حقائق

رسالة البشر إلى الرب في فيلم The Platform

"من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير"

تحذير! المقال يحوي حرقاً لأحداث الفيلم.

من الحين للآخر يتجدد الجدال حول فيلم The Platform بين عدة أطراف، طرف يراه فيلمًا صادمًا يحوي تفاصيل مقيتة جعلت مشاهدته عبئًا عليهم، وجبة دسمة من الشعور بالاختناق والعجز والقرف في أوقات كثيرة، وطرف آخر يتفق مع الطرف الأول في هذا الوصف لكنه يخرج باستنتاج مختلف ألا وأن هذا تحديدًا ما جعل الفيلم عملًا مميزًا استطاع صناعه إيصال رسالتهم إلى الجمهور بكامل محتواها، فيما يرى البعض أن العمل جيد ولكنه مكرر إلى حد كبير ويتحدث عن فكرة لا يعترض عليها أحد وهي الفجوات الطبقية بين أفراد المجتمعات الحديثة، لذا يتفقون مع الطرف الأول أن العمل مبالغ في طريقة تصويره بلا فائدة جديدة تذكر.

حسنًا، ماذا إن كنا قد استلمنا الرسالة الخاطئة؟ أو بالأحرى ماذا إن لم نكن نحن الطرف المرسل إليه من الأساس؟ لنحكي قصة الفيلم بشكل مختلف فربما قد غاب عن الكثيرين تفاصيل أساسية والتي لا شك أنها ستحدث اختلافًا كبيرًا في موضوع الفيلم والاستنتاجات حوله، ستغير العبرة بالكامل في الحقيقة.

فيلم “نيتفلكس” هذا هو فيلم فلسفي مُتخيل في عالم ديستوبي. صورة: Netflix

البداية من الحفرة، المصممة بطريقة رأسية من الأعلى إلى الأسفل، كلما ارتفع طابقك كنت في وضع آمن يصبو إليه جميع من هم أسفل هذا الطابق، وهناك الطابق الأعظم 0 والذي تهبط منه مائدة الطعام يوميًا في رحلتها الشاقة لإشباع ما قُدِر لها من سكان الطوابق تاركة سيئي الحظ في الطوابق الأدنى بلا أي طعام، مصمم المائدة يعمل بسلطة غير محدودة برفقة عديد الطباخين الآخرين الذين يتلقون منه الأوامر ويقومون بتنفيذها بلا جدال أو إبداء رأي ما.

تهبط المنصة إلى الطابق 48، طابق (غورينغ) بطل الفيلم ورفيقه (تريماغاسي) الذي يمتلك خبرة في النجاة بين تلك الطوابق مما يدل على أنه له باع طويل في التعامل مع المائدة ومن يتحكم فيها، وهنا تظهر الرمزية الأولى التي ستقودنا إلى قصة الفيلم الحقيقية عندما يختار (غورينغ) الحصول على تفاحة من المائدة والاحتفاظ بها فيتلقى مباشرة عقابه الأول بارتفاع درجة الحرارة لإحراق جسده قليلًا قبل أن يتخلى عن تفاحته، هل تشبه تلك البداية بداية أخرى نعرفها؟ نعم، البشرية كما صاغت قصتها الأديان الإبراهيمية. يتبادل الإثنان أطراف الحديث فيتعجب (تريماغاسي) عندما يخبره (غورينغ) بأنه قد شارك في التجربة مع وعد من إدارة الحفرة بتلقيه مكافأة تسمى دبلوم مجاز إن نجح في إتمامها بشكل جيد، فنرى مباشرة علامات الحقد تظهر على (تريماغاسي) قائلًا:

”هذا الرجل يحصل على شهادة وأنا لا؟!“.

تتوالى الأحداث والحوارات بين (غورينغ) الممتعض من أسلوب عمل المنصة والمائدة على الدوام، تحديدًا من سكان الطوابق الذين ينقصهم تقسيم حصص الطعام، وهكذا يؤمن (غورينغ) أنهم إن اهتموا بعضهم البعض فستتكفل المائدة بإشباع جميع سكان الطوابق الأدنى، و(تريماغاسي) الذي يخبره أن لا يبالي بذلك وأن يعمل فقط على البقاء على قيد الحياة حتى وإن كلفه ذلك أكل أحد سكان المنصة نفسها إن أصبح واحد من سكان الطوابق الأسفل في تغيير الطوابق القادم، وخلال إحدى المرات التي تهبط فيها مائدة الطعام يفاجئ (غورينغ) بفتاة تدعى (ميهارو) تتجول رفقة المائدة في صمت وحالة يرثى لها ويخبره (تريماغاسي) أنها تبحث عن طفلها. بطبيعة الحال تنشأ بين رفيقي الطابق صداقة لا يتعكر صفوها إلا عندما يهبطا معًا إلى الطابق 171، وهو مستوى سفلي أقل بكثير مما اختبره (تريماغاسي) من قبل لذا يقرر تقييد (غورينغ) في سريره مع خطة لتناول بعض من لحمه حتى يتمكن من النجاة عبر هذا الشهر العصيب، يحاول (غورينغ) إثناءه عن فعل ذلك فيدافع (تريماغاسي) عن نفسه قائلًا:

”من بأعلى يجعلونني أفعل ذلك”.

