منوعات

أن تشاهد The Walking Dead في زمن الكورونا فتجده حدوتة العالم!

في إحدى ليال حظر التجوال المفروض بأمر الحكومة وبتوصية مباشرة من فيروس الكورونا، ساقني ترشيح عشوائي في مجموعة تخصصت في تداول الأفلام والمسلسلات الأجنبية إلى مشاهدة المسلسل المميز The Walking Dead – السائرون أمواتًا.

مميز كما وصفه العديد ممن شاهدوه وكذلك له مكانة خاصة في تقييمات مواقع الفن تعدت الثمان درجات من عشرة. يحكي المسلسل عن فيروس اجتاح العالم فحول الموت إلى مجرد تغير يحدث للبشر يجعل منهم كائنات مفترسة، تتغذى على كل شيء حي، حيوانات أو بشر مثلهم، وهكذا أصبحت هناك عديد المجموعات ذات الأهداف المختلفة. السائرون أمواتًا يلاحقون الراكضون أحياءً بينما توقف بعض الأحياء متأملين واقعهم ليتساءلوا:

لم لا نستغل كل هذا ونضع خطة للسيطرة على العالم.

مع بداية المسلسل ومنذ الحلقة الأولى شعرت بأن الحالة التي وضعني بها هذا العمل أثناء الاحتجاز بحظر التجوال، كأن أحدهم أهدى إلى تذكرة حضور نهاية العالم الجارية في الخارج بسبب الفيروس ولكن من صفوف آمنة، أو على الأقل نهايته كما عهدناه، فبالطبع ما قبل كورونا يختلف عن ما بعدها.

لنبدأ بخدش السطح

شخصيًا وبالنسبة لكل فرد وبالتالي للعالمين جميعًا. يوافقني بطل العمل والشخصية الرئيسية في المسلسل ريك غرايمز عندما قال:

قد يبدو الأمر جنونياً، لكن عالمنا مجنون بحد ذاته.

لماذا شعرت بذلك؟ حسنًا العديد من المفارقات التي لم يمكني تجاهلها هي من قادت هذا الشعور للسيطرة علي، شعور أن ما أشاهده عبر شاشة الكمبيوتر لا يختلف عما يجرى في الخارج عبر النافذة كثيرًا.

بدايةً، الاحتجاز الذي أنا فيه والذي لا يقطعه إلا الخروج بضع دقائق لجلب الطعام ومن ثم العودة تمامًا كسائر الأحياء في المسلسل الذين يتحسسون طريقًا آمنًا للخروج والتزود بما ينقصهم قبل العودة سريعًا، على أمل أن يعودوا كما ذهبوا بلا ضحايا. هذا الضيق الذي أحسست به وكأن العالم يصبح أصغر فأصغر كالجدران التي تطبق على محتجزٍ ما في غرفة ما، نجح الممثلون في إقناعي أنهم كذلك مثلي يراودهم ذات الضيق.

حينها انتظرت المزيد من التشابه، أردت أن أقيم مدى صدق مؤلف العمل في عرض الطبيعة البشرية بوقت نهاية العالم، ماذا بمقدور البشر أن يفعلوا إن سقطت الأنظمة والقوانين والمنطق والأخلاقيات، لم يحدث هذا في الحياة الواقعية بسبب الفيروس بالطبع، وهذا تحديدًا ما توقفت كثيرًا أمامه.

لأنني رأيت حجم التشابه في طبائع البشر في الواقع مع الشخصيات من المسلسل، رغم أن أنظمتنا لم تسقط بعد، وأخلاقياتنا لم تصبح من عصر قديم، وقوانينا لا زالت صامدة غير مبالية للفيروس المحدق بنا، إذا كيف نشبه هؤلاء الممثلين؟ لماذا أقدمنا على فعل كثير مما فعلوا رغم أننا لم نشهد نهاية عالمنا بعد؟ فيما تشابهنا يا ترى؟

حسنًا.. الأمر واضح..

أكثر ما لفت نظري هو مشهد لمجموعة من الأفراد يحاولون النجاة بدار ومشفى للعجزة تركه القائمون عليه وهربوا عندما شعروا بخطر الأموات الذين يطاردونهم، رحل الجميع من الأطباء وأفراد الأمن عدا بضع ممرضين رفضوا ترك العجزة للأموات كالطعام على المنضدة. فتذكرت مباشرة قصة دار المسنين في إسبانيا الذي هرب العاملون به عند انتشار فيروس كورونا وتركوا المسنين للموت بين مرض يحتاج لرعاية لم توجد، وفيروس تسلل إلى الدار فزاد الطينة بلة.

بعد ذلك بدأت أحداث المسلسل تلقي علينا بصدمة مفادها أن حتى في وجود الأموات فالأحياء أكثر خطر على بعضهم البعض، تمثل ذلك في عصابات قررت استغلال انعدام النظام من أجل الاستيلاء على منافع الضعفاء. وأظهر بعض البشر وجههم العنيف جليًا حتى أنك تقف متحيرًا ما إذا كان هؤلاء يرون السائرون أمواتًا لعنة أم فرصة ذهبية لحياة أفضل بالنسبة لهم؟!

كذلك وجدت في واقعنا دولة تستغل انشغال الجميع بمداواة مرضاه ودفن موتاه والبحث عن لقاح وعلاج، لتُسير بضع قوات تخدم مصالح قديمة بشأن غاز ووقود وأطماع استعمارية كان لابد أن تتأجل، لكن الكورونا كانت فرصتهم لفعل ذلك، الفيروس كان سلاحهم الذي ساقته لهم الصدفة، فقرروا انتهازها.

ودولة أخرى استمرت في محاصرتها لجارتها اقتصاديًا فمنعت الطاقة والسلع والدواء عنها ليكمل الفيروس مهمات كانت تهدف إليها قبل أن يحل ولا بأس من بعض القصف لتزداد المحنة على هؤلاء الضعفاء، وكذلك أيضًا تجار الأزمات، الأشخاص العاديين الذين شاهدناهم يتربحون من تبعات الكورونا بطب زائف أو أدوات صحية معاد استخدامها غير نافعة وكمامات قماشية لا تطابق المواصفات ولكنها بديل لكمامات ارتفع سعرها أضعاف لاستغلال حاجة الناس إليها.

فما أشبه هؤلاء ببعض أشرار المسلسل الذين زيفوا حياة آمنة لجأ إليها الكثيرون ليجدونها خدعة وقعوا فيها، انتهت بأنهم أصبحوا مجرد سلع يستفيد بها من زيف لهم الأمان، يدفعون من طاقتهم وأجسادهم ثمن الطمأنينة ومع ذلك لا يجدونها.

نظرة أعمق

وإن تعمقنا أكثر في الطبيعة النفسية للبشر فلن تمر علينا بعض المشاهد دون مقارنتها بالواقع فورًا، مثل هذا المشهد الذي تظهر فيه فتاة وعلى معصمها جراح تدل على محاولة سابقة للانتحار تقاتل بضراوة للحفاظ على حياتها، وأخرى أعطاها رجل مسن سلاحًا ناريًّا كان قد منعه عنها خشية إقدامها على قتل نفسها بعدما رأى من تصرفاتها مايدل على ذلك.

لكنه أدرك أنه لن يستطع مواصلة منعها لذا أراد أن يكون البقاء قرارها وحدها وبالفعل استخدمت سلاحها للنجاة فأطلقت الرصاص على أدمغة السائرين أمواتًا كي لا تلحق بهم، كذلك الكورونا وضع في يد الكثيرين سلاحًا ليصلوا إلى يقينهم بشأن الحياة، هل تستمر محاولاتهم للتشبث بالحياة؟ أم يحتضنون الفيروس كمحاولة للهرب منها مثلًا، فيختارون النجاة بالتبعية؟

ربما الشيء الوحيد الذي أراه مختلفًا بين الواقع والمسلسل، هو أنه عندما قال داريل لريك بأن العالم تغير، فرد بأنه كما هو على حاله، البقاء للأقوى. ففي المسلسل تغيرت طبقات العالم الاجتماعية للغاية، انهارت بمعنى أصح.

المال أصبح كالتراب وكذلك المناصب العليا، أما في واقعنا مع الفيروس فكلما كان لك نصيب أكبر من المال والمناصب زادت فرص نجاتك من الكورونا، فحينها لن تصبح مضطرًا للنزول إلى عملك والانجرار لفخ الفيروس، وأيضًا إن حدث وأصابك الفيروس اللعين فلن تهرول لوضع اسمك على قوائم انتظار المستشفيات بل ستستخدم إما المال أو المنصب لتخطي كل ذلك مباشرة إلى غرف العناية المركزة في أفضل الأماكن.

في النهاية أجد أن مؤلف العمل كان ذكيًّا للغاية، قرأ الطبيعة البشرية ومثلها أمامنا بحرفية رائعة وتشويق كذلك، وضع بعضنا أمام نفسه فعلًا. فأنا أظن أنه من الصعب مشاهدة العمل دون أن تجد فيه شخصية واحدة على الأقل توافق اختياراتك في حرب النجاة بالحياة، الفارق فقط أن تلك الشخصية التي ترى أنها تُشبهك أخذ مؤلف العمل قصتها إلى مرحلة تالية ربما تمثل لك مستقبلًا لقراراتك وتطور اختياراتك الحياتية.

أو ربما نسخة مسربة من حياتك إن صادفت نهاية العالم، وحتى إن لم تجد مثيلك من طاقم عمل المسلسل فعلى الأقل لابد وأن فيروس كورونا قد أثر على خططك للعام؛ سفر يلغى وعمل يستبدل ونشاط قررت أخيرًا البدء فيه فرفض الفيروس حدوث ذلك، أو كما قيل في The Walking Dead:

هل تعلم ذلك الصوت الذي تسمعه عندما تضع خطط لحياتك؟، ذلك صوت الرب يضحك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق