منوعات

قانون رفعت رقم (ما هذا الهراء): مسلسل ما وراء الطبيعة أخذ أكبر من حجمه، وإليكم الأسباب!

هذه المراجعة غير محايدة، غير نقدية بالمعنى الحرفي، وغير مقدمة للذي تريدون سماعه على الدوام كمشاهدين أتوا من خلفية أدبية سحرتهم لسنين طويلة، ولن يقدروا على قراءة أي سطر يطعن في شرف تلك الخلفية التي لاحقًا تم تحويلها لعمل مُتلفز جعلها أسفل مطرقة الجمهور قبل مطرقة الرقابة الأخلاقية للعرب.

كمهووس بالتقنية، أهوى دائمًا الحكم على المنتجات الإلكترونية عن طريق تقييم تجربة المستخدم. فمهما كان المنتج عبقريًّا على الصعيد الفني، بالتأكيد لن يكون ذات فائدة إذا لم (يستمتع) المستخدم بالتعامل معه، أو حتى يفيده بشكلٍ أو بآخر. تجربة المستخدم تنطوي على تحقيق هدف من المنتج، سهولة تحقيق هذا الهدف، والرغبة في الحصول على منتجات أخرى مساعدة نظرًا لحصولك على الهدف دون نقصان.

نفس الأمر ينطبق على الأعمال الفنية في السينما والتلفاز (أو بمعنى أصح شاشات العرض المنزلية العملاقة المخصصة لنيتفليكس هذه الأيام)، إذا حقق العمل الفني المتعة؛ هذه أول خطوة. وإذا كان تحقيق المتعة سهلًا، أي العمل كان جاذبًا بشكلٍ سريع، هذه ثاني خطوة. وبالطبع إذا كانت المتعة قصوى، سيريد المشاهد التعرف على الأعمال الأخرى لكل أفراد طاقم العمل؛ هذه ثالث خطوة.

هل حقق مسلسل ما وراء الطبيعة نقاطنا الثلاث؟ حسنًا، هذا ما سنعرفه في مراجعة اليوم.

*تنويه: المراجعة خالية من الحرق*

القصة

تتحدث القصة عن الطبيب رفعت إسماعيل، طبيب المناطق الحارة الذي لن تعرف أنه طبيب المناطق الحارة إلا بعد مدة طويلة جدًا، وحتى تصير أنت نفسك من أحد سكان تلك المناطق نظرًا للحرارة التي ستخرج من جسدك إثر الغضب الناتج عن بطء تقدم الأحداث.

وبالنسبة للأحداث، فهي تتبع حياة البطل بين كونه طبيبًا في الجامعة تارة، وطبيبًا في الفانتازيا الإرعابية تارة أخرى. لديه مجموعة قوانين باسمه، أولها سوء حظ، وآخرها انعدام حظ، ولكل قانون رقم، ولكل رقم صفر دلالة على مدار الأحداث.

أجل الأرقام كان يمكن توظيفها لإعطاء دلالات معينة للمُشاهد، أو تُستخدم لتقوية بعض مواطن ضعف القصة، لكن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث إذا كان هناك جزء آخر للمسلسل في المستقبل.

بدأت القصة فعليًّا عندما كان جالسًا في مكتبه، يدخن السيجارة التي سرعان ما سترتعش بعد افتراش القهوة المسكوبة من قِبل الساعي، لمكتبه الذي عليه كتاب علمي عليه رسمة (النيفرون) –وهو عضو دقيق لتنقية الدماء في الكلية- ورفعت إسماعيل في الأساس ليس متخصصًا في تلك الأمراض.

لكن هذا لم يجعله ينتفض بقدر ما فعلت ماجي، السيدة الجميلة التي دخلت مكتبه فجأة بعد سنين طويلة من انقطاع الأخبار، والآن هي جزء من حياته مجددًا، محطمة بذلك علاقته مع خطيبته، وشارعة معه في دخول غياهب عالم ما وراء الطبيعة.

وبالنسبة لما وراء الطبيعة.. فلنا وقفة..

لماذا يدفعك المسلسل لكرهه باستمرار؟

البناء غير المحكم لكل الشخصيات تقريبًا

أول مسمار يُدق في نعش المسلسل، كان السيناريو.

في البداية تعتقد أن تسطيح شخصية رفعت إسماعيل له هدف، فيجب أن يُسلط الضوء على شخصيات أخرى كذلك. لكن في النهاية، ومع مرور الحلقات، لن تجد أي عمق حقيقي لأي شخصية، وكأن كاتب السيناريو يريد لك أن تتعرف على كل شخصية سريعًا قبل أن ننتقل للمغامرة الجديدة في عالم البطل وقوانينه الغريبة.

وإذا تركنا سطحية البناء جانبًا (والتي بالمناسبة مبنية على عدم تقديم تاريخ مؤثر للشخصيات من الأساس)، سنجد أن ظهور بعض منهم كان في غير محله أيضًا. فمثلًا تأتي شخصيات فقط من أجل خدمة المشهد، لن يكون لها تأثير في المستقبل، ولن تظهر في أي أحداث أخرى.

دائمًا وأبدًا شخصيات (الظهور الواحد) ما تكون غير ذات فائدة إذا لم تكن مؤثرة بالقدر الكافي لتعلق في ذهن المشاهد، وتجعله متوقعًا ظهورها لاحقًا. لا يهم إذا ظهرت أم لا، لكن المهم هو التأثير الذي يوهم المشاهد بهذا؛ تأثير اللحظة.

للأسف فشل المسلسل في تعليقي بأي شخصية، حتى الشخصيات التي تأذت جدًا، وحتى تلك التي أظهرها السيناريو على أنها محورية، لم تجعلني منجذبًا لها بالتعاطف أو الكره.
كلها سطحية، للأسف.

إهمال الجوانب البصرية والتركيز على الكلاسيكية التكرارية

للأسف هذه مشكلة يقع فيها كل المخرجون تقريبًا، عظماء كانوا أو حديثي العهد بالمجال، وهي التكرارية المفرطة للكادرات والزوايا، لدرجة تُجبرك على فهم أن المخرج ليس لديه خبرة جيدة من ناحية التغذية البصرية، لذلك يعمل على تكرار نفس الأشياء باستمرار.

مسلسل ما وراء الطبيعة كانت فيه الزوايا المقسومة بالنصف (التماثلية) كثيرة جدًا وتصل إلى حد الملل، ونفس الأمر أعيب بسببه بعض أفلام ستانلي كوبريك.

في الماضي كنت مبهورًا بتلك الزاوية المريحة للعين، لكن مع مشاهدة الأفلام وفهم الكادرات جيدًا، تداركت أن هناك مئات الزوايا الأخرى التي تخلق ألف مشهد ومشهد، وأن تكرارية الزوايا سام للمُشاهد أكثر من كونه سامًا للعمل الفني نفسه.

وإهمال تنوع الجانب البصري انتقل بالتبعية إلى أهمال تنوع مفردات البيئة كالمكان والأثاث وغيرهم، والتركيز بشكلٍ كامل فقط على المغامرات الفانتازية. وإذا لم يكن كل هذا كافيًا، فأيضًا الـ CGI مأساويّ إلى أبعد حد.

حيث تم تجسيد شخصية معينة (وحش أسطوري بالمناسبة) بصورة مزرية تمامًا، وأظهروه على أنه.. حسنًا، شيء ما خارج من حديقة الحيوانات، لكن شرس بعض الشيء. ولم يتم وضع دولار واحد تقريبًا في المؤثرات البصرية، فظهر حيوانًا معاقًا أيضًا.

التمثيل

يمكن القول أن هذه النقطة الجيدة في المسلسل بالكامل، وليست مقترنة بكل الممثلين كذلك.
ممثل شخصية رفعت إسماعيل مثلًا كان ممتازًا، وممثلة أخته في الأحداث تشعر وكأنها في هذا المجال منذ نعومة أظافرها، أما باقي طاقم التمثيل للأسف لم يكن على مستوى. إما تم تهميش دور شخصيته فبالتالي لم تظهر قدراته التمثيلية، أو تم منحها أكبر من حجمها حتى بات الأداء تكراريًا (أجل، هنا أقصد شخصية ماجي بالتحديد).

الشخصيات مظلومة بالكامل، سواء على صعيد السيناريو أو الإخراج، ولن أقارنها بشخصيات الروايات، فبمجرد حصول النصّ الأدبي على معالجة تلفزيونية، باتت تلك المعالجة هي معيار الحكم الوحيد. وبالنسبة لما رأيته كمُشاهد نزع عن نفسه كل ذكريات النصّ الأدبي، فما أراه هنا ليس إلا محاولة هزيلة لتقديم قصة مثيرة.

الإخراج

الإخراج ذكرته سالفًا، وسأذكره مجددًا، نمطيّ وتكراري للغاية، إلا بعض المشاهد القليلة والمحدودة التي تكسر النمطية، وتظهر لك من حينٍ لآخر كواحة بعيدة في صحراء مترامية الأطراف، وبُعد المسافة لا يُنسيك أنك في قلب صحراء فعلًا، ودائمًا ما يذكرك أنك ستموت عطشًا.

الموسيقى

النقطة الثانية الجيدة في العمل ككل.

استطاعت الموسيقى أن تعزز من الحالة الشعورية أثناء المُشاهدة، لكنها فشلت في التغطية على عيوب المسلسل بشكلٍ عام. لكن تظل فيها مشكلة، ألا وهي عدم التنوع في المقطوعات بالدرجة التي تكسر ملل نمطية السرد.

فالمخرج اعتمد على وضع الثيم الرئيسي في كل شيء تقريبًا، جاعلًا إياه الخلفية الموسيقية لأي حدث فيه كلمة (ماجي)، بجانب كل الأحداث المحورية، وهذا جعلها مملة كذلك، مما يُثبت أن التكرار بصمة (غير فنية بالمرة في الواقع) للمخرج.

لنحاول الإجابة الآن على السؤال، هل حقق مسلسل ما وراء الطبيعة الشروط الثلاثة لتجربة مستخدم جيدة؟ الإجابة: لا. ببساطة إنه وجبة ينقصها الملح والزعتر والكمون والفلفل و… لنقل إنها تنقصها كل التوابل!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق