منوعات

لعبة الفيديو The Walking Dead، هل تفوقت فعلًا على المسلسل؟

المسلسل أم اللعبة؟ هذا ما سنعلمه اليوم!

بالطبع توجد العديد من الأعمال الفنية المرئية التي ناقشت وجسدت فكرة الموتى الأحياء، أو الـ(زومبيز) الذين يسيرون دون وجهة مُحددة في الحياة وأجسادهم متعفنة تمامًا ويأكلون أي نوع من اللحوم أمامهم، وما أكثر لحم البشر بالتأكيد. وبناء عليه يحولونهم إلى موتى أحياء مثلهم حتى تصير الأرض عبارة عن مكب نفايات كبير. لكن الفرق هنا أن النفايات تسير وتتحرك وتُمثل خطرًا على أي كائن حي متواجد حولها بشكلٍ أو بآخر. تباينت جودة الأعمال الفنية التي تناولت الفكرة بشدة، لكن يبقى عمل فني واحد هو الأشهر والأقوى على الساحة نظرًا لتناوله الفكرية بطريقة درامية مؤلمة ومؤثرة جدًا، وهو مسلسل The Walking Dead. بالتأكيد عاصرنا العديد من الأحداث القوية معه، لكن هل هو العمل الوحيد الذي يُمكن أن نُطلق عليه (الأفضل فعلًا)؟ حسنًا، بالمنظور الكتابي والإخراجي، توجد أعمال أخرى.

اليوم سوف نتحدث عن لعبة فيديو شهيرة (وخصوصًا الموسم الأول منها) تحمل نفس الاسم وتتحدث عن نفس القصة، لكن في إطار مرجعي مختلف قليلًا عن المسلسل، وبالطبع مختلف أيضًا عن فيلم World War Z الشهير. فهل ستكون اللعبة على قدر من الجودة يسمح لها بأن تكون ندًا قويًّا للمسلسل التلفزيوني؟ هذا ما سنعرفه في مراجعة اليوم. مراجعة اليوم سوف تكون مُقسمة على عدة أجزاء، ومحور تلك الأجزاء سوف يكون الرؤية الفنية للعمل الفني بمنظور سينمائي، حيث أننا في موفيكتوبس سينمائيون في المقام الأول، وكذلك لأننا نعقد مقارنة بين لعبة فيديو من جهة، وعمل فني ذو معايير إخراجية فنية وسينمائية من جهة أخرى. فهل اللعبة ستنتصر على المسلسل؟ هذا ما سنستنتجه سويًّا في نهاية المقال. الآن اربطوا أحزمة الأمان جيدًا، فلدينا رحلة ممتعة اليوم يا رفاق!

*المراجعة خالية من الحرق عدا المقاطع التي سنحذركم قبلها*

قصة اللعبة

Digital Rhetoric Collaborative

تبدأ قصة اللعبة مع شخص مُصفد وجالس في عربة شرطة وفي طريقه إلى محطة الترحيل التالية كي يتلقى حكمًا بالإعدام وتنتهي حياته دون رجعة، لكنه كان ذاهبًا مع ضابط شرطة ثرثار بعض الشيء. وفي الطريق تحدث حادثة فجائية وحادة على إثرها تنقلب السيارة في منحدر الغابة المجاورة وتستقر بالقاع. ينجو المجرم (ليي) – Lee بأعجوبة ليذهب ويتفقد الأجواء من حوله ويحاول أخذ مفتاح الأصفاد من جثة الشرطي القابع على مسافة أمتار قليلة منه كل يحرر نفسه ويهرب، إلا أنه عندما اقترب منه وجد أن جثته الميتة نظرت إليه وتحركت بسرعة وشارفت على الانقضاض عليه وعضه. لكن استطاع أخيرًا قتل تلك الجثة عبر إصابتها بالبندقية التي بجانبه في منتصف الرأس، لتسكن بعد ذلك تمامًا. الآن يأخذ (ليي) المفتاح ليفك عنه الأصفاد ويُكمل طريقه مستكشفًا الجحيم الذي بات فيه العالم.

وفي رحلته الاستكشافية المنفردة تلك يدخل منزلًا خاويًا ليجد خارجه فتاة صغيرة ذات ثمان سنوات جالسة في منزل الشجرة المرتفع، والتي بدورها أنقذته من هجوم أحد هؤلاء الموتى الأحياء عليه بالمنزل. الآن الفتاة مذعورة تمامًا وكل ما تريده في الحياة هو الذهاب إلى والديها اللذان سافرا وتركاها في عهدة أحدهم، الذي يبدو أنه غير متواجد بعد كل شيء. يقرر (ليي) أخذها معه في رحلته نحو المجهول، وأنها الآن صارت الجوهرة الثمينة في حياته والتي لن يجعلها تذهب من يده أبدًا. فهل سيستطيع المُعلم المُجرم (ليي) أن يذهب بالفتاة المسكينة (كيلمنتاين) -أو (كليم) للاختصار- إلى بر الأمان ويعيدها إلى والديها في ولاية بعيدة جدًا؟ هذا ما ستعلموه عند لعب هذه اللعبة الرائعة والتي تُعتبر تجربة فنية وبصرية مجمدة للدماء في العروق ومذهلة من الطراز الرفيع.

معلومات عن اللعبة

joystickchik.com

تم إصدار اللعبة في عام (2012) على يد شركة Telltale Games لصناعة ألعاب الفيديو، وهذا بينما تم إصدار المسلسل في عام (2010) قبلها بعام واحد فقط. اللعبة والمسلسل كلاهما مبنيان على مجموعة قصص مُصورة تحمل نفس الاسم لمجموعة من الفنانين وهم Robert Kirkman، Tony Moore، وأيضًا Charlie Adlard. قصة اللعبة تختلف بشكل كبير جدًا عن قصة المسلسل، لكن كلاهما يشترك في كون الأجواء العامة من الترقب والتوجس والهلع قائمة دون تغيير، فالتغير طرأ على الشخصيات، فبالتالي طرأ على تركيبة الأحداث أيضًا. اللعبة تتميز بأسلوب فريد جدًا في اللعب. فهي لعبة مزجية تمزج بين ألعاب الحركة الأمريكية المعروفة، وألعاب الاختيارات اليابانية الشهيرة، أو التي تُعرف باسم Visual Novels.

في الألعاب اليابانية تلك يكون اللاعب هو المتحكم بشخصية مُعينة، أو يكون مُشاهدًا للأحداث لكن يتصرف بطريقة تُحرك الأحداث. فتصنيف الألعاب اليابانية ذاك يعتمد على كون اللاعب يختار مجموعة من الخيارات والإجابات على أسئلة مُعينة، فبالتالي اللعبة تأخذ أكثر من مسار نهائي حسب تلك الإجابات والخيارات المُتخذة مسبقًا. وهذا في النهاية يزيد من الغموض والجو العام المليء بالتوجس. ومن الناحية الأخرى اللعبة ليست لعبة اختيارات بالكامل، ففيها حركة كثيرة بجانب وجود مشاهد مُسجلة كاملة تُعرض للمُشاهد كنوع من الفاصل البسيط عن طريقة اللعب الاختيارات أو الحركية المعهودة.

اللعبة عبارة عن مجموعة من المواسم، وكل موسم به مجموعة من الحلقات، وإذا كنت من محبي الثقافة اليابانية يمكن أن تقول أنها مجموعة من (الأركات) القصصية. أي اللعبة مُقسمة إلى فصول، وكل فصل يرتبط بالذي قبله وبعده كي تحصل على تجربة قصصية وسردية كاملة في النهاية. يختلف عدد الحلقات في كل موسم، لكن في الغالب يكون العدد 5 حلقات للموسم الواحد، لكن من الناحية الأخرى يمكن أن يكون 4 حلقات أيضًا. متوسط لعب الحلقة الواحدة يتراوح بين ساعة وثلاث ساعات حسب مدى دسامة الحلقة كأحداث وأماكن من جهة، أو مدى تعقّد وتشعّب وصعوبة إتمام المراحل من جهة أخرى. وهذا بسبب وجود بعض الحلقات التي تحتاج إلى نسبة عالية من الذكاء والانتباه كي تستطيع التعامل معها بأريحية.

نصائح قبل البدء في اللعب

Wallpaper Abyss – Alpha Coders

1- ضع نفسك في محل شخصية البطل وتخيل حرفيًّا أنك الآن في نفس موقفه وهذه الآن أصبحت حياتك ولا مفر منها. أنت في الواقع لا تجلس أمام شاشة الحاسوب وتلعب لعبة فيديو، بل أنت في خضم تلك المعمعة وتحارب من أجل البقاء، ومن أجل حماية تلك الفتاة المسكينة التي برفقتك.

2- يجب أن تكون خياراتك واقعية تمامًا، فلا أنصحك على الإطلاق بالقيام باختيار أي إجابة أو رد فعل من المطروحين بطريقة تحاول استمالة إحدى الشخصيات إليك على حساب رغبتك الشخصية. فهكذا أنت تكذب على نفسك تمامًا وسوف تفقد متعة اللعبة. لأنه إذا فعلت ذلك، ففي الأحداث التالية سوف تجد أن اللعبة لا تناسبك وأنك غير متفاعل مع الشخصيات. لذلك اتخذ القرارات التي سوف تتخذها في الواقع إذا كانت حياة اللعبة هي حياتك الفعلية.

3- لا تقلق حيال إمكانيات التشغيل على الإطلاق، فحتى إذا كان حاسوبك (مثل حاسوبي) متدنيًّا جدًا في الإمكانيات الجرافيكية، سوف يقوم بتشغيلها. جهازي عبارة عن سعة ذاكرة رام بمساحة 4 جيجا (ونظام التشغيل يبتلع أغلبها)، ومساحة تخزين فارغة 5 جيجات فقط، وبطاقة رسوم Intel بدائية جدًا. أنا عن نفسي قللت الجودة بشكل كبير حتى تصبح اللعبة سريعة، وبالفعل صارت كذلك. لكن واجهة القائمة يمكن أن تجد فيها بعض البطء في تحريك شارة الفأرة وما إلى ذلك.

4- لا تنسى مهمتك الرئيسية أبدًا، مهمتك في اللعبة هي النجاة وحماية الفتاة التي معك حتى توصلها إلى بر الأمان حيث يوجد والديها اللذان تطمح بأن تنام بين أحضانهما في يومٍ ما. الحياد عن المهمة الرئيسية سوف يُسيء من علاقتك مع الفتاة الصغيرة، مما يجعل الشيء الوحيد المبهج والظريف في هذه اللعبة كئيبًا وحزينًا وقاتمًا بدرجة تجعلك تكره نفسك، واللعبة، والحياة بأكملها.

5- استعد جيدًا لوجود العديد من المنعطفات النفسية الشديدة في القصة، والتي تأتي بشكلٍ غير متوقع على الإطلاق، لذلك الاستعداد النفسي واجب، خصوصًا أن القصة في حد ذاتها تُصيب بالاكتئاب وتساعد على تصاعد الهموم وتراكم الأحزان بالصدر والعقل والنفس.

6- احرص على فصل الانترنت بالكامل أثناء اللعب، والتأكد من كون كل شيء هادئًا وصامتًا حولك ولا يوجد أي إزعاج مُحتمل في الساعات القادمة على الإطلاق. فاللعبة تحتاج إلى ذهنٍ صافٍ وبال رائق للاستمتاع بها بالكامل، فهي تجربة بصرية وموسيقية ونفسية تحتاج من كل وصلة عصبية حيّة في دماغك أن تكون مهتمة بها.

7- أنصحك بلعب كل حلقة في جلسة واحدة، فالتقطع أثناء لعب الحلقة الواحدة يفصلك عن الجو العام ويجعلك نوعًا ما مُشتتًا عن الأحداث عندما تعود للعب من جديد بعد فترة (ولو كانت 10 دقائق حتى). الحلقات قصيرة في النهاية كما ذكرنا سابقًا، فلذلك لا ضير من لعب ساعتين أو ثلاثة بشكلٍ متواصل كي نستمتع أتم الاستمتاع، أليس كذلك؟

ما المميز في هذه اللعبة؟

لا يجب أن أكون عاطفيًّا أكثر من اللازم وهذا شيء ضروري لكوني مُراجعًا مُحايدًا، لكن في الواقع أنا لست عاطفيًّا بالفعل، فكل مزايا اللعبة التي سأذكرها الآن لا دخل لها في حبي الشديد لفكرة الموتى الأحياء وما إلى ذلك. بل تلك المزايا كلها مرتبطة بالتجربة الفنية والمرئية والإخراجية والموسيقية والدستوبية الفريدة جدًا التي ممرت بها معها، وتُعتبر من الألعاب القليلة التي استطاعت إدخالي فيها عبر جودة الحبكة والمؤثرات فقط، لا الجرافيك الأسطوري أو التحريك العبقري. الآن ننتقل إلى الأسباب والمزايا التي جعلت هذه اللعبة ضمن أفضل ألعاب النجاة التي مررت بها في حياتي على الإطلاق.

اللعبة مُفصلة عليك بالضبط

Anthony Thomas

في هذه اللعبة أنت تقوم باختيار الخيار المُعين، فبالتالي تصبح ردود أفعال الشخصيات من حولك متوافقة مع تلك الاختيارات. فكلما اخترت جملة مُعينة، كلما أصبحت الأحداث مختلفة. أي بمعنى أصح اللعبة بها العديد من المسارات، وكل مسار مختلف عن الآخر، وذلك الاختلاف يرجع إلى اختلاف الاختيارات في الأساس. فبناء على ذلك اللعبة مُفصلة عليك وعلى اختياراتك بالضبط، وبالتالي تكون أكثر إمتاعًا. ففي النهاية أنت لا تعلم ماذا سوف تُقابل بعد قليل، وهل سيؤثر ذلك الخيار الآن على حدث هام جدًا بالمستقبل؟ ماذا إذا انضممت إلى جانب هذه الشخصية على حساب تلك الشخصية؟ هي ذلك سينفعني؟ أم سيضرني في النهاية ويُخسرني حياتي وحياة البنت الصغيرة التي معي؟ كل تلك الأسئلة تدور في ذهنك قبل اختيار أي خيار في اللعبة، مما يزيد من جو الغموض والتوجس، وفي النهاية يرفع متعة اللعبة إلى الأعالي.

والذي يزيد الحيرة أكثر أن الاختيارات المطروحة في حد ذاتها متقاربة جدًا من بعضها البعض ولا تعرف إذا كانت ستؤثر على شخصية واحدة أم مجموعة شخصيات. كما أن الكاتب يعمد بشكل واضح في بعض المقاطع إلى تقليل مدة الاختيار بشدة مما يدفعك في بعض الأحيان لاختيار شيء لا تريده من الأساس تحت وطأة الموقف الحرج.

الآن أريد تفسير ما سبق بطريقة فلسفية وعلمية بعض الشيء. ما سبق يُعرف بتأثير الفراشة. تأثير الفلاشة هو نظرية أو أطروحة علمية تم ذكرها واعتمادها في العديد من الأعمال الفنية المختلفة، وصارت تجسيدًا حقيقيًّا للعشوائية المهولة التي قد تسببها أبسط المُسببات في الحياة. وإذا كنت من محبي رواية وفيلم Jurassic Park، فستكون قد سمعت عن هذه الأطروحة على لسان شخصية (إيان مالكوم) كثيرًا هناك. تقول هذه الأطروحة أنه إذا كان لدينا فراشة ترفرف بجناحيها في شمال الكرة الأرضية، فيمكن لهذه الرفرفة أن تُسبب إعصارًا مهولًا في جنوب الكرة الأرضية. وهذا ببساطة يُمثل مفهوم أنه إذا كان لدينا مُسبب بسيط جدًا وتافه، يمكن له أن يُحدث نكائبًا لا تُحصى بالمستقبل، وذلك عبر مجموعة من التغييرات البسيطة التي يصنعها مع الوقت، والتي تتحول على تغيّر واحد كبير في النهاية. هذه اللعبة يجب أن تختار فيها رفرفات جناحيك بدقة شديدة، لأن الإعصار لا يمكن توقعه على الإطلاق.

التصاعد الدرامي مميز جدًا بالرغم من أنها لعبة نجاة في النهاية

Lady Geek Girl

في العادة ألعاب النجاة ما تكون أحادية الاتجاه، وهذا الاتجاه يكون النجاة فحسب. فلا توجد في تلك الألعاب في الغالب نزعة فلسفية أو تصاعد درامي. فقط التصاعد يكون في صعوبة مراحل اللعبة وجعل هدف النجاة في حد ذاته صعب التحقيق. وهذا موجود في هذه اللعبة بالفعل، لكن المميز فيها هو أنه توجد أبعاد كثيرة جدًا غير (المغامرة من أجل النجاة) فحسب. أنت هنا لا تتوقع أن تعيش الشخصيات في صراع مع الحاضر والظروف والموتى الأحياء من أجل النجاة فحسب، بل أيضًا يجب أن تتوقع أن تكون الشخصيات ذا صراع نفسي مع نفسها ومع البيئة من حولها أيضًا. وهنا يجب أن ننتقل إلى جعل التصاعد الدرامي يتخذ منحنيين: منحنى الشخصيات، ومنحنى الأحداث.

بالنسبة للشخصيات فكلها غير سطحية بالمرة، فالشخصيات التي تقوم بالنجاة مع بعضها البعض تكون ذات تراكيب نفسية مُعقدة بشدة، وهذا يرجع للدوافع والمبادئ التي تؤمن بها في الحياة، والتي أيضًا تُهشمها الظروف الحياتية باللعبة مع الوقت. الشخصيات تتصاعد مع الوقت لتتغير مبادئها، فبالتالي تتغير أفعالها. وهذا ما يجعل تلك اللعبة فريدة، فهي تطرح آلية التطوّر النفسي في ظل المأساة بقوة جدًا، وتُوضح آثار ما بعد الحادثة بطريقة مميزة. فبعد فقدان شخص عزيز عليك أنت تحاول الهرب من الواقع تارة، أو تحاول التماسك رغمًا عن أنفك كيلا تبدو ضعيفًا تارة أخرى. لكن في النهاية سوف تنفجر في وجه جميع من حولك وتبدأ بالبكاء والانهيار وفقدان الأمل بالكامل. فلذلك تعامل الكاتب مع الشخصيات على أنها شخصيات حقيقية ولها كينونة ودوافع وغايات مُتغيرة على الدوام، هذا شيء مُميز حقًا.

أما بالنسبة للأحداث، فبالتأكيد تتغير حسب تغيّر مبادئ وأفعال الشخصيات. فالأحداث في أي عمل فني عبارة عن حيّز مكاني وزماني تُقام فيه أفعال مُعينة من قبل شخصيات بعينها. وكلما تبدلت أحوال الشخصيات، كلما تبدلت الأحداث. وطبيعة اللعبة المتغيرة على الدوام تجعل من الأحداث متغيرة أيضًا بشكلٍ مستمر. وبينما الشخصيات تتصاعد، الأحداث تتصاعد معها. وفي النهاية سوف تجد الأحداث محتدمة بشدة إثر احتدام تصاعد الشخصيات، ووقتها سوف تحتاج إلى اتخاذ قرارات مصيرية جدًا سوف تُحدد مصيرك أنت كلاعب في الأجزاء القادمة. وهنا أنا لا أتكلم عن مصيرك كلاعب يلعب شخصية ما بداخل اللعبة، بل شخصيتك كإنسان يعيش في الحياة الواقعية. تلك اللعبة لن تجعلك نفس الشخص أبدًا، وهذا شيء أضمنه لك.

الإيقاع سريع والأحداث لا تتكرر ولو كأفكار حتى

Walking Dead Wiki – Fandom

في الواقع هذا أكثر شيء جعل هذه اللعبة ممتعة بالنسبة لي، الإيقاع السريع. اللعبة بالرغم من أن أحداثها كثيرة جدًا وعدد حلقاتها قليل جدًا وقد لا يسع هذا الكم من الأحداث إن كنتم تتوقعون (وأنا كنت أعتقد ذلك في البداية بعد انتهائي من منتصف الحلقة الأولى)، لكن الحقيقة تختلف عن ذلك تمامًا. الإيقاع السريع لمرور الأحداث جعل كثافتها في الحيّز الزمني المحدود للعب (ساعتان) أمرًا مقبولًا جدًا. لكن توجد بعض الألعاب تستغل ذلك الإيقاع السريع في أحداثها كي تُغطي على ضعف الحبكة ذاتها. ففي العادة الألعاب ذات الإيقاع السريع ما تكون حبكتها تقليدية وأحداثها مُكررة بشدة، فبالتالي يزيد الإيقاع السريع من حماس اللاعب ومعدل تدفق الأدرنالين لديه، ويتناسى ضعف الحبكة مقابل ذلك الحماس المفرط. لكن هذه اللعبة ليست كذلك على الإطلاق.

الحبكة هنا لا توجد فيها أحداث مكررة أبدًا، ولا توجد حتى بذور أفكار مُكررة. يمكن للكاتب أن يستخدم بذرة فكرة سابقة ويغير فيها تفاصلًا كثيرة كي يجعلها فكرة مختلفة عن الفكرة السابقة، لكن مع الاحتفاظ بنفس الجو العام الذي تطرحه تلك البذرة في النهاية. لكن هنا الكاتب خرج تمامًا عن ذلك السياق ولم يُفكر حتى في أخذ المخاطرة وتطبيق ذلك المبدأ السهل والذي يساعد الكاتب عندما تنفذ منه الأفكار. وبناء على ما سبق الأحداث فعليًّا ابتكارية ومختلفة بالكامل عن بعضها البعض، وهذا يجعل اللعبة مُميزة على الصعيد السردي.

اختلاف الأحداث الشديد عن المسلسل

darkstation.com

هذه اللعبة صدرت في عام (2012)، بينما المسلسل صدر في عام (2010)، فبالتالي على الأغلب أنت فتحت هذا المقال اليوم وقد شاهدت المسلسل، أو على الأقل شاهدت الموسم الأول منه فقط. التوجس يتنابك الآن أنه يمكن لتلك اللعبة أن تكون مُحاكاة تفاعلية للمسلسل ليس إلا، أليس كذلك؟ في الواقع يا عزيزي أحب أن أقول لك: لا. هذه اللعبة لا تنتمي إلى المسلسل في شيء، إلا في الجو العام فقط. ففي النهاية الحبكة متمحورة حول الموتى الأحياء والرغبة في النجاة، سواء بشكلٍ فردي أو في مجموعات متنقلة. هذه اللعبة تجربة فريدة ومميزة ومختلفة جدًا عن المسلسل، والحبكة التي فيها تستحق التأمل فعلًا، ومن وجهة نظري، إذا كانت تلك الحبكة هي حبكة المسلسل، لكان المسلسل ذا شعبية وصيت أكبر بمراحل من الذي هو عليه الآن.

قصة المسلسل تتمحور حول ضابط شرطة وعائلته التي مع الوقت تكون الروابط مع البشر الآخرين من أجل النجاة. أما قصة اللعبة فتتمحور حول مجرم قاتل وحيد يسير مع فتاة صغيرة نحو وجهة مجهولة وأيضًا مع الوقت يكون الروابط من الآخرين من أجل النجاة. تكوين الروابط أمر مشترك بين كليهما، لكن نوعية تلك الروابط هي المختلفة. في المسلسل وضع الكاتب أبعادًا جنسية ورومانسية في الحبكة، مما جعل الحبكة تبعد قليلًا وبالتدريج عن الهدف الرئيسي من المسلسل ذاته. لكن قصة اللعبة تتمحور حول الأبعاد النفسية فقط، والتي تُطور الشخصيات، وهذا جنبًا إلى جنب مع تسخير تلك الجوانب النفسية لجعل الحبكة -ذات هدف النجاة المشترك بين الشخصيات كلها- أكثر رصانة.

النهاية غير المتوقعة بالمرة

vix.com

*الفقرات التالية بها حرق شديد للنهاية*

السطور التالية لا يجب أن تقرأها أبدًا إلا إذا كنت أنهيت الموسم الأول من اللعبة بالكامل، وخرجت من الحلقة الخامسة توًّا وعقلك يكاد أن ينفجر. لذلك وجب التنويه بالطبع. عندما قلت أن عقلك يكاد أن ينفجر، أنا عنيت بالفعل أن عقلك يكاد أن ينفجر. فتلك النهاية غير متوقعة بالمرة وهنا يضربك الكاتب على رأيك بمطرقة ثقيلة ثم يقول لك: “هل أنا جعلك ترتبط بتلك الشخصية بدرجة شديدة جدًا أوهمتك أنك سوف تلعب بها في الأجزاء القادمة؟ أنا آسف أيها البائس، فيجب أن أقتلها لك لأنني بائس أيضًا ولأن الواقع سوداوي وهكذا يجب أن تنتهي الأمور. كل عزيز عليك في هذه الحياة سيأتي عليه وقت ما ويموت على يد تلك الحثالة المتحركة، وأنت لن تفعل شيئًا سوى النحيب والصراخ والوقوع في دوامات لا تنتهي من البؤس والحسرة.”

حقًا، من كان يتوقع أن تكون النهاية بهذا الشكل؟ (ليي) يموت؟ ما هذه النهاية فعلًا. وحتى اللحظة الأخيرة توقعت أن يستفيق (ليي) بشكلٍ ما بعد أن مات وسلّم نفسه للفيروس وأن بجسده يوجد مضاد أو آلية مناعية ما تقتل ذلك الفيروس شر قتلة وتُعيد الرجل المسكين إلى الفتاة التي لا تستطيع فعل شيء الحياة بدونه. أريد فعلًا معرفة الخيار الذي اخترتموه وقتها، هل اخترتم القتل أم الترك؟ أنا عن نفسي لم أستطع قتله على الإطلاق، وهذا لا يرجع لتعاطفي مع الشخصية –أنا أحبها أجل لكن هذا ليس السبب-، لكن السبب الفعلي يرجع لأنني مقتنع أنه في يوم ما يمكن أن نكتشف علاجًا لذلك الفيروس وندفن جثته بكرامة دون أن تُدفن وتوجد رصاصة مخترقة لرأسها بالكامل.

الآن ستستمر الفتاة بالعيش وحدها دون أن يكون (ليي) الأب والحامي المغوار بجانبها بعد الآن، وستكون الشخصية التي نلعب بها بعد ذلك هي شخصية (كليم) ذاتها. ففي النهاية نستنتج أن القصة تتمحور حول الفتاة الصغيرة وليس حول (ليي). فيا تُرى ماذا ينتظر تلك الصغيرة في وسط كل تلك الأهوال بالمستقبل؟ هل سيتركون (سافانا) ويذهبون إلى منطقة أخرى؟ مع من سيجتمعون مستقبلًا وهل هم أُناس طيبون؟ هل ستعيش الفتاة حتى تنفرج تلك الأزمة أم ستموت كما مات (ليي) المسكين؟ كلها أسئلة تدور في خُلدي الآن ولا أستطيع الإجابة عنها، ولذلك سوف ألعب الموسم الثاني قريبًا، وهذا ما عليكم فعله بالتأكيد أيضًا.

الرسم والتحريك

thehorrorsyndicate.com

قامت شركة Telltale Games بعمل أداء جيّد فعلًا بالنسبة إلى الرسم، ففي الواقع الرسم لم يكن خارقًا فيحتاج إلى أجهزة قوية للتعامل معه، ولم يكن متدنيًّا أيضًا حتى يجعل اللاعب يكره لعب اللعب من الأساس. كان الرسم متوسطًا، مع وجود بعض المشاهد التي تفنن صنّاع اللعبة في رسمها، وهنا بالتأكيد يجب أن أذكر المشاهد الطبيعية المفتوحة التي كانت فيها الشمس تُغطي كل شيء، فمزيج الطبيعة مع الموسيقى مع وقع الأقدام والتوجس شيء رائع فعلًا أبدع صنّاع اللعبة في إنتاجه بهذا الشكل المذهل. أما بالنسبة للتحريك فكان جيّدًا، لكن توجد بعض الأخطاء التحريكية البسيطة في بعض المشاهد، كما أن اللعبة بها بعض الأخطاء البرمجية الصغيرة التي تجعل مؤشر إمساك الأشياء يظهر على مقاطع فارغة من الشاشة، أو يجعل أداة ما تحملها شخصية البطل تظهر مُعلقة في مكان آخر وتحدث ازدواجية في الاختيار بين هذه أو تلك بالنسبة للمؤشر، مما يجعل إتمام المهمة أمرًا عسيرًا بعض الشيء، وفي بعض الأحيان كل تحتاج إلى إعادة تنصيب اللعبة من جديدة كي تعمل جيدًا.

الإخراج

No.1 Free Wallpapers

الإخراج، وما أدراك ما الإخراج. في الحقيقة لا أستطيع أن أُقلل من قيمة الإخراج هنا على الإطلاق، ففعليًّا أرى أن كل لمسة إخراجية كانت في محلها فعلًا وخرج العمل بأفضل صورة يُمكن أن يخرج بها. قام المُخرجون (وهم مجموعة كبيرة) بأداء مذهل في الزوايا الإخراجية للكاميرا، وفي اختيارهم الدقيق لأماكن وقوف الشخصيات بطريقة تجعل المشهد كأنه مشهد في فيلم سينمائي فعلي والشخصيات المرسومة إلكترونيًّا كانها شخصية حيّة حقيقية يتفاعل معها اللاعب كأنه مُشاهد جالس في قاعة السينما بالضبط. كما أنه يوجد مشهد ما بعينه سوف تجدوه في النهاية فصل قصة (مزرعة الألبان)، ذلك المشهد حرفيًّا لا أستطيع أن أخرجه من عقلي. المشهد عبارة عن تحفة إخراجية ذات تصوير ليلي داخلي لا مثيل لها. المزيج بين صوت المطر وضوء البرق ووقع الأقدام والكيانات المتربصة بالمشهد كان عبقريًّا. وحتى ينفجر عقلك بالكامل يلي ذلك المشهد مشهد آخر بالخارج يُظهر مدى ضعف وهشاشة النفس البشرية عند خسارة كل شيء، ليُبين المُخرج أن البؤس قد يصل بالإنسان إلى درجة تجعل الاكتئاب والحزن يلتهمانه بالكامل حتى يصبح بقايا إنسان يكافح الفراغ من أجل المغفرة. الإخراج عبقري، ولا كلمة إضافية يُمكن أن تُقال عنه بعد ذلك.

الأداء صوتي

حسنًا، هذه فقرة أسعد بشدة عند الحديث عنها، خصوصًا إذا كان الأداء الصوتي في العمل الفني جيّدًا فعلًا. في العادة ما تمتاز أعمال الأنميشن بشكلٍ عام (وأعمال الأنمي الياباني بشكلٍ خاص) بالأداء الصوتي الذي يستحق التقييم فعلًا. لكن الألعاب أيضًا تستحق أن يتم تقييم الأداء الصوتي فيها، خصوصًا مميزًا إلى هذا الحد. فلنأخذ على سبيل المثال صوت شخصية (ليي) الرئيسية، في البداية صوت الصوت يكون مُشوشًا والحالة النفسية المتضاربة والتوجسية التي كان عليها تجعل صوته غير ثابت وبه الكثير من الطبقات الصوتية المُرتفعة تارة، والمنخفضة تارة. لكن مع مرور الأحداث وتصاعد الشخصية دراميًّا، يصبح صوته هادئًا ودافئًا جدًا، حيث تكاد تُجزم أنه تحول من مُجرم في البداية، إلى أب في النهاية. الأداء الصوتي مناسب جدًا للحالات النفسية للشخصيات على وجه العموم، وكذلك واقعي بدرجة كبيرة في المواقف الحرجة التي تستدعي طبقة مُعينة من الصوت تتلائم مع سن وموقف الشخصية من الحدث الجاري أو النقاش المطروح.

الموسيقى

كنت أنتشي تمام الانتشاء بعد انتهاء كل حلقة أثناء سماع الأغنية المصاحبة لظهور أسماء القائمين على صناعة اللعبة. تلك الموسيقى تجعلك تُفكر مليًّا في أحداث الحلقة الفائتة، وتتوقع بغموض أحداث الحلقة التالية التي لا تستطيع أن تمنع نفسك عن لعبها الآن وعلى الفور. وهذا هو رابط الموسيقى كي تسمعوها. ومن الناحية الأخرى كانت هناك لمسة موسيقية أخيرة أعطانا إياها صنّاع العمل، وهي أغنية النهاية الخاصة بالحلقة الخامسة وحدها، وهي الأغنية الخاتمة للموسم الأول كله. حقًا كانت رائعة، وحقًا أنا متشوق جدًا للعب الموسم الثاني من أجل سماع الموسيقى الجديدة التي يمكن أن تطرب أذناي عند سماعها لأول مرة.

رأي شخصي

اللعبة رائعة جدًا، وتُعتبر أيقونة حيّة في فن إدخال اللاعب في (الأتموسفير) أو الأجواء العامة للحياة والشخصيات والأحداث. ببساطة الحبكة متزنة، الإخراج رائع، والموسيقى التصويرية مناسبة جدًا. اللعبة بالمُجمل تستحق مني تقييم كبير جدًا، لكن لا أستطيع إعطاء تقييم نهائي حتى أُنهي المواسم بالكامل، لذلك سوف يكون التقييم المبدئي لهذا الموسم مرتفعًا فقط دون إعطاء قيمة رقمية له.

الآن وقد وصلنا إلى نهاية المقال، هل اللعبة أفضل أم المسلسل؟ من رأيي لا أستطيع الحكم بعد، لذلك سوف أترك ذلك لكم. ماذا تنتظرون، هيا حملوا اللعبة والعبوها، فهناك الكثير من المتعة والحماس والتوجس بانتظاركم!!

مقالات ذات صلة

إغلاق