فيرد (غورينغ): ”أنت من يتحمل المسئولية ليس من بالأعلى ولا الإدارة“.

لكن تتدخل الفتاة (ميهارو) التي هبطت مع المائدة الفارغة قبل أن يتم (تريماغاسي) عمله وتعطي السكين لغورينغ الذي يقوم بقتل (تريماغاسي) ثم التغذي على ما تبقى من جثته هو والفتاة معًا، بعد ذلك يظهر (تريماغاسي) سعيدًا على هيئة هلاوس تنتاب (غورينغ) ويخبره بأنهما أصبحا الآن متشابهان.

– غورينغ: ”لكنني أكثر منك تحضرًا.. انصرف!“

– تريماغاسي: ”كلا، لن أنصرف أبدًا، أنا بداخلك الآن“.

ينقضي الشهر ويستيقظ (غورينغ) في طابقه الجديد رقم 33 مع رفيقة جديدة (ايموغيري) وكلبها رمسيس الثاني، ايموغيري هي نفسها السيدة التي أجرت معه مقابلة الدخول للحفرة في الأساس، أي أنها تعمل لدى إدارة الحفرة لكنها اختارت طواعية أن تشارك فيها كذلك، تظهر أول علامات هجوم (غورينغ) على إدارة الحفرة عندما تخبره (ايموغيري) بأن عدد الطوابق 200 طابق، فهو يعلم الآن أن الطعام الذي تقدمه الإدارة لا يكفي للنزول إلى هذا المستوى أبدًا، لكن (ايموغيري) تدافع عن الإدارة وتحمل سكان الطوابق مسئولية هذا العجز لأنهم لا يكتفون بحصص مناسبة من الطعام، وأنه لا بد أن يحدث تضامن عفوي بين السكان للنجاة وأن ربما هذا هو سبب إدخال (غورينغ) للتجربة في المقام الأول، أن يُحدِث تغيير.

صورة: Netflix

مع أول مائدة تجمعهما يعترض (غورينغ) على تخصيص (ايموغيري) لحصة من الطعام من أجل كلبها خاصة وأن من الأفضل حفظ ما يمكن من الطعام للأطفال في الحفرة مثلًا، لكنها تنفي وجود أي طفل في التجربة فحسب اعتقادها وإيمانها في إدارتها فهي إدارة دقيقة للغاية.

تحاول (ايموغيري) حثّ سكان الطابق الأسفل على تخصيص حصة طعام مناسبة لهم للبدء في مراعاة من هم أقل مستوى منهم لكنها تقابل باللعن والسباب، وبعد محاولات عديدة لتغيير مفاهيم سكان الطابق الأسفل تكتشف أن الحوار ليس طريقة فعالة ولكن التهديد الذي قام به (غورينغ) بالتبول على الطعام هو من أجبر سكان الطابق الأسفل على اتباع خطة السيدة وتخصيص حصص معينة من الطعام.

تلى ذلك حوارات عديدة بين (غورينغ) والسيدة موظفة الإدارة السابقة التي تخبره بأنها لم تكن تعلم حقيقة الحفرة وأنها شاركت حتى يتسنى لها تغيير ما يمكنها تغييره، لكن مفاجأة كبيرة كانت في انتظارها عندما تغير طابقها لتجد نفسها في الطابق رقم 202 وهذا يعني أنها لا تعرف إدارتها بشكل جيد كما كانت تعتقد وأنه قد تم خداعها بإخبارها أن عدد الطوابق 200 فقط، لذا قامت بشنق نفسها، ثم ظهرت في حوار دار داخل عقل (غورينغ) كهلاوس مجددًا لتخبره أن يقطع من لحمها ويأكل من جسدها وأنها شنقت نفسها لهذا الغرض بدلًا من الانتحار قفزًا للأسفل.

– ايموغيري: ”الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير“.

ويفعل ذلك بالفعل. شهر انقضى وشهر جديد يبدأ في الطابق رقم 6 مع (بهارات) رفيقه الجديد، الذي يحاول انتهاز فرصة وجوده في هذا الطابق المرتفع لترك الحفرة كلها، (بهارات) مسلم يؤمن بالله الواحد الأحد كما قال لسكان الطابق رقم 5 الذين سألوه عن ديانته، وكذلك قال لهم أن الله قد تحدث معه وأخبره أن يغادر الحفرة بمساعدة هذين الإثنين تحديدًا وحبل حمله معه، لكنهما يغدران به ويسقطاه أثناء محاولته الصعود لطابقهما.

يعرض (غورينغ) على (بهارات) خطة استثنائية لتخريب نظام عمل الحفرة برمته، وهي أن يصعدا على متن المائدة ويهبطا معها ليجبرا جميع السكان على تناول حصص معينة من الطعام تسمح لمن هم بالأسفل في الحصول على بعضه نهاية المطاف، وبالفعل تبدأ رحلتهما التي يقابلان فيها رجل حكيم يعرفه (بهارات) مسبقًا فيخبرهما أن خطتهما جيدة لكنهم إن أرادا أن تكون كاملة فلا بد من إرسال رمز للإدارة يجعلهم يعرفون أن نظام العمل في الحفرة قد تغير، وأن الطريق الوحيد لذلك هو إعادة طبق شهي وأنيق سالمًا دون التهام أي قطعة منه إلى الطابق صفر حيث الإدارة التي ستتفاجئ باستلامهم تلك الرسالة، فيكملان طريقهما وفي عدة طوابق يضطران لقتل بعض من العصاة الذين يرفضون الانصياع لخطتهم.

– بهارات: ”ما يهم هو الرسالة“.

تسير الخطة بصعوبة بالغة ومعارك مميتة حتى أن المائدة قد فرغت من الطعام تمامًا رغم كل شيء والطوابق لم تنتهِ بعد.

– غورينغ: ”لم يتبق شيء“.

– بهارات: ”مازال لدينا طبق الباناكوتا، الباناكوتا هي الرسالة“.

يصلان للطابق 333 وهناك يكتشفان أنه بالفعل يوجد طفل في الحفرة، فتاة صغيرة ابنة (ميهارو)، خائفة وجائعة ولا سبيل لإطعامها إلا طبق الباناكوتا، وهو القرار الذي يتفق عليه (غورينغ) و(بهارات) بعد تردد.

– غورينغ: ”الفتاة هي الرسالة“.

في نهاية الفيلم نجد (تريماغاسي) قد عاد ليرافق (غورينغ) خارج الحفرة فيما تشق الطفلة طريقها عائدة إلى الطابق صفر على سطح المائدة الفارغة.

– تريماغاسي لغورينغ: ”انطلقنا معًا وسلكنا الطريق معًا وكان لنا نفس الطالع ونفس الحظ“.

لنشرح الرمزيات مباشرة قبل أن نروي رسالة الفيلم، الطباخ هو الرب برفقة ملائكته، (غورينغ) هو تجسيد للبشرية بداية من آدم، (تريماغاسي) هو الشيطان، (ايموغيري) هي الروح القدس في حياة المسيح الأولى وحتى صلبه، و(بهارات) هو محمد نبي الإسلام والطفلة هي مستقبل البشر.

الفيلم عبارة عن كابوس مخيف، لكنه قابل لأن يكون واقعياً. صورة: Netflix

يمكن استخلاص تلك الرمزيات من الخطابات التي ألقاها كل منهم. الفيلم يحكي قصة العالم ”الحفرة“، التي أسسها الرب ورأى فيه جمالًا ودقة عكس طبيعتها القاسية التي تجعل سكانها ينقلبون على بعضهم البعض، ظل الأمر على حاله حتى قرر أشخاص استثنائيون تعلموا من رحلتهم فيها ومقابلتهم لبعض الشخصيات الأخرى أن يؤسسوا نظامًا مختلفًا بالقوة، وألا ينتظروا تدخل الرب لتعديل طريقة عمل الحفرة، في نهاية تلك الرحلة نجدهم يرسلون رسالتهم الأخيرة للإدارة بأن الطفلة دليل دامغ على فشل نظام عمل الحفرة بالكامل بما أنها حفرة للبالغين فقط، ورغم ذلك فقد استطاعوا أن ينقذونها بطريقتهم الخاصة، بخطتهم التي سارت عكس تعاليم الحفرة، تلك رسالة البشر إلى الرب والمؤمنين به

أما رسالة الفيلم للجمهور فهي أن بغض النظر عن ماهية الحفرة التي نحن فيها وسواء كانت القصص الدينية حقيقية أو مجرد هلاوس انتابت (غورينغ) فبطبيعة الحال نحن في الحفرة، ولا سبيل للخلاص إلا بالتضامن معًا وكذلك الاحتفاظ بموارد النجاة داخل الحفرة لمن هم سوف يرثون الأرض منا، (الأطفال) مستقبل البشر، وفي نهاية المطاف، نحن سكان الحفرة الأدرى بطبيعتها جراء ما قاسيناه، لا أحد يقدر على تحديد ماذا سنكون إلا نحن، الطابق صفر لم يعانِ مثلنا، لم يشعر بما عشناه، هي حفرتنا وحدنا في النهاية، لذا فالرسائل التي يرسلها الرب لنا ليست بالمهمة، الأهم هي الرسالة التي نحن قادرين على إرسالها له، مستقبلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق