منوعات

هل تعلم أن بعض الجامعات كانت تلتقط صوراً عارية لطلابها؟ وما العلم الزائف وراء هذه العادة؟

قد يكون بدء المرحلة الجامعية أمراً صعباً بالنسبة للكثير من المراهقين، لكن تخيلوا لو طلبت منكم جامعتكم الجديدة الحضور إلى الدرس التوجيهي لالتقاط صور عارية لكم! تبيّن أن هذا ما حصل بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وسبعينيات القرن العشرين، في مدارس وجامعات وكليات مثل ييل Yale وهارفرد Harvard وويلزلي Wellesley.

دُعيت تلك الصور بـ Posture Photos أو صور الوقفة، والمشكلة أن المدارس والجامعات أخذت تلك الصور على محمل الجد لتقيّم وضعية وقوف الطلاب، فاعتقدوا أن وضعية الوقوف السيئة ستؤدي حتمًا إلى مشاكل صحية.
من المفترض أن تُلتقط تلك الصور لأسباب طبية، وفي المدارس المنفصلة، أي مدارس البنين ومدارس البنات، وهكذا لم تكن تلك الصور غريبة جدًا في البداية.

الدكتور ويليام شيلدون (على اليسار) ومقالة من صحيفة نيويورك تايمز تتحدث عن العلم الزائف وراء هذه الصور. صورة: أرشيف The New York Times

لكن في عام 1940، أصبح الموضوع خطيرًا عندما منحت المدارس طبيبًا نفسيًا يدعى (ويليام شيلدون William Sheldon) الإذن بالوصول إلى تلك الصور. وبدأ الطبيب النفسي بدوره تحليل تلك الصور والتوصل إلى احتمال وجود رابط بين شكل الجسم وشخصية صاحبه. وهكذا، استغل الطبيب تلك الصور لعقود من الزمن بدون موافقة الطلاب، لذا أُنهي عمله في ستينيات القرن الماضي. لحسن الحظ، أصبحنا نعلم اليوم أن شكل الجسم لا يحدد شخصية صاحبه على الإطلاق، كما بتنا نعلم أن وضعية الوقوف السيئة مضرة حقاً بالجسم.

كان (شيلدون) واحداً من أبرز الأطباء النفسيين حينها، وفي أربعينيات القرن الماضي، نشر الرجل 3 كتبٍ عن بحثه، وادعى وجود 3 أنماط جسدية تحددها الجينات. فهناك الجسد باطني البنية أو إندومورف Endomorph»، أي يكون الجسم أشبه بالإجاصة ويحوي الكثير من الدهون، تحديداً في منطقة المعدة، وأسماه (شيلدون) كذلك تيمناً بأجزاء الجنين التي تتطور لتشكل الأعضاء الداخلية. وهناك الجسم «معتدل البنية أو Mesomorph»، وهو جسم يمتاز بالعضلات والرشاقة، ودُعي كذلك تيمناً بجزء من الجنين يشكل لاحقاً العظام والعضلات. وهناك أخيراً الجسم «ظاهري البنية أو Ectomorph»، ويمتاز بجسد طويل ونحيل، وهو الجزء المكون لاحقًا للجلد والجهاز العصبي.

ادعى (شيلدون) أن أجساد معظم الناس مزيجٌ من تلك الأنواع الثلاثة، وبالإمكان تقييم أجساد الناس بناءً على مقياسٍ من 1 إلى 7، وهذا المقياس يُطبق على كل نوعٍ من الأنواع الثلاثة. فإذا أحرز أحد الأشخاص تقييم «711»، فهذا يعني أنه ينتمي للنوع الأول، باطني البنية، بشكل مطلق. بينما التقييم «444» يعني المتوسط.

ادعى (شيلدون) أيضاً وجود ثلاثة أنواع للشخصية أو المزاج، وكل واحد من أنواع المزاج تلك مرتبط بأنواع بنية الجسد الثلاث، فباطنو البنية مثلاً أشخاص هادئين وعطوفين، بينما يكون معتدلو البنية نشطين وعدوانيين ومهيمنين، أما ظاهرو البنية، فهؤلاء منطوون على أنفسهم وحساسين وواثقين بأنفسهم.

أصبحت العلاقة بين الجسد والمزاج اتجاهاً ضخماً، ودُعيت بعلم النفسي البنيوي، واستحوذت على عقول الناس كما يفعل علم الأبراج اليوم. فكانت المجلات تطرح على الناس شتى أنواع الطرق لفهم بنية جسدهم، أو كما يُقال «ماذا يخبرك جسدك».

أنماط الجسد الثلاث وفقاً لما وضعه شيلدون.

عن طريق الصور وملاحظة سلوك طلاب الجامعة، قدم (شيلدون) أدلة مقنعة حقاً، لدرجة أن علماء النفس الآخرين اقتنعوا بما يقوله. ما دفع بعض الجامعات والمدارس إلى منح (شيلدون) الإذن الرسمي بالوصول إلى صور وضعيات وقوف طلابها. وبما أن الطبيب النفسي لم يتطلع أبداً على سير هؤلاء الطلاب، فكانت تلك الصور المقدمة له من طرف الجامعات مجرد إثباتات إضافية لصحة ادعاءاته.

على مر السنوات العشرين التالية، جمع (شيلدون) عشرات آلاف الصور، وفي عام 1954، نشر كتاباً بعنوان «أطلس الرجال» الحاوي على مئات صور الطلاب الذكور العارية كمثالٍ على صحة ادعاءاته.

حاول (شيلدون) طرح كتاب آخر، وهو «أطلس النساء»، لكن الأمور بدأت بالتدهور هذه المرة. ففي عام 1950، عُرضت بعض صور النساء العاريات التي حصل عليها (شيلدون) من طرف جامعة واشنطن، فشاهدت إحدى الطالبات الصغار الصور وأخبرت والديها، فقام هؤلاء على الفور بالاستعانة بالمحامين لتدمير صور النساء التي كانت بحوزة (شيلدون).

وفي تلك الفترة أيضاً، تحدثت مساعدة (شيلدون) السابقة، وهي (باربرا هونيمان هيث)، عن عمل وانتقدته بشدة، وادعت أنه تلاعب ببعض الأدلة الموجودة في كتاب «أطلس الرجال».

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم تعد فكرة ربط السمات الجسدية بالميول والسلوكيات النفسية، خاصة مع بروز فكرة «العرق الآري» العنصرية التي أدت إلى اندلاع الحرب من الأساس. لذا أصبحت المدارس والجامعات أكثر حذرًا في التعامل مع (شيلدون)، كما أن الأطباء لم يعثروا على رابط بين وضعية وقوف الشخص وصحته كما كانوا يعتقدون سابقاً.

أصبح علم النفس البنيوي اليوم مفضوحاً بشكل كبير، وعمل (شيلدون) لا يفتقد إلى رضا الطلاب فحسب، بل هناك الكثير من المشاكل والأخطاء. فمثلاً، يُعتبر البحث اليوم غير موضوعي، فكان (شيلدون) يقيّم الطلاب بنفسه، وبما أنه أراد ظهور نتائج معينة، فلا شك أنه أجرى بعض التعديلات لصالحه. فمثلاً، ادعى (شيلدون) أن الرجال معتدلو البنية عدائيون لأنه درس 200 طالب ذي سوابق جنائية، بالتالي من غير الصحيح القول أن البنية العضلية تؤدي إلى العنف مثلما ادعى الطبيب. كما أن تصوراته الجسدية والنفسية تخضع للكثير من الصور النمطية، كالقول أن الطالب الذكي متظاهر البنية.

علم النفسي النمطي مجرد صور نمطية لا أكثر، كالذكر المهيمن والرياضي أو العبقري النحيل وما إلى هنالك… ولم يخطر على ذهن (شيلدون) أن البنية الجسدية تتغير مع التقدم بالعمر.

للأسف أصبحت تلك الصور النمطية حقيقة في عالمنا هذه الأيام، على الرغم من أن سمات الفرد وخياراته الشخصية تتقدم مع العمر. ولا يوجد أي طريقة لتحديد شخصية الفرد بناءً على بنيتهم الجسدية. لذا ننصحكم ألا تصدقوا مثل هذه الأمور التي تُطرح للناس على أنها «علمٌ حقيقي».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق