مشاهير

تعرف على فندق إسكوبار، السجن الفخم الذي بناه إسكوبار لنفسه

في بداية التسعينيات؛ حيث يجلس أكبر تُجار المخدرات، وأحد أغنى الأشخاص في العالم في حوض الجاكوزي الخاص به، وهو يشرب الشمبانيا قبل أن يتناول عشائه الذي أعدّه طبّاخه الخاص، وهو في مزاج جيد لأن فريق كرة القدم الذي يشجعه (اتليتيكو ناسيونال – Atletico Nacional) متقدّمٌ بثلاثة أهداف على منافسه.

أثناء ذلك؛ يتم نقل أو استنشاق أطنانُ الكوكايين التي يتحكم بتجارتها في جميع أنحاء العالم، ويتأمل عبر النافذة الضباب المسائي وهو يحيط بحصنه الجبلي حيث يشعر بالأمان ويحيا حياة الرفاهية رغم أنه عملياً.. في السجن.

بابلو إسكوبار – Pablo Escobar، أو ملك الكوكايين، أو كما يسميه أصدقاؤه (السيد – El Patron) لا يحتاج إلى تعريف، فقد أصبح أغنى مجرمٍ في العالم بثروةٍ تناهز ثلاثين مليار دولار وأحد الأسباب التي جعلتكم تعرفون الكثير عن حياته هو أنه قد أتى بالكثير من المال لشركة (نيتفليكس) بعد وفاته أيضاً، ربّما يكون أكثر المجرمين الذين ذُكروا في الأفلام أو المسلسلات على مدى القرن الماضي.

بدأ مسيرته الإجرامية في بيع الشهادات المدرسية المزيفة عندما كان مراهقاً، ثم انتقل إلى بيع بطاقات اليانصيب المزيفة وسرقة السيارات وغيرها من الجرائم الصغيرة ولكن التهريب هو ما جعله مليونيراً منذ وقت مبكر.

لنرى كيف بدأ تعاطي الكوكايين في الولايات المتحدة ومَن هم أهم زبائن (بابلو).

في الحقيقة؛ بدأ تعاطي الكوكايين في أوروبا والولايات المتحدة قبل مجيء (بابلو) بكثير؛ إذ أنّه في عام 1884؛ قال أحد أطباء الأعصاب الذي أصبح مؤسساً للتحليل النفسي لاحقاً (سيغموند فرويد – Sigmund Freud) أن الكوكايين مادة سحرية، وقد عانى كثيراً أواخر حياته ليتخلص من إدمانه عليها.
وقد أكّد قانون الغذاء والدواء الأمريكي عام 1906 على وجود إشارةٍ على غلاف المنتجات التي تحتويه، ربما تذكرون أن (كوكا كولا) قد أضافته على وصفتها السرية حيث أن كل من شرب منها بين 1899 و 1903 كان يعتقد أنها مشروب سحري، كما أن مبتكر الكوكا كولا (جون بيمبرتون – John Pemberton) كان قد صمم هذا المشروب الحاوي على الكوكايين للتخلص من إدمانه على المورفين.

دخل قانون (هاريسون) لضرائب المخدرات حيز التنفيذ في 1914 لتنظيم بيع الكوكايين وغيره من المخدرات؛ إذ كان يباع في الأسواق منذ فترة طويلة قبلاً، ولكن استعماله كان محصوراً بشكل رئيسي بفئات معينة في المجتمع، أولئك الفقراء الذين احتاجوا المزيد من الطاقة للقيام بالأعمال الصعبة التي يقتاتون منها.. وبسبب ذلك أصبح الكوكايين وصمة عارٍ، وسبباً في إشاعات عنصرية نُسبت للأقليات التي قيل أنها كانت تتعاطى الكوكايين.

لقد ابتعدنا كثيراً عن قلعة اسكوبار المنيعة، وكل ما نريد قوله أن الكوكايين موجود في المجتمعات قبل أن يظهر في أخبار القرن الحادي والعشرين التي تدعي أن 90% من الأوراق النقدية ملوّثة به بكثير.

في خمسينيات القرن الماضي كان يُظن أن الكوكايين قد اندثر رغم أنه ما زال مرتبطاً بالفئات الأدنى في المجتمع.

بحسب دراسة عنوانها “Pre Colombian Drug Trafficking Era in the Americas: Cocaine, 1945 -1965” فإن عدداً قليلاً من المهربين فقط من كان يعمل على نقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى الولايات المتحدة، ولكن كل شيء تغير في الستينيات عندما أطلق (البيتلز – The Beatles) أغنية “Abbey Road” وعاش الكثيرون تجربة مهرجان “ثلاثة أيام من الحب والسلام”، كان بابلو اسكوبار البالغ عشرون عاماً من العمر على وشك بدء مسيرة تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة.

وبعد عدة سنوات؛ تحول الكوكايين إلى مخدر مرتبط بالحفلات والنوادي الليلية الممتعة، ولم يعد منشّطاً لعمال المزارع وكان بابلو السبب في ذلك.

