منوعات

عن شرورٍ لا ندركها: مسلسل Evil يقدم توليفة رعب نادرة هذه الأيام!

بالفترة الأخيرة صدرت مجموعة من الأعمال التلفزيونية الجديدة على الساحة، كنوع من الإنعاش الفني لعام 2019 وكأنهم كانوا يعلمون أن 2020 سيكون كورونا فيه هو الملك المتوج، بينما كل الصناعات الترفيهية أصبحت عاجزة أمامه.

الأعمال الصادرة تناولت تصنيفات فنية مختلفة، لكن التركيز على الرعب والفانتازيا كان هو الأكبر فعلًا، فهي التصنيفات التي تجذب المشاهد وتؤجج ذهنه وتشحذ انتباهه إلى أقصى حد. ومسلسل Evil ليس بعيدًا عن تلك الموجة العملاقة، بل في الواقع هو أحد أهم الأيقونات الفنية التي صدرت في الأعوام الأخيرة.

فما الذي جعله مميزًا إلى هذا الحد؟ ولماذا بالتحديد نتحدث عنه اليوم تفصيليًّا؟ هذا ما سنعرفه في السطور القادمة.

*تنويه: المراجعة خالية من الحرق*

القصة

تدور القصة حول السيدة كريستين بوشار، إنها محللة نفسية تعمل مع الشرطة والقضاء على الدوام، وشهادتها يُعتد بها جدًا في المحكمة، وتكون في الغالب هي الفيصل بين دخول المدعى عليه السجن، أو خروجه حرًا طليقًا. لكنها مشتهرة بعدم الحكم على أحدهم بالبراءة نظرًا لقوله أنه (ممسوس) من قوى خارقة أو ما شابه، فهي سيدة عملية تمامًا، ولذلك لم يخرج أحد من تحت أيديها بريئًا.

تبدأ الأحداث فعليًّا مع شخص قتل رجلًا وامرأة في وضح النهار، وبدمٍ بارد. تحجج في التحقيقات بأنه ممسوس من قِبل كيان شيطاني يهمس في أذنه دائمًا بالقتل، وأن الذي قتل فعلًا هو ذلك الكيان، وليس الرجل المسكين. الآن تشرع المحللة النفسية في محاولة حل خيوط العقدة، وإثبات أن هذا الرجل كاذب.

لماذا؟

لأن كريستين بوشار لا تؤمن بالإله، الملائكة، وبالتأكيد لا تؤمن بالشياطين والمسّ الميثولوجي الخاص بهم. بطلة القصة علمية وعلمانية من الطراز الرفيع، ووضعها القدر أمام مجموعة مجرمين وقضايا – بل وأحداث شخصية في حياتها – ربما ستجعلها تُشكك في معتقداتها الراسخة منذ سنين، وتُضفي نوعًا ما الإثارة على الحياة الدائرة من حولها.

ما المميز في هذا المسلسل؟

يخدعك باستمرار

الغريب في مسلسل Evil هو أنك (كمُشاهد) لن تستطيع قراءة نواياه بسهولة. فمثلًا الكثير من الأعمال تصبغ حبكتها إما بالأجواء الشيطانية المريبة، أو الأجواء العلمية الرصينة، فبالتالي تعرف إذا كنت أمام حبكة خرافية أم حبكة علمية، لكن هذا المسلسل غريب فعلًا.

القصة في بعض الأحيان تعمد إلى تغليب العلم على الخرافة، وفي بعض الأحيان الأخرى تعمد إلى العكس. في الوقت الذي تتيقن فيه أن العلم انتصر، فجأة تتسرب إلى نفسك هواجس عن أن الخرافة ربما فعلًا حقيقية ولها تأثير في حياة البشر، وأن الدلائل التي أمامك غريبة ولا يوجد تفسير منطقي لها.

تلك الأرجحة المستمرة بين المعقول واللامعقول هي التي تجعل المشاهدة إدمانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ستحرق الحلقة خلف الأخرى دون هوادة، مستمتعًا بالقطار الذي لا تعرف وجهته على الإطلاق.

عدم إهمال العناصر الاجتماعية

أجل، إنه الخطأ الأشهر الذي يقع فيه الكثير من صنّاع أعمال الرعب على مستوى العالم، وأعمال كثيرة بالفعل سقطت فيه، وبآراء النقّاد أيضًا، وهذا الخطا هو: التركيز على الإرعاب، وإهمال الأعمدة الرئيسية للحبكة.

الحبكة ما هي إلا شخصيات تتفاعل في مكان وزمان متغيرين على الدوام حسب مجريات الأحداث، إهمال العامل الاجتماعي لتلك الشخصيات وحصر حياتهم فقط في حيِّز قصة المسلسل هو الذي يقطع الخيط الوحيد الذي يربط المُشاهِد بالأبطال، ويضمن تعاطفه معهم.

قدم مسلسل Evil الكثير من محاور العلاقات الاجتماعية، قدم الحب، قدم الرغبة الجنسية، قدم الشوق، قدم تضارب النوايا وتجسيدات تلك النوايا على أرض الواقع، وكذلك قدم ردود أفعال بشرية وطبيعية للغاية، غير متأثرٍ بالجوّ العام لأعمال الرعب التي في بعض الأحيان قد تجبر صانع العمل على (اختلاق) ردود أفعال غريبة فقط بهدف دبّ الرعب في قلوب الناس.

لذلك مجملًا الرعب المقدم هنا ليس نفسيًّا نتيجة لتضارب نوازع النفس البشرية، وأيضًا ليس مباشرًا عن طريق قفزات الرعب التقليدية، بل هو أقرب إلى رعب الخوف من المجهول، وهو المجهول الذي نتعامل معه يوميًّا مثل صنبور مياه يضرب النقطة خلف النقطة على سيراميك بارد، أو نقر خفيف على باب الغرفة في منتصف الليل.

كلها تبدو بسيطة، لكن استطاع المسلسل إدخالها في قالب حبكة كُبرى أعطتها فعلًا هالة مرعبة للغاية!

الشخصيات

المسلسل ركز بشدة على الشخصيات الرئيسية، وهمَّش الثانوية تمامًا، هذه نقطة أخلَّت بالرابطة القائمة بين المُشاهِد والشخصيات، لكن من الناحية الأخرى هذا تم تعويضه عبر إدخال عناصر اجتماعية كثيرة في حياة الشخصيات الرئيسية بالفعل، فلم أشعر بخواءٍ درامي أبدًا.

وعند مقارنة ردود الأفعال مع التاريخ المسرود لكل شخصية، فهي منطقية للغاية. الشخصية المؤمنة بالخرافة تظل مؤمنة بالخرافة، والعكس صحيح مع الشخصية المؤمنة بالعلم. حتى تأتي النقطة التي تتقاطع فيها المصائر ونجد المعادلة معكوسة تمامًا، وقتها فعلًا نرى ردود الأفعال منطقية أكثر من السابق، نظرًا لأنه تم التمهيد لها بصراع نفسي شديد ظاهر على الصعيدين الظاهري والباطني في كل الشخصيات الرئيسية تقريبًا.

بناء الشخصيات رصين جدًا، ومبهر في الواقع، أخذًا في الاعتبار أن الحبكة نفسها هزيلة، لكن إحكام البناء هو الذي أعطاها وزنًا.

التمثيل

هنا يمكن القَول أن القدرات التمثيلية متوسطة، فلم تكن هناك فرصة لإبراز مواطن قوة وضعف الممثلين من الأساس، وهذا لكون الحبكة متسارعة، آخذة إيانا من مكان لمكان ومن حَدث لحَدث، ولا توجد فرصة في المنتصف لالتقاط الأنفاس حتى.

لكن بعيدًا عن هذه النقطة، فتقديم الشخصيات كان جيدًا فعلًا، أدت الممثلة Katja Herbers شخصية كريستين ببراعة، وأظهرت طيفًا لا يستهان به من المشاعر البشرية على مدار الأحداث، والممثل Mike Colter من الناحية الأخرى التزم بمعايير شخصيته بالحرف، حيث ظهر في هيئة رجل الدين الملتزم، والذي عليه تصنع الصلابة وسداد الرأي للآخرين بينما هو متخبط في الخفاء.

أما بالنسبة لتمثيل سائر الشخصيات الثانوية، فلم يلفت نظري إلا الممثل Michael Emerson القائم بدور لايلاند تاونسن، ولم لا وهو مخضرم في مجال التلفاز بالفعل؟ وحتى أن له أداء صوتي مبهر في فيديوهات Batman: The Dark Knight Returns التي قدم فيها شخصية الجوكر، وفعلًا لغة جسده عندما تمتزج مع صوته الثابت، الكاريزما تقفز إلى عنان السماء!

الإخراج والموسيقى

هذه هي السقطة الوحيدة، الزوايا والكادرات وحتى قطعات المشاهد، كلها تقليدية جدًا وكان يمكن أن تقدم بشكلٍ أفضل من هذا. حتى المشاهد التي كانت فيها الكاميرا متموضعة في زاوية عبقرية للغاية، فشلت الرؤية الإخراجية في استغلال عمق الإطار وإدخال شخصيات أخرى أو جعل المشاهد نفسها مفعمة بالحياة للأسف.

لذلك الإخراج ليس العامل الذي جعل هذا المسلسل جميلًا، وهنا ننتقل إلى العنصر الذي جعله جميلًا فعلًا: المقطوعات الموسيقية.

إنها عبقرية، وكأنك تدلف في أعماق غابة متشابكة الأغصان في وضع النهار. أنت تعلم أن الشمس بالأعلى تنير الطريق للجميع، لكن حظك العثر وضعك في مكان يستحي الضوء خدش سطحه. قدرة المقطوعات على خلق الحزن والتوجس والرهبة والفرحة في نفس الوقت مثيرة للدهشة، أجل هناك مقطوعات تحمل كل تلك المشاعر سويًّا في نفس النوتة الموسيقية.

مجملًا مسلسل Evil وجبة خفيفة بين وجبات كبيرة أخرى، لكن تحمل بين طياتها عناصر درامية ممتعة جدًا، وستتلذذ بكل جزءٍ منها بدون شك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق