منوعات

تشارلي تشابلن المهووس بالمثالية أعاد هذا المشهد الصامت 342 مرة!

مشكلته الأساسية مع (شيريل) كانت أنّها لا تقوم بلفظ الجملة بشكلٍ صحيح وهو يدرك أنّ الفيلم صامتٌ وأنّ صوتها لن يُسمع أساساً في هذا الفيلم

على الرغم من أنني لا أصنّف نفسي ضمن الأشخاص ذوي الذاكرة الحديدية وأعترف أنني أنسى بعض الأشياء بعد مرور عدة دقائق فقط فما زلت حتى اليوم أذكر فيلم (تشابلن) الذي شاهدته مع أحد أصدقائي منذ 15 عاماً، فيلمه كان صامتاً ولكنّ عدم وجود الكلمات لم يمنعه من إضحاكنا بشكلٍ هستيريٍ، فحركاته وتعابير وجهه كانت تكفي لوحدها لجعلك تضحك.

هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن نكتبها عن هذا الرجل المبدع حيث أنّ مسيرته المهنية التي امتدت لـ 75 عاماً كانت غنيةً بالأحداث والأفلام العظيمة، ولكن من بين كافة أعماله هناك مشهدٌ يستحق أن نخصص له مقالاً منفصلاً وهو مشهدٌ قصيرٌ لا تتجاوز مدّته 3 دقائق من فيلم City Lights الذي صدر في عام 1931.

فيرجينيا تشيريل بدور الفتاة العمياء تقدم الزهور لتشارلي شابلن في فيلم أضواء المدينة City Lights

المشهد ضمن هذا الفيلم كان بسيطاً إذ تظهر فيه فتاةٌ عمياء مثّلت دورها الحسناء (فيرجينيا شيريل) جالسةً على أحد زوايا الشارع وتقدّم زهرةً إلى (تشابلن) قائلةً له:

“هل تريد زهرةً يا سيدي؟”.

ولكنّ المثير للاهتمام لم يكن المشهد بذاته بل أنّ هذا المشهد تم تصويره 342 مرةً قبل أن يقرّر (تشابلن) أنّ النتيجة كانت مرضيةً بما يكفي لاعتماده ضمن الفيلم، وعلى الرغم أنني لم أكن حاضراً عندما قرر (تشابلن) أنّ المشهد كان جيداً ولكنني أعتقد أنّ عيني (شيريل) اغرورقتا بالدموع حينها فإعادة المشهد 342 مرةً ليس أمراً يحبّذه أيّ أحد.

في الحقيقة كان (تشابلن) مشهوراً بسعيه للكمال، فكان من الطبيعي أن تراه يعيد تصوير أحد المشاهد 10 مراتٍ أو حتى 20 مرة، ولكن حتى بالنسبة لشخصٍ مثله إعادة تصوير المشهد 342 يُعتبر أمراً مبالغاً فيه ولكن كان هناك ما يبرر القيام بذلك، فمن ناحية كانت (فيرجينيا شيريل) لا تمتلك خبرةً في مجال التمثيل إذ أنّها لم تكن ممثلةً محترفةً بل مجرّد شابةٍ صقليةً في العشرين من عمرها لمحها (تشابلن) ضمن الحشود بينما كانت تشاهد مباراة ملاكمة واعتقد أنّ جمالها يؤهّلها للحصول على دور محبوبته في الفيلم فهو لم يحدّثها حتى قبل أن يعرض عليها أداء الدور.

تشارلي شابلن يرتدي قبعة ويضع زهرة في فمه فيلم City Lights Charlie chaplin

ومن ناحيةٍ أخرى كان (تشابلن) ذاته سبباً حيث أنّه لم يكن مجرّد ممثلٍ يستطيع إضحاك المشاهدين مستخدماً تعابير وجهه المميزة ومشيته الطريفة وشاربه القصير بل كان أيضاً المخرج والمنتج والكاتب لأفلامه وحتى عندما شقّت الموسيقا طريقها لأفلام السينما كان هو المسؤول عن تأليف الموسيقا في أفلامه، ومع كونه المخرج وعندما نأخذ بعين الاعتبار أنّه كمخرجٍ لا يستطيع مشاهدة أدائه كممثلٍ إلّا بعد أن يصوّره فالأمور يمكن أن تصبح منطقيةً بعض الشيء وخاصةً أنّه كان يتمرّن في وقت التصوير فقط.

للفيلم خصوصيته

فيرجينيا تشيريل بدور الفتاة العمياء تتحدث وتضحك مع تشارلي شابلن في فيلم أضواء المدينة City Lights

كما ذكرت سابقاً فقد كان (تشابلن) شخصاً ساعياً للكمال وهو ما أكّده Hooman Mehran المؤرّخ وصاحب كتاب Chaplin’s Limelight and the Music Hall Tradition بقوله:

“لقد كان (تشابلن) شخصاً يسعى للكمال وكان يُعتبر ملك إعادة تصوير المشاهد”.

ولكن حتى بالنسبة لشخصٍ يسعى للكمال فإعادة التصوير بهذا العدد كان أمراً مبالغاً فيه وخاصةً أنّه كان المنتج ما يعني أنّ أمواله هي التي كانت تُصرف على الفيلم وهو ما كان سيؤدي إلى خسارةٍ كارثيةٍ له لو لم يكن الفيلم واحداً من أنجح الأفلام في السينما حينها، وهنا يجب أن نسأل ما الذي دفعه للإقدام على مخاطرةٍ كهذه رغم أنّ مشكلته الأساسية مع (شيريل) كانت أنّها لا تقوم بلفظ الجملة بشكلٍ صحيح وهو يدرك أنّ الفيلم صامتٌ وأنّ صوتها لن يُسمع أساساً في هذا الفيلم؟

في الحقيقة في تلك الفترة كان الصوت قد بدأ بالتسلل إلى الأفلام وأدرك حينها (تشابلن) أنّ هذا الفيلم سيكون آخر فيلمٍ صامتٍ له وهو ما جعله متوتراً فأراده أن يكون تحفةً فنيةً خالدةً يذكرها التاريخ فكان طموحه هذا بنظره يستحق إنفاق المزيد من المال والتأمّل أنّه لن يذهب هباءً.

الفتاة العمياء ودلالتها

فيرجينيا تشيريل بدور الفتاة العمياء في فيلم City Lights

ما يجب أن نعلمه عن (تشارلي) أنّه لم يكن دوماً شخصاً ثرياً ففي البداية قضى العديد من السنوات في المياتم نظراً لأنّ والده كان سكيراً فارق الحياة بسبب فشل كبده وكون والدته ملزمةً بالإقامة في مصحٍ نفسيٍ، والدته كانت السبب في شهرته بشكلٍ غير مباشر فهي من ألهمته أن يصبح ممثلاً كوميدياً ذلك أنّه في الأيام التي كانا يقضيانها معاً كانت تقوم دوماً بتقليد المارين في الشارع وتحاكي حركاتهم، ونلاحظ أنّ (تشابلن) كان يقوم في معظم أفلامه بتصوير بطلته على صورة فتاةٍ مصابةٍ بنوعٍ معينٍ من الإعاقة وذلك كشكلٍ من التعبير على امتنانه لوالدته والاعتراف بفضلها عليه.

مسيرته المهنية

الممثل الكوميدي تشارلي شابلن في فيلم أبيض وأسود صامت Charlie Chaplin

في مراهقته انضمَّ (تشابلن) إلى العديد من الفرق المسرحية لينضمَّ بعدها إلى شركة Fred Karno فقام بجولاتٍ في أمريكا ولفت انتباه استديوهات Keystone لتبدأ مسيرته المهنية في عالم السينما.

ومع تعابير وجهه ومشيته الطريفة وسلوكه الأرعن أصبح (تشابلن) ملك الكوميديا التي تعتمد على حركات الجسد فألهم العديد من الفنانين التهريجيين لأجيالٍ قادمة مثل Abbot و Castello و Lucille Ball، ولكنّ سلوكه الأرعن لم يمنعه أبداً من أن يكون مخرجاً منضبطاً فقد كان صارماً للغاية في موقع التصوير يعرف تماماً ما يرغب به ولهذا لم يكن يفضّل وجود ممثلين آخرين برفقته حتى أنّه في أحد المرات حاول أن ينتج فيلماً لا يتضمّن أحداً سواه.

أسلوبه هذا جعل بعض الممثلين يعانون أثناء العمل معه، فعندما عمل مع (مارلون براندو) في عام 1967 على تصوير فيلم A Countess From Hong Kong كان هناك خلافٌ بينهما حيث أنّ (براندو) كان من الممثلين الذين يعملون جاهدين لتقمّص الشخصية لتقديم أفضل ما لديهم وهو ما كان يتعارض مع طريقة عمل (تشابلن)، وعندما تقدّم (براندو) إليه قائلاً:

“أنا لا أفهم الدافع الذي يحرّك الشخصية التي أؤدي دورها في هذا المشهد”.

أجابه ببساطة:

“انسَ أمر الدافع وقم بالتمثيل كما أطلب منك، هذا هو دافعك”.

للأسف لا نملك اليوم الكثير من التفاصيل حول بقية أعماله حيث أنّ (تشابلن) أمر بتدمير الكثير من المشاهد التي كان يصوّرها ولم يستخدمها في أفلامه ولكن ولحسن حظنا فقد ظهر شريطٌ قام صديقه (رالف بارتون) بتصويره أثناء إعداده لفيلم City Lights وهو المصدر الذي بُني عليه هذا المقال بعد أن ظهر للعلن منذ عدّة سنوات سبقت.

المصادر:
موقع CNN

مقالات ذات صلة

إغلاق