في منتصف السبعينات كان إسكوبار قد حقق ثلاثة ملايين دولار في حين كان الأمريكيون يستنشقون المخدرات في الحمامات، وبدأ إسكوبار بالتوسع؛ إذ اشترى مزيداً من الطائرات ووجد المزيد من طرائق التهريب، وفي الثمانينيات كانت الولايات المتحدة قد أُغرقت بالكوكايين؛ فلم يكن مضاربو “وول ستريت – Wall Street” قادرين على بدء يومهم من غير بعض التنشيط، ولم يمر وقت طويل حتى وصل إلى معظم أحياء المدن الأمريكية وهنا كان بابلو قد أصبح مليارديراً، وكان سكان الأحياء الفقيرة في كولومبيا يعتبرونه مثل “روبن هود” بسبب مساعدته لهم.

كما كان قد كسب ولاء معظم السياسيين بفضل أمواله. ولكن تغيرت الأمور بعد دخول شخص يُدعى “لويس كارلوس غالان – Luis Carlos Galan” إلى المشهد السياسي الكولومبي، ورغبته في الوصول إلى سدة الرئاسة عام 1990 وتنظيف البلاد من الفساد بالإضافة إلى الكره الشديد الذي كان يكنّه لإسكوبار وعصابته؛ إذ أرادت الولايات المتحدة أن تتسلم اسكوبار ليُحاكم هناك و”غالان” دعم ذلك.

لم يكن ذلك جيداً لاسكوبار حيث تم اغتيال “غالان” بعد ذلك بفترة قصيرة، وكان أحد مجرمي عصابة اسكوبار المدعو “جون فيلاسكيز – John Hairo Velasquez” المعروف بـ” بوباي – Popeye” قد اعترف أن إسكوبار هو من أراد ذلك الاغتيال، ولكن علينا أن نتذكر أن إسكوبار ما زال يحظى بدعم العديد من السياسيين وضباط الجيش وكان وصول “غالان” إلى الرئاسة سيؤثر على ما يصلهم من أموال، لكن إسكوبار وعصابته كانوا قد تجاوزوا الحد في سفك الدماء، واغتيال “غالان” كان يعني امتلاك إسكوبار سلطةً كبيرة، فتشكلت حكومة كولومبية جديدة وتم منع تسليم الكولومبيين إلى الولايات المتحدة في دستور عام 1991.

ومن دون شك؛ كان إسكوبار خلف هذا الجزء من الدستور، وعندما اطمأن إسكوبار إلى أنه لن يُسجن في زنزانة منفردة في الولايات المتحدة، عقد صفقةً مع الحكومة الكولومبية حيث وافق على تسليم نفسه والبقاء لخمسة سنين في السجن ولكن بشرط واحد؛ أن يصمم السجن ويختار حرسه بنفسه، ولم يكن ذلك ليتم لولا الكثير من الصفقات المشبوهة مع كثير من السياسيين الفاسدين الكولومبيين، فلم يكن إسكوبار يرغب في البقاء في زنزانة فولاذية بين أربعة جدران وسريرٍ إسمنتي، بل كان أقرب إلى قصر فاخر مليء بكل ما هو عصري ولهذا السبب دعي السجن بفندق إسكوبار أو “نادي ميديين – Medellin”.

وفي نفس الوقت، لم يتأثر تواصله مع العالم الخارجي بسجنه، الذي أصبح بطريقة ما حماية له من أعدائه بدلاً من أن يكون سجناً، فقد كان يعلم أن الكثيرين يريدون قتله لذا فقد كان فندقه على قمة جبل وقد اختار موقعه بعد رحلة استكشافية مع شقيقه، حيث كان بإمكانه رؤية أي شخص يقترب بالإضافة إلى وجود مناظير بعيدة المدى للمراقبة، وبسبب وعورة الطريق وصعوبة التضاريس كان أعداؤه سيعانون للوصول إليه.

كما كان الضباب يغطي المنطقة معظم ساعات النهار مما يجعل أي هجوم جوي صعب التنفيذ، ويمكننا القول أن “السجن” كان مبنياً كالحصن ويحتوي بناءً كبيراً فيه ترسانة كبيرة من الأسلحة والذخائر، ورغم أن الفندق لم يبدُ فارهاً من الخارج حيث كان محاطاً بأسوار عالية وسياج شائك لأن اسكوبار كان مضطراً أن يحافظ على مظهر المسجون.

أما ضمن هذه الأسوار فكل شيء مختلف؛ حيث كان يوجد ملعب كرة قدم كامل ليحظى اسكوبار ورفاقه بمبارة بين الحين والآخر، وبحسب “بوباي” فقد دُعي المنتخب الكولومبي عام 1991 بكامله لإقامة مباراة هناك حيث اضطروا لاستعمال طرق وعرة في طريقهم إلى الفندق وهناك استُقبلوا بمأدبة على الغداء ثم بدأوا بمباراة مع اسكوبار والذي لم يكن في مستواهم ولكنهم لم يلعبوا بجدية حينها، قدّم الحراس المرطبات خلال المباراة أما بعدها فقد قدموا المشروبات المختلفة في “الديسكو” الذي احتفل فيه اسكوبار مع اللاعبين.

كان داخل السجن فاخراً بما يكفي لاستقبال الحفلات وغرف للنوم الضيوف تعادل الفنادق المترفة. كما كان المطبخ هائلاً كمطابخ الفنادق الضخمة ويحتوي كل الأدوات الحديثة، وأقام إسكوبار حفل عيد ميلاده الثاني والأربعين هناك من خلال عشاء فاخر ساهم فيه أفضل الطباخون في كولومبيا، حيث كان إسكوبار يحب الطعام وخصوصاً بعد تناول بعض المشروب وتدخين بعض الحشيش، وأتى إلى الحفل العديد من أفراد عائلته واصدقائه المقربون.

واحتوت قائمة الطعام على لحم الديك الرومي والسلمون المدخّن والتراوت والكافيار، بعض الغرف كانت مجهزة للتسلية ليتمكن الضيوف من لعب البليارد أو مشاهدة المباريات الرياضية على أكبر الشاشات المتوفرة في تلك الأيام كما وجدت مساحات أكبر للرقص طوال الليل تحت أضواء الديسكو، كما كان يوجد قرص دوار في منتصف حلبة الرقص ليتمكن الرجال من الرقص حول العارضات اللواتي يجلبهنَّ إسكوبار أحياناً إلى فندقه الفخم، وعندما لا يكنّ متوفرات؛ كان إسكوبار يستدعي المرافقات والعاهرات اللواتي يتسللن إلى القلعة على متن مركباتٍ عسكرية ثم يعُدنّ في اليوم التالي.

كانت الأموال والنساء والمؤن تُنقل بسريّةٍ مطلقة تحت غطاء الضباب؛ إذ انتقلت ملايين الدولارات على طريق الجبل، أما للراحة فقد امتلك إسكوبار حوض “جاكوزي” وغرفة ساونا بالإضافة إلى مسبحٍ ونادٍ رياضي وشلال مائي.

مع اللأسف لم يتمكن من إحضار الحيوانات الغريبة التي كان يمتلكها في حديقة الحيوانات الخاصة به ولكنّه تمكن من بناء بيت عملاق للدمى لتسلية ابنته عند زيارتها، ويقدر عدد الزيارات بحوالي 300 أثناء مكوثه في الفندق ولكن الأمر لم يستمر، فقد كُشف أن إسكوبار أمر بتصفية اثنين من مهربي المخدرات الذين قال البعض أنهما تعرضا للتعذيب أولاً في حين قال آخرون أنهما قتلا ودُفنا في السجن فحسب، ولأن المخابرات الأمريكية كانت تتنصت على اتصالاته، اضطُر إسكوبار لاستخدام الحمام الزاجل الذي حمل إشارةً على أقدامه كُتب عليها “بابلو اسكوبار – سجن مشدد الحراسة – إنفيغادو – Envigado”.

بعد بقائه هناك لحوالي العام قررت الحكومة الكولومبية إرساله إلى سجنٍ عادي؛ الأمر الذي لم يعجب بابلو، حيث علمت بعض الجهات الحكومية بأمر قصره الفاره ولم يكونوا سعداء بذلك، ولكن بسبب الاتفاقية؛ لم يستطيعوا نقله من سجنه لكن كان بإمكانهم وضعه في زنزانة في نفس المكان.

لم يقبل إسكوبار البقاء في زنزانة حقيقية ولم يكن مكتب السجون الممتلئ بالفاسدين يرغب ببناء زنزانة كهذه أيضاً، حتى الشركات الخاصة كانت خائفة من تنفيذ ذلك حتى أن أحد المدراء قال: “لن نبني قفصاً والأسد في الداخل بالفعل”.

كان يجب إخراج من ذلك الجبل، في تموز 1992 حاصرت الفرقة الرابعة من الجيش الكولومبي منشأة “لا كاتيدرال – La Catedral” وكان معهم نائب وزير العدل وتم توجيه الأسلحة إلى البناء.. وفي أحد الكتب على الأقل؛ ذُكر أن عناصر الجيش أخفضوا أسلحتهم عندما أمرهم إسكوبار بذلك، ولكن سرعان ما انعكس الوضع عندما أُتخذ نائب وزير العدل رهينةً حيث فضلاً عن مقتل أحد الرجال وجرحِ آخرين أيضاً..

قد لا نتمكن من معرفة كيف تمكن بابلو من الخروج من ذلك المكان  ولكن يبدو أنه تمكن من الهرب بسهولة من المسلحين الذين دربتهم القوات الخاصة الأمريكية كما تمكن من الهرب لأكثر من 16 عشر شهراً قبل أن يُردى قتيلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق