء تقريبًا، وكل الشخصيات حرفيًّا موجودة لخدمته، حتى الأعداء موجودون لخدمته. مثلًا كان في المنتصف لدينا أكثر من شخصية (وسيطة) استطاعت أن توصل البطل بالشخصية الثانوية الجديدة التي ستأخذه إلى المستوى التالي من تطوره الدرامي. المثير للحزن هو أن تلك الشخصيات الوسيطة لم يتم استغلالها بالشكل الصحيح على الإطلاق.

كانت هناك سيدة بعينها لديها حضور جبّار وكاريزما بحجم الجبال، لم تظهر إلا في مشهد واحد لم يستمر أكثر من دقيقة تقريبًا، الدور المُسند إليها هو أن تكون أحد رؤوس الأقلام في عالم الجريمة الذي يبحث فيه البطل من أجل الوصول لغايته. بمجرد انتهاء المشهد ووصولنا للمحطة الجديدة في القصة، لم تظهر مرة أخرى، ولم تظهر خيوط أفعالها في الأحداث أبدًا.

هنا أنا لا أتكلم بمنظور الإعجاب بالكاريزما، بل بمنظور أن سيدة بتلك القوة والعلاقات، من المستحيل أن يكون دورها مجرد بيدق، هذا غير منطقي دراميًّا، ومحبط بالنسبة لمُشاهد مثلي، مُشاهد أراد رؤية حبكة جريمة وخيال علمي مثيرة فعلًا للاهتمام، بدلًا من تعويض الجريمة بالأكشن والحركات البهلوانية هنا وهناك دون طائل.

غموض في كل ركن بسبب وبدون سبب

من المعروف أن أفلام نولان صعبة الفهم، هذه قضية لم نعد نتداجل فيها بعد الآن. من الطبيعي أن تدخل أحد أفلامه وتخرج منه وأنت غير مدرك لـ 70% من الفيلم مثلًا، ويُزاح الغموض مع المشاهدة الثانية والثالثة لنفس الأحداث وعلى فترات زمنية متقاربة. هذا الأمر يمكن لمسه بشدة في فيلم مثل Interstellar، لكن بالنسبة لـ TENET، فالوضع مأساوي فعلًا يا صديقي.

القصة كلها مبنية على أن هناك أشياء في الطبيعة، يمكن أن تعكس “اتجاهها” بشكلٍ ما، والاتجاه في أفلام نولان يعني “الوقت”. أي أن تلك القطع أن تعكس الوقت، فبدلًا من إطلاق الرصاصة، سوف يتم التقاطها. في البداية تعتقد أن الأمر غريب وغير مفهوم، لكن بعد الانتهاء من الفيلم.. تُدرك أنه غريب وغير مفهوم فعلًا!


بعد الوصول لآخر مشهد، لن تخرج بتساؤلات جديدة زرعتها في عقلة النهاية فقط، بل أيضًا ستستمر الأسئلة القديمة في التجول بداخل أروقة عقلك. لم يتم تفسير أصل ومنشأ تلك الأشياء بالطريقة الكافية، وكأن صانع العمل يريد فقط أن يجعلك تعيش قصة أكشن مبنية على عنصر لم يُقس بالقواعد الفيزيائية بعد، فبالتالي احتمالات القصة تصير غير محدودة، وتجلس تتخيل الاحتمال خلف الاحتمال، حتى يحترق عقلك. أجل هذا يرفع من الأردنالين والحماس، لكنه أيضًا يدق المسمار تلو المسمار في نعش القصة.

مقارنة بأفلام أخرى لنفس المخرج، فـ TENET لم يقدم الوجبة “العلمية” المتوقع منه أن يقدمها. هو فيلم أكشن ممتاز، درامي متوسط، وحماسي من الطراز الرفيع، لكنه ليس فيلم خيال علمي، فهو خيال فقط، الجانب العلمي مظلوم في الحبكة، إن لم يكن منعدمًا تمامًا كذلك.

الوقت غير مستغل بالقدر الكافي في الحبكة

ذكرنا منذ قليل أن الوقت هو العنصر الأول والأخير الذي يُميز أعمال نولان، لكن في هذا الفيلم تحديدًا، الوقت موجود أجل، لكنه غير مستغل بالقدر الكافي.

فمثلًا في باتمان، القنبلة التي أخذها البطل إلى المياه بعيدًا عن المدينة، كانت بميقات، والعداد يهبط لأسفل مع كل ثانية تمر، فبالتالي للوقت تأثير “فيزيائي” في أحداث القصة. وفي Interstellar الدقات الطفيفة في الخلفية الصوتية للأبطال على الكوكب الآخر، كانت تعني أن السنين تمر بقوة على كوكب الأرض، وهنا للمرة الثانية الوقت هو البطل. لكن في TENET الوقت ليس البطل، بل هو مجرد أداة يمكن للبطل استغلالها للوصول إلى هدفه.

عند النظر إلى الوقت كشخصية رئيسية في الأحداث، سنبدأ في تدارك أن القصة لا يمكن لها أن تنتهي حسب ما نعتقد على الإطلاق. فبالرغم من ثبات الوقت في تقدمه أو رجوعه، إلا أن معايير الحكم تختلف. فيمكن للوقت أن يعود للوراء، لكن هل يعود بمتوالية تنازلية ذات معدل نقص دقيقة واحدة لكل مرة؟ أم دقيقتان؟ أم ثلاث سنوات مثلًا؟

أجل، الرياضيات تتحكم في وقت نولان على الدوام.

هنا للأسف نحن أمام شخصيات يمكن توقع ردود أفعالها، وهذا يجعل القصة رتيبة بعض الشيء. هذا بعينه لا يعيب القصة فعلًا، لكن إذا شاهدت الفيلم وأنت في عقلك أن الوقت سيكون بطل نولان الأثير هذه المرة أيضًا، فسوف تُحبط بشدة؛ مثلي بالضبط.

تكديس الفيلم

بجانب تهميش الشخصيات وإلغاء دور الوقت، فالفيلم أيضًا يحتوي على كمٍ مهول من التفاصيل والمشاهد التي ببساطة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مدة عرض الفيلم كافية لتقديمهم بالطريقة المطلوبة.

الفيلم أقل ما يُقال عنه أنه مُكدس، فهناك عناصر فانتازيا، علوم، أكشن، دراما، إلخ. كل عنصر من هؤلاء يتم تمثيله بكوكبة من المشاهد المترابطة، والتي تم طرحها في سياق الأحداث بطريقة التقطيع، أي أن الفيلم كله مُصور في اتجاهٍ خطيّ، ثم عمل المخرج على نقل القطع وتبديل أماكنها بهدف خلق حالة من التوتر والتوجس لدى المُشاهد. هذا أسلوب إخراجي ناجح ومعتادون عليه من نولان، لكن “حجم” القطع هو الذي كان غير موفق.

من المفترض أن تحتوي القصص السينمائية على عناصر كثيرة مُسطحة، لكن عنصر واحد فقط يكون هو البارز فيهم، مما يُجبر المُشاهد على الالتفات إليه شاء أم أبى. هنا رأيت أن نولان أعطى مساحة زائدة عن الحد لأكثر من عنصر على حساب عناصر أخرى، فمثلًا رأينا اهتمامه الشديد بالأكشن في مقابل التسطيح الشديد للعلاقات العاطفية، والتركيز المبالغ فيه على الصغائر مثل الأكواد اللونية (أزرق وأحمر) في مقابل الإهمال الواضح لإخراج المشاهد الدرامية بطريقة مؤثرة.

ببساطة فيلم TENET تجربة سيئة جدًا لمُحبي أعمال نولان، وتجربة ممتازة لمن يشاهده كأول عمل في حياته للمخرج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق