حقائق

لماذا تُستخدم ماركة السجائر المزيفة نفسها في الأفلام والمسلسلات؟

إن كنت من ذوي الانتباه أثناء مشاهدة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية؛ فلا بُدَّ من أنك قد لاحظتَ استعمال أسماء تجارية مُختلقَة غير موجودة في الواقع، ولا شك أنه قد استرعى انتباهك أنَّ واحدةً من أكثر هذه الماركات استعمالاً هي “مورلي – Morley”.

يمكننا إيجاد سجائر “مورلي” في أفلامٍ قديمة جداً مثل “سايكو – Psycho” من إخراج (ألفريد هيتشكوك) ومسلسلات “The Twilight Zone” و”The X-Files” و”Friends”.لقد ظهرت هذه السجائر في المئات من الحلقات التلفزيونية والأفلام السينمائية على مدى القرن الأخير، ولكي نكون واضحين فهي ليست سجائر حقيقية.

إذاً ما الذي يحدث حقاً؟ هل تحدث كل تلك الأفلام والمسلسلات في كونٍ واحد يربط كل شخصياتها؟

إذا أمعنتم انتباهكم فسترون العديد من الأشياء المكررة التي تُستخدم مرةً تلو المرة. مثل “ACME” و”Oceanic Air” و”Heisler Air”.

ولكن أكثر هذه الماركات استعمالاً هي “مورلي”؛ إذ يقول بروفسور قسم المسرح في جامعة كاليفورنيا “جوناثان كنتز – Jonathan Kuntz” أن هذه السجائر تُصنع في شركة “إيرل هايز برس – Earl Hayz Press” وهي شركة عمرها أكثر من 100 عام، مختصةٌ بتأمين الأغراض المصنوعة تحت أسماء تجارية مزيفة لاستديوهات التصوير السينمائي في هوليوود. وهذه الشركة هي المنتج الرئيسي لسجائر “مورلي”، كما أنها تصنع نسخاً مزيفة لكل شيء، من الجعة والمجلات إلى لوحات السيارات.

يعتمد تصميم “مورلي” على ماركة السجائر الأشهر في الولايات المتحدة “مارلبورو- Marlboro”، الشهيرة بتغليفها الأحمر والأبيض. وعادةً ما يدعو الناس هذه السجائر باسم “مارليز” ومن هنا نجد مصدر الاسم المزيف “مورلي”، كما أن شركة “إيرل هايز” تصنع عدة أشكال منها مثل “مورلي لايتس – Morley Lights”.

ولكن لفهم سبب وجودها؛ علينا في البداية أن نفهم العلاقة المتقلبة بين شركات التبغ وهوليوود.

في الخمسينيات كان هناك العديد من الرعاة للبث الإذاعي والتلفزيوني؛ إذ تدفع شركات الإعلان الأموال لإنتاج الأعمال المختلفة، وتستعمل شخصيات هذه الأعمال المنتجات نفسها، وكما تتوقعون فقد كان معظم هذه الشركات في البداية شركات تبغ.

ومن أشهر الأمثلة كان مسلسل “I Love Lucy” الذي أنتجته شركة “فيليب موريس – Philip Morris” وكان مليئاً بمنتجات الشركة في الخلفية وفي أحاديث الشخصيات. كما كانت إعلانات الأفلام أيضاً مشتركة بين شركات الأفلام وشركات التبغ فكان نجوم الأفلام يدخنون أنواعاً معينة من الأفلام أثناء تسويقهم لأفلامهم.

وحينما لا يجد فيلمٌ ما رعاةً له فإنَّ المنتجين كانوا يستعملون ماركات مزيفة بدلاً من استعمال منتجات حقيقية دون تقاضي ثمنها وهنا بدأ ظهور “مورلي”. فيمكننا أن نجد هذه السجائر في حلقات مسلسل “Perry Mason” وفي فيلم “Psycho” الذي يُستعمل فيه تصميمٌ قديم للعلبة، ويُعتقد أن هذه كانت بداية الاستعمال الكثيف لهذه السجائر.

