حقائق

القبلات، المشروبات الروحية، والخنزير لا وجود لها في نسخة (هاري بوتر) المترجمة للعربية!

عندما قامت J.K Rolling بتأليف قصة (هاري بوتر) كان من الواضح أنّ العالم السحري الذي كانت تجري فيه الأحداث مبنياً على المجتمع في المملكة المتحدة فنجد أنّ مجتمعهم يشترك في كثيرٍ من الأشياء مع بريطانيا خاصةً والعالم الغربي عموماً، فنجد أنّ (هاري) يأكل العصيدة في الصباح ويحتفل بيوم الميلاد قرب الموقد.

ولكن هناك سؤالاً يجب أن يُطرح وهو كيف فهم القرّاء الذين لا يتحدّثون الإنكليزية القصة وما هي التغييرات التي قام بها المترجمون عندما نقلوا القصّة إلى لغاتٍ أخرى، في هذا المقال سنجيب على هذا السؤال معتمدين على ورقةٍ بحثيةٍ قدّمتها الباحثة السورية (وفاء دقماق) بعد دراستها للنسخة المترجمة إلى العربية من الرواية.

لا وجود للقبلات والمشروبات الروحية نظراً لأنّها مرفوضة اجتماعياً

هاري بوتر ورون ويزلي وهيرميوني غرينجر يشربون الكحول بيرة الزبدة Butterbeer
Warner Bros. Pictures

وفقاً لما قالته (دقماق) وكما نعلم جميعاً فبعض الأطعمة والمشروبات الشهيرة في الغرب لا مكان لها في المجتمعات والثقافات العربية وخاصةً تلك التي يُحرّمها الإسلام كالأطعمة التي تحتوي لحوم ومشتقات الخنزير والمشروبات الروحية، ولهذا فقد حُذفت وحوّرت الكثير من التفاصيل من القصة فكانت شخصيات القصة لا تقرب المشروبات الروحية باستثناء الشخصيات التابعة لسيّد الظلام ربّما لأنّ هذه الشخصيات كانت تتبع الشيطان فلم يكن هناك مشكلةٌ في احتسائهم لتلك الأشياء المحرّمة.

وعندما كان من غير الممكن حذف الفقرات التي تتحدّث عن شرب الروحية فكان المترجم يقوم بتعديلها حيث تحوّلت على سبيل المثال عبارة:

“كأسٍ كبيرٍ من البراندي”.

إلى:

“كوبٍ من الماء”.

كما أنّ الفقرات التي كانت تتحدّث عن قيام (هاغريد) باحتساء المشروبات الروحية بشكلٍ دائمٍ حُذفت كلياً لذلك لن تجد أيّ شيءٍ يوحي إليك بكونه سكيراً.

بالإضافة إلى المشروبات الروحية وبعض الأطعمة تم تعديل بعض التفاصيل المتعلّقة ببعض السلوكيات مثل التقبيل، حيث أنّ كون الكتاب موجّهاً للأطفال منع من إظهار التفاصيل التي تصف تبادل القبلات لأنّ المجتمع العربي يعتبر أنّ تبادل القبلات ليس شيئاً ملائماً لأن يقرأه الأطفال حتى وإن كانت تلك القبلات مجرّد قبلاتٍ بريئة، وكمثالٍ على ذلك هناك تلك الفقرة التي تقول:

“ودّعته (هيرميوني) وفعلت شيئاً لم تفعله من قبل إذ قامت بطبع قبلةٍ على خدّه”.

أصبحت في النسخة العربية:

“لوّحت له (هيرميوني) بيدها وودعته”.

ونلاحظ تكرار الأمر في فقراتٍ أخرى مثل:

“شاهد (هاري) وجه (هاغريد) يصطبغ باللون الأحمر شيئاً فشيئاً مع احتسائه للمزيد من النبيذ وانتهى به الأمر بتقبيل المعلّمة (مكغوناغال) على خدّها والتي قهقهت واحمرّ وجهها”.

التي أصبحت في النسخة العربية:

“شاهد (هاري) (هاغريد) جالساً على طاولة المدّرسين بجانب المعلّمة (مكغوناغال) وأذهله أنّها كانت تضحك بعد أن قال لها شيئاً مُضحكاً”.

ولكنّ المثير للاهتمام أنّ المترجم قام بترك بعض المشروبات الروحية في الكتاب السابع كما أنّ بعض الفقرات التي كانت تتحدّث عن التقبيل والأحضان بقيت موجودةً وهو ما فسرته (دقماق) بأنّه قد يعود لكون القرّاء قد أصبحوا ناضجين في هذه المرحلة.

المنازل والمدارس في عالم (هاري بوتر) تختلف عن تلك الموجودة في العالم العربي

الدرج في مدرسة هوغوورتس فيلم هاري بوتر
Warner Bros. Pictures

نظام الأبنية الموجود في الرواية يختلف بعض الشيء عن ذلك الموجود في العالم العربي وخاصةً ذلك الموجود في سوريا، فنجد أنّ (رولينغ) تصف منزل عائلة (دورسلي) في بداية الكتاب الأول على أنّه منزلٌ ذو طابقين وهو غير شائعٍ كثيراً نظراً لأنّ معظم الأشخاص يقطنون في شققٍ ضمن بناياتٍ أو ضمن منازلٍ من طابقٍ واحد.

ونظام المدارس في العالم العربي أيضاً مختلفةٌ عن ذلك المطروح في الرواية حيث أنّ مدرسة (هوغوارتس) هي مدرسةٌ داخلية يسكن فيها الطلاب خلال العام الدراسي وهو أمرٌ غير شائعٍ لدينا فالمدارس المشابهة لهذا الوصف في سوريا يمكن عدّها على الأصابع، فمعظم الطلاب يذهبون للمدرسة ويعودون إلى منازلهم بشكلٍ يومي ولذلك كان على المترجم أن يقوم بتوضيح الأمر حتى يفهم القرّاء العرب فكرة المدرسة.

الأطعمة المفقودة في الرواية

رون وجيني ويزلي وهاري بوتر وهيرميوني غرينجر يرتدون ثياب لعبة الكويديتش ويأكلون الطعام في عالم السحر
Warner Bros. Pictures

في الورقة البحثية التي نشرتها (دقماق) نوّهت إلى الأهمية التي منحتها (رولينغ) لذكر عددٍ كبيرٍ من الأطعمة ضمن روايتها، ففي رواية حجر الفيلسوف هناك أكثر من 80 صنفاً من الطعام ولكن في النسخة العربية فإنّ ربع الأطعمة المذكورة تُرجمت إلى (الطماطم المعلّبة الباردة)، وفي رواية (هاري بوتر وقدح النار) قرر المترجم الجديد إهمال بعض الأطعمة فنجد أنّ نسبة 45% من الأطعمة المذكورة حُذفت كلياً من القصة.

نقطةٌ إضافية يجب ذكرها وهي أنّ المترجمين كانوا في بعض الأحيان يقومون بتغيير نوع الطعام أو استخدام كلماتٍ تُعبّر عن الطعام دون تحديد نوعه في بعض الأحيان، ولكن لأكون منصفاً بحقّ المترجم بعض الشيء هنا فيجب أن أذكر أنني أتفهم موقفه قليلاً وخاصةً أنّ العديد من الأطعمة المذكورة ليس لها مرادفاتٌ في اللغة العربية.

بعض التقاليد كانت معقدة للغاية

القاعة العظمى The Great Hall مليئة بالطلاب يأكلون في عيد الهالويين مزينة باليقطين
Warner Bros. Pictures

بعض الفصول أو الفقرات من الرواية كانت معقدةً للغاية مما جعل ترجمتها أمراً صعباً للمترجمين وهو ما دفع بعض المترجمين إلى حذف عددٍ من الفقرات الموجودة من النص الأصلي مثل الفقرة المتعلّقة بقيام الجن بالهتاف خلال المباراة النهائية في (الكويدتش) والتي كانت بين إيرلندا وبلغاريا.

كما أنّ هناك فقراتٍ أخرى كانت بحاجةٍ إلى بعض الشرح لأنّ المجتمع العربي لم يكن مدركاً لطقوسها مثل الهالوين ففي الرواية الأصلية كان النص كالتالي:

“في صباح يوم الهالوين استيقظوا على رائحة اليقطين تفوح في أرجاء الممرات”.

أما في النسخة العربية فكان النص مختلفاً بعض الشيء حيث كتب المترجم:

“في صباح يوم الهالوين استيقظوا على رائحةٍ لذيذة تفوح في الأرجاء لقد كانت تلك رائحة كعك اليقطين وهو طبقٌ مميزٌ يُعدّ لأجل الاحتفال بهذا اليوم”.

وفي بعض الأحيان كان وصف الملابس بحدّ ذاته تحدياً للمترجم حيث أنّ بعض الملابس كانت غير معروفةٍ في تلك المجتمعات مما جعل المترجم يعدّل الوصف إلى شكلٍ قريبٍ منها لتوضيح الصورة.

لم يكن هناك تنسيقٌ بين المترجمين

هاري بوتر يكتب على دفتر مذكرات توم ريدل لورد فولدمورت
Warner Bros. Pictures

خلال بحثها لاحظت (دقماق) وجود اختلافاتٍ واضحة بين النسخ الكتب باختلاف الشخص الذي كان يقوم بالترجمة وهو ما يشير إلى أنّ دار النشر لم يكن يقوم بالتنسيق بين المترجمين، ففي الكتاب الرابع مثلاً نجد أنّ المترجم كان يقوم بحذف العديد من الفقرات ونسي ذكر عددٍ من الأطعمة كما أنّ نفس الكلمة كانت تحصل على معانٍ مختلفة في كلّ مرة عند اختلاف المترجم وهو أمر يُحتمل أنّه منع القراء من ملاحظة أنّ الأغراض المختلفة التي كانوا يقرأون عنها كانت في الحقيقة شيئاً واحداً.

أحد المترجمين اعتقد أنّ كلمة Jumper هي نوعٌ من الأحذية

هاري بوتر ورون ويزلي وهيرميوني غرينجر
Warner Bros. Pictures

شخصياً أذكر أنني وقعت في الخطأ ذاته عندما كنت في المدرسة حيث أنّ كلمة Jumper توحي للوهلة الأولى أنّها شيءٌ يُستخدم للقفز ما يعني أنّه حذاء ولكنّ الحقيقة أنّ الترجمة الصحيحة لها هي سترةٌ عديمةٌ الأكمام تُلبس فوق الملابس.

في النهاية أجد نفسي مجبراً أن أختم مقالي هذا برأيي الشخصي كوني شخصاً يقوم بالترجمة، فأعتقد أنّ المترجمين معذورون في بعض الأحيان عندما يتعلّق الأمر بتغيير بعض المصطلحات ذلك أنّ الكثير من المفردات وخاصةً تلك التي تصف أطعمةً شهيرةً في بريطانيا غير موجودةٍ في العالم العربي مما يعني عدم وجود مرادفٍ عربيٍ لها.

أما تعديل أحداث الرواية كحذف الفقرات التي تصف شرب المشروبات الروحية والقبلات فلا أجد حذفها أمراً مقبولاً حيث كان من الممكن للمترجم أن يقوم بتوضيح بعض الأمور في هوامش الصفحات وهو أمرٌ سبق أن شاهدته في العديد من الروايات المترجمة من لغاتٍ أجنبية لأنّ حذف الفقرات التي لا تتناسب مع المجتمع لا يتوافق مع فكرة الترجمة، فأنت عندما تقوم بالترجمة تنقل أفكار شخصٍ آخر إلى لغتك وإن كانت تلك الأفكار لا تعجبك فربّما يجب عليك أن تقوم بتأليف كتابك الخاص.

المصادر:
موقع Medium

مقالات ذات صلة

إغلاق