بدأت سجائر “مورلي” تظهر في مسلسلات تلفزيونية مثل “Naked City” و”The Twilight Zone” في مشاهد أيقونية منها، لكنَّ ظهورها تراجع كثيراً في السبعينيات والثمانينيات ويعود السبب الرئيسي إلى قانون التدخين والصحة العامة عام 1970 الذي منع بث إعلانات السجائر على القنوات التلفزيونية ومحطات الراديو في سبيل منع التدخين في المسلسلات. مما أدى إلى تناقص مشاهد التدخين أكثر من 70% فتحوّل تركيز شركات التبغ إلى الأفلام، الأمر الذي دفعهم إلى إنفاق المبالغ الطائلة كي تظهر منتجاتها في الأفلام المشهورة حينها؛ فلم يكن هناك حاجة لسجائر “مورلي” في السينما أيضاً.

لكنَّ كل ذلك تغيّر عام 1998 فيما عُرف باتفاقية التسوية الأساسية التي منعت ظهور إعلانات السجائر في الأفلام والمسلسلات تماماً، ممهدةً الطريق أمام عودة الماركات المزيفة. كان مسلسل “The X-Files” هو الذي دفع بسجائر “مورلي” إلى عرش الشهرة في نهاية التسعينيات؛ حيث كانت شخصية الرجل المدخن شخصية شريرة قام بلعبها الممثل “William Davis” الذي اشتهر بتدخين سجائر “مورلي”. كما أُدخلت الشركة المزيفة المنتجة لها في حبكة المسلسل في حلقة “Brand X” وهو شيء صعبُ التحقيق مع الماركات الحقيقية.

وبعدها بدأت هذه السجائر تظهر في كل مكان من ألعاب الفيديو إلى الفيديوهات الموسيقية والمئات من حلقات المسلسلات والأفلام السينمائية؛ إذ يمكننا مشاهدتها في العديد من المسلسلات المشهورة مثل “Seinfeld” و”Friends” وفيلم “El Camino” التابع لمسلسل “Breaking Bad”.

ورغم أنه بإمكان المسلسلات والأفلام حالياً عرض الماركات الحقيقية لتوخي الدقة التاريخية بشرط ألا يكون ظهورها إعلاناً مدفوعاً؛ إلا أن ذلك يشكل مخاطرةً كبيرة حيث يتفادى المنتجون استعمال ماركات حقيقية دون أخذ الإذن بسبب المشاكل القانونية التي يمكن أن تظهر إذا استُعملت هذه الماركات لقتل شخص ما أو تعرضت لأي نوع من النقد. فقد وجدت بعض الدراسات أن الشخصيات السيئة أو الشريرة هي التي تدخّن عادةً؛ لذا المنطقي ألا ترغب شركات التبغ أن ترتبط منتجاتها بالجرائم. حالها كحال شركة “Apple” مثلاً التي لا تسمح للأشرار باستعمال منتجاتها في الأفلام.

كما أن المنتجات الحقيقية يتم تغطيتها أو تمويهها جيداً في المسلسلات والأفلام، فقد أزيلت الأحرف التي تدل على أنواع السيارات في أفلام الثلاثينيات والأربعينيات؛ إذ حرصت شركات هوليوود على إبقاء أسماء الماركات بعيداً عن الأفلام، فلم يكونوا يرغبون بالارتباط بأي سلسلة منتجات معينة أو بنقد الأشخاص الذين يستعملون المنتجات المنافسة بأي طريقة.

لذلك في أيامنا هذه؛ تُستعمل سجائر “مورلي” كماركة بديلة وتلميح داخلي للمشاهدين أنهم يشاهدون فيلماً وليس واقعاً. وهو في نفس الوقت سلاحٌ ذو حدين؛ إذ يمكن لهذه التلميحات أن تخرج المشاهد من اندماجه مع ما يشاهده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق